أحلام الليل والنهار في كتاب جديد لعبده وازن

الثلاثاء 2017/01/24
بالأحلام يرسم غرائبية الواقع

بيروت - على ناصية اليقظة يدخل الكاتب اللبناني عبده وازن مدنا متخيّلة ويرسم على جدرانها أحلاما حائرة تقيم على جسر يربط الواقع بحافة هاوية مفتوحة على ليل ونهار، في كتابه الأخير “غيمة أربطها بخيط”. والكتاب عبارة عن نصوص تجمع بين الشعر والسرد التخيلي. ويصنفه الكاتب على أنه أشبه بمدونة كتب فيها أحلاما أبصرها. منها ما ينتمي إلى أحلام الليل ومنها ما ينتمي إلى أحلام اليقظة.

يقول وازن “انطلقت في تأليف هذا الكتاب من تجربة ذاتية وخاصة. لم أجد ما أستند إليه من مرجع أدبي قائم على ما يسمى النص الحلمي. فشئت أن أكتب ما يمكن تسميته أدب الحلم، وليس مجرد تدوين أحلامي كما هي”.

ويضيف الشاعر والكاتب “انطلقت من الأحلام ورحت أكتب نصوصا قائمة على ذلك البعد الفني والتقني، وقد اعتمدت تقنية جديدة في كتابتها مستندا إلى الآلية التي قال بها عالمان كبيران هما سيغموند فرويد وكارل يونغ. وبدت هذه النصوص بعدما جمعتها وكأنها متراوحة بين القصص القصيرة وقصائد النثر”.

كل نصوص هذا الكتاب يمكن وصفها بأنها من النصوص المفتوحة، كما يقول وازن، إذ هي أحلام عكف صاحبها على تدوينها طوال أعوام. ومن بينها أحلام أبصرها منذ سنوات وظل يتذكرها جراء أثرها فيه أو حبه لها أو خوفه منها.

وبينما يسرد في بعض النصوص الحلم كما هو، فإنه في أحيان أخرى ينطلق من أضغاث حلم لينسج حوله نصا. ولكن ما من نص كُتب خارج الحلم، حلم ليل أو حلم يقظة. وفي كلتا الحالتين يغدو الحلم الذي يبصره وازن مختلفا عن الحلم الذي يكتبه، مؤكدا أنه عندما يعيد كتابة الحلم يبدو وكأنه يحلم به مرة أخرى ولكن عبر الكلمات. فإبصار الحلم أمر وكتابته أمر آخر.

تحمل كل صفحة من الكتاب، الصادر عن دار نوفل هاشيت -أنطوان ببيروت، قصة أو حلما أو شيئا من الخيال. لنفهم طبيعة الأحلام التي يدونها الشاعر نستحضر مقطعا من نص بعنوان “البئر” يقول فيه “البئر التي جف ماؤها راحوا يرمون فيها كتبا ودفاتر حتى امتلأت. لم يرم أحد فيها حجرا. مددت يدي لآخذ كتابا فوجدته أخضر مثل ورقة دلب”.

هنا يمكننا أن نفهم الطبيعة الشعرية للأحلام التي تتمظهر لنا وفق رؤية شاعر يرصدها من قاعه الدفين ليقدمها لنا مشهدا أو مشاهد متخيلة لا نقف عند حدود جماليتها الصورية، بل لها عمقها ودلالاتها الخفية.

يدخل في أحلام وازن الواقع بأماكنه ومكوناته وحتى بشخصياته، نذكر مثلا الصحافي سمير قصير، الذي اغتيل في بيروت عام 2005، ونجده في أحد أحلام عبده وازن، الذي يقرع بابا قصيرا، ويسأله “كيف كان وقع الانفجار عليك في السيارة؟ قال: لم أحسّ شيئا. أبصرت ما يشبه البرق ثم لا أذكر ما حصل. لكنني عندما فتحت عيني أبصرتني منحنيا على مقود السيارة التي كانت تحترق، ومن حولي أناس لم أعرف من أين أتوا. رحت أضحك. ظنّوا أنني فارقت الحياة. ثم رفع كأسه وقال: هيا نحتفل الليلة. السلام حل على العالم”.

ويفسر وزان مرامي كتاباته فيقول “لست راوي أحلام. إنني كاتب أحلام أو حالم داخل اللغة نفسها. حالم أحلام أبصرتها. وكم من أحلام تفوتنا فننساها، ولا تبقى منها ملامح ولو ضئيلة. وكم من أحلام تتكرر وكأنها تصر على طرق أبواب النوم لغايات غير واضحة. وكان لا بد من أن أكرر بضعة أحلام راودتني مرارا”.

ويتوقف وازن عند أمر ملحّ يقترب إلى السؤال “هل تعني هذه الأحلام- النصوص القارئ حقا؟” وهنا يعترف الشاعر أنه عندما كان يكتب هذه الأحلام كان يخامره شعور وكأنه يكتب أجزاء أو مقاطع من سيرته الذاتية، ولكن بطريقة لاواعية مشرعة على المصادفات والمفاجآت. إنها سيرته الذاتية المجهولة التي عاشها في ظلام الليل وعتمة الذات واللاوعي.

أما في شأن العنوان الذي يبدو عنوانا لديوان شعري أو لقصيدة فيقول وازن “إنما اخترته عن طريق الحلم أيضا وبمحض المصادفة. حلمت ذات ليلة أنني أكتب قصيدة وعندما استيقظت لم أحفظ منها سوى سطر: ‘غيمة أربطها بخيط‘. لا أذكر كيف كنت أكتبها. لم يبق من القصيدة سوى هذا السطر، بل لعلني كتبتها في الحلم ليبقى منها فقط هذا السطر”.

وترافقت النصوص الواردة في الكتاب مع دراسة مطولة حول مفهوم الحلم في نظريات العلماء وأبحاثهم التطبيقية مركزا على فرويد ويونغ، وهما من أشهر العلماء الذين اشتغلوا في هذا المضمار.

كما توقف الكاتب كثيرا عند آراء الفلاسفة العرب القدامى والفلاسفة الغربيين في قضية الأحلام، لكنه ركز على عالمين مسلمين كبيرين هما ابن سيرين وعبدالغني النابلسي، وقد وضع كل منهما كتابا في “تفسير الأحلام”.

15