أحلام رجل واحد

الأربعاء 2018/02/07

جاء فن الأوبرا إلى مصر مع تأسيس دار الأوبرا الملكية في مصر التي أمر بإنشائها الخديوي إسماعيل، ولم يأت مع المستعمر. وإسماعيل باشا، حفيد محمد علي باشا، مصري ولو كره الكارهون، وليس أجنبيا جاء غازيا أو مستعمرا، بل ولد ونشأ على أرض مصر وحلم بمشروع حضاري ضخم ينقلها من العصور الوسطى إلى العصر الحديث، ويجعل مدينة القاهرة تضاهي أجمل المدن الأوروبية وهو ما كان، وكان يا ما كان!

وقد شهدت الأوبرا المصرية مجدها الحقيقي في العصر الملكي وخلال الفترة الأولى لحكم ضباط يوليو الذين كانوا في معظمهم ينتمون أيضا إلى ذلك العصر، وكان يصعب بالتالي تدمير كل تراثه وميراثه الثقافي والفني ولو إلى حين، أي حتى بدء سعار الأيديولوجيا في منتصف الستينات، حين بدأت محاولات تطويع الفنون للمنظومة السياسية السائدة.

وإن ظل يصعب المساس بفن الأوبرا، ذلك الفن النخبوي الغربي الذي لقي صدى أيضا لدى الطبقة العليا في المجتمع، ثم الطبقة المتوسطة التي كانت تتشبّه بتقاليد الأرستقراطية في الكثير من النواحي مثل التردّد على المتاحف واقتناء اللوحات الفنية، وحضور حفلات الموسيقى الكلاسيكية وغير ذلك.. ممّا لا يمكن اعتباره من فنون عموم الشعب، لكن دار الأوبرا الملكية العريقة انتهت بالإحراق تماما عام 1972.

عندما نقول إن الأوبرا فن نخبوي رفيع وليس فنا شعبيا، ينبري بعض المتشبثين بالشعارات الشعبوية التي تميل إلى إضفاء القداسة على الشعب وكل ما يفعله بما في ذلك البناء العشوائي الذي يراه البعض من إبداعات الجماهير أي لا يجوز هدمه وإزالته بل يجب “تطويره” و“تجميله”، إلى الشجب والإدانة فهم من “عبيد الشعب”. لذلك رأينا مشاريع ترفع شعار “تطوير العشوائيات” في حين أنه لا يوجد في العالم سوى إزالة العشوائيات حتى لو كان الثمن أحيانا وقوع بعض الظلم على شريحة صغيرة من السكان.

فالمدن الحديثة لم تنشأ وترتقي وتتوسع بالتوسل إلى الناس أن يوافقوا على إزالة البيوت المتدنية المهدمة غير الإنسانية التي يقطنون فيها منذ عقود، والانتقال إلى منازل تليق بالبشر ولو في أحياء بعيدة خارج نطاق وسط المدينة المكتظ أصلا بالسكان، يعاني من التلوث والضجيج.

وعندما أراد نابليون الثالث جعل باريس عاصمة حديثة جميلة لم يتفاوض أو يتلكّأ أو يؤجّل أو يساوم، بل أمر بإزالة صفوف كاملة من المنازل لإنشاء “الشوارع الكبيرة” (البوليفار) التي أصبحت سمة مميّزة للعاصمة الفرنسية، وقام المهندس العظيم هاوسمان بإنشاء الساحات الرئيسية الباريسية الكبرى.

جاءت باريس الحديثة طبقا لإرادة رجل أراد أن يحقّق حلما في أن ينقل المدينة نقلة حضارية كبرى، كذلك كانت الأوبرا المصرية حلم حاكم كانت تداعبه أحلام المجد والعظمة للبلد الذي ينتمي إليه.

وجاء فيما بعد ضابط مثقّف ثقافة رفيعة عاش لفترة في باريس وجنيف واطلع على المنجز الحضاري، هو ثروت عكاشة الذي يرجع إليه الفضل في إنشاء معاهد الكونسرفتوار والباليه والفنون الجميلة والسينما والفنون المسرحية والمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والهيئة العامة للكتاب، ودار الكتب والوثائق القومية، كما أسّس فرقة الأوبرا المصرية وأوركسترا القاهرة السيمفوني وفرق الموسيقى العربية، والسيرك القومي ومسرح العرائس.

كان لا بد أن توجد فنون للنخبة المثقفة مثل الأوبرا والباليه إلى جانب الفنون الشعبية مثل فرق الرقص الشعبي وأعمال الفن الشعبي، ولكن ما حدث خلال العقود الأخيرة أنه أصبحت الأوبرا تخصّص لإقامة حفلات طعام ضخمة، أو حفلات غنائية لمغنيات “البوب” العربي السائد.

وأصبح جمهور الأوبرا يتكوّن من خليط يتّصف بالعشوائية في الملبس، والتدنّي في الذوق العام، وأصبح مجرد الدخول إلى دار الأوبرا في القاهرة مسألة شاقة تستلزم المرور بالكثير من الإجراءات والتدابير الأمنية. والأخطر أن الجمهور فقد القدرة على الالتزام بالقيم القديمة، فقد تسمع رنين جهاز التليفون المحمول فجأة، وقد تستمع إلى من يتحدثون معا بصوت مرتفع، أو من يحضر ليشق الصفوف بعد بدء الحفل، وهكذا فقدنا أجواء الأوبرا ليبقي التلفزيون وحده بمسلسلاته التي لا تنتهي!

 

ناقد سينمائي مصري

16