أحلام مستغانمي من ذاكرة الجسد إلى ذاكرة العباءات

الأحد 2014/12/07
أحلام مستغانمي بلغة الإغراء وفراغ المعنى وأنفاق لا آخر لها

الكويت ـ شاركت أحلام مستغانمي في معرض الكويت للكتاب، وظهرت بمظهر جديد، ترتدي فيه العباءة العربية، قبل هذا كانت قد استفزّت الخليجيين بتغريدة على تويتر قالت فيها: “أسافر للكويت وأضع في الحقيبة عباءات” مما تسبب في غضب أهل الكويت الذين اعتبروا أن الكاتبة الجزائرية صاحبة “ذاكرة الجسد” تنظر بدونية إلى الخليج وثقافته ونسائه وعاداته وتقاليده.

وكثيراً ما شوهدت النساء وهن يقرأن روايات مستغانمي على أنها جسرٌ من جسور تحرّر المرأة، غير أن المتفقد للروايات، لا يجد فيها أكثر من عنوانها المتعمّد إثارة الاهتمام، مثل “ذاكرة الجسد” و”كتابة في لحظة عري” و”عابر سرير” ومن يقرأ تلك العناوين يظن أن مستغانمي قامت بتحطيم المقدسات والمحرمات، غر أنه سيفاجأ بسطحية أعمالها، ولغتها البسيطة التي تكاد لا تتجاوز لغة الخواطر.


همسات أحلام


ولدت أحلام في تونس في العام 1953، لوالد جزائري من قسنطينة، نشط في الثورة الجزائرية، واضطر للعيش خارج بلاده، ستكتب عنه أحلام في “ذاكرة الجسد”، التحقت في بداية حياتها بالإذاعة الجزائرية، فقدمت برنامج “همسات” ‏الذي قدّمها كشاعرة.

وكانت من ضمن أول دفعة معرّبة تتخرج من كلية الآداب في الجزائر في العام 1971، وأصدرت في العام 1973 كتابها الأول” على مرفأ الأيام”، ثم سافرت إلى باريس في السبعينات، لتتزوج من جورج الراسي، الذي قال عنه الطاهر وطّار إنه هو من صنع نجاحات أحلام مستغانمي الإعلامية، بسبب علاقاته ونفوذه، والذي امتدحت أحلام علاقتها به، وقالت إن زواجها هذا الذي لم يثمر أولادها الثلاثة فقط، ولكنه أثمر رواياتها التي كتبتها دون أن يسائلها زوجها عن معنى هذا الموقف أو ذاك المشهد، ولم يتحوّل بيت الزوجية إلى مركز تحقيق بوليسي.

في باريس عملت أحلام مع الراسي في مجلته “الحوار” وتابعت دراساتها لتحصل على الدكتوراه من السوربون في علم الاجتماع، وقبل أن تعود مع أسرتها إلى بيروت، كانت قد أصدرت روايتها “الكتابة في لحظة عري” في العام 1976 عن دار الآداب التي قال صاحبها سهيل إدريس عنها لنزار قباني حين سمع رأي الأخير بكتاباتها: “لا ترفع صوتك عالياً.. لأن أحلام إذا سمعت كلامك الجميل عنها فسوف تجنّ” فأجابه نزار: “دعها تُجن، لأن الأعمال الإبداعية الكبرى لا يكتبها إلا مجانين”، وقال نزار حينها ” أحلام دوختني”. وكانت تلك الاحتفالات بالشابة الجزائرية، شحنات معنوية مجانية، منحتها دفعاً قوياً صنع شهرتها وانتشارها، ومع بداية التسعينات كانت أحلام تستعد لإصدار كتابها الجديد “أكاذيب سمكة”، ثم كتابها “الجزائر امرأة ونصوص”، وذاكرة الجسد” و”فوضى الحواس” و”عابر سرير”.

فكثرت شهادات كبار السن من الأدباء بها، حتى قال عنها نجيب محفوظ: “أحلام نور يلمع وسط هذا الظلام الكثيف كاتبة حطمت المنفى اللغوي الذي دفع ‏إليه الاستعمار الفرنسي مثقفي الجزائر”.

تقول مستغانمي إنها تريد أن تحاكم "ككاتبة دون تاء التأنيث، وأن يحاكم نصي منفصلا عن أنوثتي ودون مراعاة أي شيء"، ويبدو فعلا أنها صدقت موهبتها الإبداعية، وربما حان الوقت بالفعل لمحاكمة مستغانمي بغض النظر عن صورتها الدعائية

أما عبد الله الغذامي فكتب عن مستغانمي يقول: “استطاعت ‏أن تكسر سلطة الرجل على اللغة، هذه اللغة التي كانت منذ أزمنة طويلة حكرا على الرجل واتسمت بفحولته وهو الذي ‏يقرر ألفاظها ومعانيها فكانت دائما تقرأ وتكتب من خلال فحولة الرجل الذي احتكر كل شيء حتى اللغة ذاتها.

أثبتت أحلام عن جدارة بأنها ككاتبة تتفق مع نظيراتها من المبدعات على غرار غادة السمان وبنت الشاطئ ونوال ‏السعداوي، على رفضهن (تجنيس) النص الأدبي والنقدي، وتبويبه في خانة الأدب الذكوري والأدب الأنثوي”، ولا يُعرف معنى لهذا الثناء الباذخ، نقدياً، بالميزان العلمي لا البلاغي، ولكنه أضيف إلى رصيد أحلام على سلّم الشهرة، فمضت في طريقها.


غرور الروائية


لم تحتمل أحلام مستغانمي كل هذا الكم من الشهرة، والإطراءات التي توالت عليها، فأصابها الوهم، واعتقدت أنها مفكّرة وفيلسوفة، ويمكنها أن تجرح هنا، وتداوي هناك، وأصبحت تمشي على الأرض كالنجوم، حتى أنها قالت عن إلغاء ندوتها في الكويت: “السبب هو ضيق المكان” وكأن اللقاء سيكون عرض أزياء لكيم كاردشيان، أو استعراضاً راقصاً يحتاج إلى مكان واسع، بينما الحقيقة أن الشعب الكويتي لم يتقبل عجرفة مستغانمي وتعاليها على الثقافة والمرأة الكويتية، فضغط من أجل إنهاء رحلتها بأسرع ما يمكن.

تقول مستغانمي إنها تريد أن تُحاكم “ككاتبة دون تاء التأنيث، وأن يحاكم نصي منفصلاً عن أنوثتي ودون مراعاة أي شيء”، ويبدو فعلاً أن الوقت حان لمحاكمة مستغانمي بغض النظر عن صورتها الدعائية، وعلاقاتها الدبلوماسية مع الكتّاب، ومنهم من قيل إنه ينقّح ويعيد كتابة رواياتها سرّاً.

إن أسوأ ما فعلته أحلام مستغانمي، كان تقزيم الأدب النسوي الذي بدأته مي زيادة ونازك الملائكة وبنت الشاطئ وغيرهن، وتحويله إلى مجرد "تجميل باللغة" كما تقول هي، فصارت اللغة أدوات مكياج ومساحيق لا قيمة لها أدبيا، لكنها تثير غرائز المجاملين والمحرومين


أحلام التي تظن نفسها نازك الملائكة


إن أسوأ ما فعلته أحلام مستغانمي، كان تقزيم الأدب النسوي الذي بدأته مي زيادة ونازك الملائكة وبنت الشاطئ وغيرهن، وتحويله إلى مجرد “تجميل باللغة” كما تقول هي، فصارت اللغة أدوات مكياج ومساحيق لا قيمة لها أدبياً، لكنها تثير غرائز المجاملين، وتخدع النساء كما لو كنّ أمام فاترينات العرض في سوق يعرض أشهر الماركات، يبحثن عن ماركة جديدة تطرحها الأسواق، فكان أن طرحت الأسواق “ماركة أحلام مستغانمي”، فسارعن إلى شرائها مثلما يشترين أحمر شفاه وأقلام كحل ومسحوقاً لتبييض البشرة.

هذا التراجع في الأدب النسوي، قام بالتغطية على كتابات نسائية عربية مبهرة، في أنحاء العالم، في الشعر والرواية والقصة والدراسات، وطمس الجدية، لصالح الاستهلاكية، وبدّد الجهود الإبداعية الذاتية للكتابة الأنثوية، ليجعلها تنحسر إلى حدود التداعيات فاقدة المعنى.

بتجاوز أحلام مستغانمي لكل تلك الاعتبارات في صناعة الأدب، محمولة على أكفّ فاقدي الشباب، من أصحاب الشهادات السخية، تم تعميم نمط من الكتابة طغى حتى على الأدب “الذكوري” كما سمّاها عبدالله الغذامي، فصارت أساليب مستغانمي في الحكي، شرعية، وصارت مدرسة، ولكنها لا تخرج سوى دوائر الفراغ.


الإغراء


تقول مستغانمي إنها تكتب بلغة الإغراء، مشبهة ذاتها بشهرزاد، “في ساعة متأخرة من الشرق، يداهمها حبه. هو رجل الوقت ليلا، يأتي في ساعة متأخرة من الذكرى، يباغتها بين نسيان وآخر، يضرم الرغبة في ليلها.. ويرحل. تمتطي إليه جنونها، وتدري: للرغبة صهيل داخلي لا يعترضه منطق. فتشهق، وخيول الشرق الوحشية تأخذها إليه. هو رجل الوقت سهوا، حبه حالة ضوئية، في عتمة الحواس يأتي.

اعتمدت أحلام مستغانمي على عناوين فاضحة لتصنع شهرتها مستندة إلى شبكة علاقات عامة، وساعدها في هذا شهادات من عجائز الأدب العربي لم يجدوا ما يقدّمونه لها سوى كلمات الإطراء المجانية التي كرستها كروائية

يدخل الكهرباء إلى أهازيج نفسها، يوقظ رغباتها المستترة، يشعل كل شيء في داخلها، ويمضي. هو رجل الوقت عطرا، ماذا تراها تفعل بكل تلك الصباحات دونه؟ وثمّة هدنة مع الحب، خرقها حبه، ومقعد للذاكرة، مازال شاغرا بعده، وأبواب مواربة للترقب، وامرأة، ريثما يأتي، تحبه كما لو أنه لن يأتي، كي يجيء. لو يأتي.. هو رجل الوقت شوقا، تخاف أن يشي به فرحها المباغت، بعدما لم يثر غير الحبر بغيابه. أن يأتي، لو يأتي.

كم يلزمها من الأكاذيب، كي تواصل الحياة وكأنه لم يأت كم يلزمها من الصدق، كي تقنعه أنها انتظرته حقا..”، كان هذا الهذيان السابق من “ذاكرة الجسد”، وبالفعل تنجح أحلام مستغانمي في إلصاق صفة الإغراء بلغة هذا الكلام، ولكنه ليس الإغراء بمشتهى، بقدر ما هو تصوير لامرأة من عالم الحريم المكبوت، في تكريس لتلك العبودية، التي تتحول إلى لهيب يصيب عقل الكاتبة قبل أن يصيب شخصياتها.

ويقول الناقد عبدالسلام صحراوي: “والأديبة الروائية أحلام مستغانمي تمارس علاقة خاصة مع اللغة، هذه العلاقة الخاصة مع لغتها تجعلها تكسر تلك المعادلة التقليدية والكلاسيكية بين الدال والمدلول، ناهيك أن اللغة في كتابات أحلام تتحول إلى أداة إغراء (Séduction) إن أحلام تتألق في (ذاكرة الجسد) وفي (فوضى الحواس) بل إنها تتأنق وتمتاز بلغتها الساحرة المغرية للقارئ، حيث تمارس نوعا من العشق والمحبة للغة”، فلا حول ولا قوة إلا بالله.


قناع البوح


لا يكسب القراء العرب، إذا خسروا كاتباً، أو اكتشفوا أنه مزيّف، وأنه طبقة من الألوان، مجرد قناع، فلو كان حقيقياً لكان غنى لهم، ولكن في حالة أحلام مستغانمي، فإننا نجد تأثيرها يتجاوز المنجز الشخصي، إلى إشاعة ذهنية وطريقة في تناول الأدب والثقافة.

لم تحتمل أحلام مستغانمي كل هذا الكم من الشهرة، والإطراءات التي توالت عليها، فأصابها الوهم، واعتقدت أنها مفكّرة وفيلسوفة، ويمكنها أن تجرح هنا، وتداوي هناك، وأصبحت تمشي على الأرض كالنجوم، حتى أنها قالت عن إلغاء ندوتها في الكويت: "السبب هو ضيق المكان" وكأن اللقاء سيكون عرض أزياء لكيم كاردشيان

تقول مستغانمي في أحدث تصريحاتها: “ثمة من يكتب ولا يكون إلا كاتباً، وثمة من يكتب ويضع نفسه مكان الأبطال أما الكاتب العربي فيضع نفسه مكان القارئ، فيغدو هذا القارئ هو الرقيب”، وواضح كم التزمت أحلام مستغانمي، كانت قد التزمت بقيم الرقيبات في البيوت، والأسر المحافظة التي جرّحت دون مشروع فكري، في عالمهن الرائق الهادئ، ودون أن تقول لهن، ما هو آخر مطاف التهويم اللغوي الذي تجرّهن خلفها إليه.

وقالت أيضاً: “تعلّمت من نزار قباني أن أستدل بخوفي على الحقيقة، كان ذلك الدرس الأول والأصعب الذي تعلّمته في حياتي حول الكتابة، الدرس الثاني يكمن في أنه عليك، بصفتك كاتباً أو شاعراً، أن تخلع قيودك لتعيش حراً”.

ليس الذنب ذنب أحلام مستغانمي، ولكن على من “دوّخته” في أواخر أيامه خواطر شبقة لامرأة شابة، فلم يجد سوى الإطراء الذي لا يملك غيره، للتعبير عن تغزّله بها، أما تجليات عبقرية أحلام فكان شرحها للحرية، حين قالت: “حققتُ هذا الانتشار في الوطن العربي ليس لأنني متحررة بل لأنني اخترت التحرر من قيودي”، وأيضاً “لديّ اليوم أكثر من ستة ملايين متابع في مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا ما حوّلني من كاتبة إلى قائدة لجحافل من القراء، غير أنه ثمة مسؤولية للكاتب تجاه قرّائه، تزداد كلما زاد انتشاره، لذلك لم أعد قادرة على الكتابة بالحرية نفسها التي كتبت فيها أول مرة”.

الزمن العربي، الذي جعل من علي الديك وشعبان عبدالرحيم وفيفي عبده قادة رأي، جعل من أحلام مستغانمي قائدة لجحافل أيضاً، مع انحطاط المعايير، وهبوط سلّم الموازين إلى أدنى مستوياته، حتى تجرأت أحلام مستغانمي على العباءات العربية.

9