أحلام الهجرة تنتهي بالأفارقة جثثا مرقمة في مقابر تونسية

قوات خفر السواحل التونسية تنتشل سنويا العشرات من الجثث إثر حوادث غرق مراكب لمهاجرين أفارقة وقد ظلت لسنوات تدفن جثثهم دون أن تتمكن من تحديد هوايتهم.
الاثنين 2020/07/06
تحليل الطب الشرعي لإثبات الهوية

تتعلق همم المهاجرين الأفارقة بحياة أفضل وراء البحر المتوسط، لكن هذا الحلم صار بعيد المنال، وغالبا ما ينتهي أصحابه من الأفارقة غرقا في قاع البحر الذي يلفظهم جثثا على الشواطئ التونسية. وتقوم السلطات في تونس بتكوين ملفات تضم صورا وبطاقات توصيف ومعطيات طبية للتعرف عليهم إذا ما بحث عنهم أهلهم وذووهم.

صفاقس (تونس)- كادت تندثر كغيرها من جثث الآلاف من المهاجرين الذين لقوا حتفهم في حوادث غرق في عرض البحر الأبيض المتوسط… لكن ما إن تم انتشالها حتى بدأت السلطات التونسية جمع كل ما أمكن من معطيات تتعلق بها وتسمح بمعرفة هوياتها يوما ما.

قال الطبيب الشرعي سمير معتوق، “يجب أن نسجل ونحفظ كل الآثار” من وشم وعلامات تجارية لأحذية وبصمات أصابع ومقاس القميص، وكذلك الحمض النووي.

ويعكف الطبيب وفريق عمله على فحص جثث العشرات من الغرقى لتكوين ملفات عنهم تضم صورا وبطاقات توصيف ومعطيات طبية. وهو عمل شاق من أجل تحديد كل ما يسمح بإعطاء اسم لـ29 امرأة وثلاثين رجلا وطفلين جميعهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء، وقضوا في غرق مركبهم مطلع يونيو الماضي في سواحل مدينة صفاقس (وسط شرق تونس).

وتعرّفت السلطات المحلية بسرعة على هوية ربّان المركب وهو تونسي، لكن في ما يتعلق بجثامين الركاب، لم يتم التعرف سوى على عدد قليل منها من خلال شهادات جُمعت من مواطنين من أفريقيا جنوب الصحراء مستقرين في تونس، بينما ظلت هويات الجثث الأخرى مجهولة.

ودفنت السلطات الجثامين في مقبرة إسلامية في محافظة صفاقس، وأعطتها أرقاما على أمل أن يأتي أحد ما ليسأل عنها وعن مصيرها، ويتم التعرف عليها من خلال ما بقي منها من لباس ومعطيات محفوظة.

وتنتشل قوات خفر السواحل التونسية سنويا العشرات من الجثث إثر حوادث غرق مراكب لمهاجرين سريين.

وظلت تونس لسنوات تدفن جثث المهاجرين الأجانب وأغلبهم من دول جنوب الصحراء دون أن تتمكن من تحديد هوايتهم، لكنها باتت تحاول على غرار الدول المجاورة لها تطوير عملها وتقنيات المعاينة.

عمل دؤوب للتعرف على هويات غرقى لقوا مصرعهم في المتوسط
عمل دؤوب للتعرف على هويات غرقى لقوا مصرعهم في المتوسط

وتعد إيطاليا التي بدأت منذ 2014 أخذ عينات من الحمض النووي للجثث منذ حادثتي غرق قبالة سواحلها خلفتا المئات من القتلى، البلد الرائد في هذا المجال بعد إحداثها لجنة حكومية خاصة بالمفقودين وتهتم بجمع المعطيات.

وقد سمح ذلك بالتعرّف على هويات أربعين جثة، حسب الطبيبة الشرعية كريستينا كاتانيو التي تنسق هذه العمليات في بلدها. وتؤكد الطبيبة أنه لم تتم مجانسة الإجراءات المعتمدة في ذلك داعية المؤسسات الأوروبية إلى “تولي الأمر”.

وتكشف إحصائيات الأمم المتحدة أنه منذ 2014 قضى أكثر من عشرين ألف مهاجر نحبهم في عرض المتوسط، من بينهم أن أكثر من 16 ألفا في أخطر منطقة تقع بين إيطاليا ومالطا وليبيا وتونس. وتم انتشال جثث أكثر من ثلث هؤلاء.

وتقوم ليبيا التي تشهد فوضى بسبب الحرب الدائرة منذ سنوات وتمثل نقطة انطلاق مهمة للمهاجرين، بدفن الجثث من دون أخذ عينات من الحمض النووي، بينما يشكل جمع المعطيات مهمة مضنية.

وعلى الرغم من أنها لا تملك إمكانيات كبيرة، تمكنت تونس بعد مشاورات منذ 2017 مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من تكييف إجراءاتها لجمع وتحليل المعطيات من الجثث.

ويؤكد رئيس قسم الطب الشرعي في المستشفى الجامعي بصفاقس سمير معتوق، “يجب فحص جثث كل الذين قضوا غرقا من قبل الطبيب الشرعي والشرطة الفنية (العلمية) وأن تُرفع عينات من الحمض النووي وبصمات الأصابع”.

وحين تصل الجثث إلى المستشفى تقوم السلطات الصحية بترقيمها الواحدة تلو الأخرى.. هذا الرقم يسجل في ملفها ويرافقها إلى القبر حيث ستدفن.

وينكب عدد من التقنيين في مشرحة مستشفى صفاقس على فحص الجثث المنتشرة هنا وهناك يدونون ما استطاعوا من معطيات وتوصيف لها. وقد فقدت بعضها تفاصيل الوجه المتآكل بينما تبدو أخرى منتفخة ولا تزال بعض طحالب البحر عالقة في أطرافها.

السلطات التونسية تعد ملفات لجثامين الغرقى في البحر المتوسط على أمل أن يأتي أحد ما ليسأل عنها وعن مصيرها

يقول الطبيب معتوق “يمكن لهذه الآثار أن تساعد عائلات الضحايا على التعرّف عليها وأن تقيم لها جنازات”، لكنه أكد أن “تحاليل الحمض النووي تبقى الأكثر موثوقية للتعرف على شخص حتى بعد العشرات من السنوات”. وتمكن فريقه من جمع 412 عينة للحمض النووي منذ ثورة 2011 التي شهدت تسارعا في الهجرة السرية على السواحل التونسية.

ويتزايد عدد جثث المهاجرين الأجانب المنتشلة من قبل السلطات التونسية، ما يتطلب تعاونا وثيقا للتعرف على هوياتها.

ويؤكد مسؤول في مخابر الشرطة الفنية والعلمية شهير جديم، أن عملية جمع العيّنات التي يقوم بها المستشفى تكملها معلومات الشرطة الفنية ويتم إرسالها بعد ذلك إلى القضاء.

ويقول منسق الطب الشرعي في اللجنة الدولية للصليب الأحمر في المنطقة بلال سبلوح، إن “مركزية المعطيات وإجراءات تشارك” المعلومات على المستوى الدولي تتطلب المزيد من العمل. وبإمكان العائلات لاحقا، أن تتوجه إلى منظمات الهلال الأحمر أو الصليب الأحمر في بلدانهم لطلب معلومات، لتقوم اللجنة الدولية للصليب الأحمر بعد ذلك بالتواصل مع السلطات المعنية، أي القضاء أو إدارة الطب الشرعي في الدول التي من المرجح أن تكون نقطة انطلاق للمفقودين.

وتوضح نائب رئيس البعثة الإقليمية للجنة الدولية للصليب الأحمر في تونس آن مونتافون، أن عدد هذه “الطلبات مرتفع قليلا في تونس، لكنه كبير جدا في ليبيا”. وقالت المنظمة إن بعض العائلات القليلة جدا حصلت على تأكيدات لوفاة قريب مفقود، وحتى مكان جثمانه.

في المقابل يؤكد الطبيب معتوق، أنه لم تصل بعد مطالب لإعادة جثامين إلى دولها. ويضيف “بالرغم من ذلك نواصل اعتماد بروتوكولات المعاينة… فقد يأتي ابن أو حفيد يوما ما”.

20