أحلام بسطاء القاهرة رهينة لقاء السيسي صدفة بالشارع

الجولات المفاجئة للرئيس المصري تحوّلت إلى مواعدة مع الحظ السعيد.
الثلاثاء 2021/05/11
رب صدفة خير من ألف ميعاد

القاهرة - صارت أيام الجمعة من كل أسبوع بمثابة أوقات حظ لفقراء القاهرة، حيث يقوم الرئيس عبدالفتاح السيسي بجولات ميدانية مفاجئة لتفقد مواقع العمل بالمشروعات التنموية، وإجراء لقاءات مباشرة مع المتواجدين في المكان، يستمع إلى شكاواهم ومطالبهم ويختار الأكثر احتياجا منهم للتوجيه برعايته وتلبية حاجاته.

اختار الحظ الخمسيني محمد حسن الذي يبيع الفاكهة بأحد شوارع حي مصر الجديدة الراقي، حيث فوجئ بتوقف سيارة سوداء طل من نافذتها الرئيس السيسي سائلا عن ظروفه المعيشية ومدى حاجته لمساعدة، فما كان من البائع إلا التحدث بتلقائية طالبا العلاج من أمراض تنهش عظامه وتوفير معاش شهري يساعده على الوفاء بالتزاماته اليومية.

لم تمرّ ساعات، وتحركت سيارة إسعاف مجهزة لنقل الرجل إلى أحد المستشفيات الكبرى تحت رعاية مباشرة من هالة زايد وزيرة الصحة، وتواصلت معه نيفين القباج وزيرة التضامن الاجتماعي للبدء في إجراءات صرف المعاش وتسليمه وحدة سكنية في المكان الذي يحدده، وتغيرت حياة الرجل، وبات يحظى بمتابعة مؤسسة الرئاسة.

جهاد عودة: السيسي أدرك مؤخرا أن البسطاء يشكلون صناعة الرأي الحقيقي
جهاد عودة: السيسي أدرك مؤخرا أن البسطاء يشكلون صناعة الرأي الحقيقي

قال حسن لـ”العرب” هاتفيا، إنه كان يسمع من التلفزيون عن جولات السيسي في الشوارع بشكل مفاجئ والتحدث مع الناس، وتمنى أن يلتقيه لينقل إليه معاناته، حتى تحقق مراده وتبدلت أحواله، نافيا أن يكون ذلك تم بترتيب مسبق، وأن هناك مسؤولين ما زالوا يتواصلون معه للتأكد من حصوله على كامل مستحقاته.

حالات كثيرة تغيرت أوضاعها بعد لقاء السيسي صدفة، والأغلبية منهم تسلموا وحدات سكنية مجانية وحصلوا على معاشات شهرية وإعفاءات لأولادهم من المصاريف الدراسية وعلاجهم على نفقة الدولة، وبعض الحالات حصلت على سيارات تاكسي لتكون مصدر دخل لأسرهم، وآخرون استفادوا بدعم مادي وأكشاك مرخصة لبيع السلع بدلا من البطالة.

كان السيسي يلتقي في قصر الاتحادية الرئاسي حالات محدودة من البسطاء احتفت منصات التواصل الاجتماعي بمعاناتهم وكفاحهم، ما عرّضه لانتقادات من معارضين، حيث قالوا إن معرفة ظروف الناس تكون بالاحتكاك بهم، لا باستدعائهم في القصر، حتى اختفت مشاهد استقبال الكادحين في مقر الرئاسة واستبدالها باللقاءات المباشرة معهم لكسر الحاجز النفسي بين الشارع والحاكم.

أصبح المصريون يترقبون يوم الجمعة ليعرفوا هوية صاحب الحظ السعيد الذي التقاه الرئيس واستمع إليه، حتى صارت هناك فئة من البسطاء أصحاب المطالب والمظالم، تبادر بالوقوف أسفل الكباري والمحاور المرورية وبالقرب من المشروعات التنموية على أمل أن يمر السيسي ويتوقف للحديث معهم ويسألهم عن مطالبهم ومشكلاتهم.

لا يتحرك الرئيس المصري بموكب ضخم من السيارات حتى لا يتعرف عليه أحد، بل يتعمد استقلال سيارة واحدة وترافقه أخرى بها طاقم حراسة، ليتمكن من التجول بأريحية في بعض المناطق وسط الزحام دون ترتيبات أمنية مسبقة، وقد يفاجأ الناس بتوقفه في أي مكان به أعمال إنشائية يصرّ على متابعتها بنفسه.

يرى مراقبون أن التحدي الأكبر يكمن في تعود البسطاء على أنه الوحيد القادر على حل مشكلاتهم، وهذا عبء سياسي، لكنه يستثمر ذلك في أن يكون حزبه الوحيد من القاعدة الشعبية، وهم الفقراء، ومن خلال الاحتكاك بهم يراقب الأداء الحكومي ويعرف الهفوات وأوجه التقصير بعيدا عن التقارير المكتوبة التي غالبا ما تجمل الواقع.

Thumbnail

يتعمد السيسي مخاطبة شريحة بسيطة بتسجيل حواراته مع الكادحين وإذاعتها في بيان رئاسي، لتوصيل رسائل مفادها أنه ليس بمعزل عن الشارع، واحتياجات الفقراء الذين يمثلون شريحة كبيرة بالمجتمع محل اهتمام شخصي منه، والظهور بصورة توحي بأنه واحد من الناس ويسعى لتغيير الثقافة المتوارثة بأن الرئيس يعيش في برج عاجي.

أكد جهاد عودة أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان بالقاهرة، أن التركيز على التواصل المباشر مع الطبقة التي تستهدفها الشائعات وتحاول تيارات معادية للدولة استهدافها، يعكس إدراك السيسي بالخطر من استمرار وجود فجوة بين السلطة والبسطاء، خاصة أن النزول إلى مستوى طموحاتهم والاحتكاك المباشر بهم أفرز إيجابيات كثيرة.

وأوضح لـ”العرب” أن الرئيس المصري تأخر في إدراج الفئات المهمشة بخطابه الرئاسي، وكان تركيزه على الشريحتين الأعلى والمتوسطة وهما لديهما فهم وإدراك بالمخاطر، وأدرك مؤخرا أن البسطاء يشكلون صناعة الرأي الحقيقي.

وهناك نظرية في العلوم السياسية اسمها “الرأي الشعبي”، والذي يمثله الفقراء والمحتاجون، لأن سلوكياتهم نقية ومشاعرهم أكثر وطنية ويملكون سمات مثالية في التكوين الشخصي، وهؤلاء معروفون بأنهم الأكثر قدرة على مساندة الدولة في أزماتها وتحدياتها، ما يفسر سر التقارب الرئاسي معهم مؤخرا.

وصار بسطاء المحافظات البعيدة ينظرون بنوع من الغيرة من أقرانهم القاطنين في القاهرة، لأنهم يحتكرون النسبة الأكبر من “الحظوظ السعيدة”، حيث لا يتجول السيسي بشكل مفاجئ إلا في شوارع العاصمة ويعوّل بنسبة كبيرة على وسائل الإعلام في رصد وإظهار الحالات الأكثر احتياجا في باقي الأقاليم المصرية.

وأجرى الرئيس المصري مداخلات تلفزيونية للتعليق على حالات إنسانية لذوي الدخل المحدود وتنفيذ مطالبهم، آخرها مكالمته الهاتفية مع برنامج “من مصر” على فضائية “سي.بي.سي” التي استجاب فيها لطلب فتاة تعمل على “تروسيكل” لرعاية أخواتها، ووعد بتوفير سيارة ومعاش شهري والمساعدة في زواج أشقائها، وناشد الإعلام التركيز على إظهار مثل هذه النماذج.

معضلة السيسي والشارع أن الإعلام ما زال بعيدا عن نبض الشارع ويركز على قضايا هامشية، ولم يستثمر اهتمام رئيس الدولة بالتعاطي مع احتياجات ذوي الدخل المحدود، وفي كل مرة يتعامل الإعلام بطريقة ردّ الفعل، بمعنى أنه يكتفي بالتحاور فقط مع حالات التقاها الرئيس ولا يبادر بتوصيل صوت الذين يحلمون بأن يستمع إليهم الرئيس.

2