أحلام من جاكرتا

الاثنين 2013/11/18

بعد تحليق طويل في السماء، بدأت الطائرة في الانخفاض استعداداً للهبوط في مطار سوكارنو هاتا الدّولي. كانت أضواء جاكرتا قد بدأت تتراءى متلألئة مثل اللآلئ الزرقاء. كان الهبوط هادئاً من جهة البحر. وكانت صفحة الماء الدّاكنة في ضفاف البحر تتراقص على إيقاع أضواء المصابيح الناعسة والتي ترسم مسار الهبوط الليلي إلى عاصمة الأرخبيل الجميل.

في المطار لم تتأخر إجراءات الدخول والسّرعة تدل على الخفة والدقة معاً. ولا غرو إن كانت الأجساد تبدو نشيطة حتى وقد بلغ الوقت منتصف الليل إلا قليلا. لذلك لا أحد يقف في الطابور طويلا.

خارج المطار كانت شابتان أنيقتان في استقبالي، حيّتاني بتحية آسيوية لم أعرف كيف أردّ بأحسن منها، أو بمثلها على الأقل؛ انحناءة مستقيمة متوازية مع ابتسامة ناعمة. كيف سأردّ؟ ارتبكتُ قبل أن تتقدما لمصافحتي بأياد رطبة. ثم دعتاني لركوب السيارة.

في الطريق إلى الفندق كانت واحدة منهما تكلمني بلغة عربية فصيحة. لم أشأ أن أخبرها شيئاً عن بلاد العُرب؛ فقد كنت مذهولا بليل جاكرتا، ولم أشأ أن أقطع خيط الذهول: ناطحات سحاب برّاقة، سوبرماركات ومصارف زجاجية أنيقة، أنوار هادئة ومتناسقة، وأشجار خضراء باسقة. جاكرتا مدينة صناعية وسط غابة من الأشجار.

دخلنا إلى المطعم لتناول وجبة العشاء. لم تكن مجرّد وجبة، بل نسيجا من الوجبات المتنوعة، صنوفا لم أعهد لها مثيلا في البلاد الأخرى: شرائح السمك بالصلصة، الأرز المشرب بحليب الجوز الهندي، كعكة السمك الحلوة، كرات اللحم المتبّل، الخضروات الآسيوية الطازجة، الفواكه الاستوائية.

وفوق كل هذا هناك شيء آخر، الطاقم البشري الجاهز للخدمة: البسمة، الخفة، الدقة، والهدوء. هي أربع إيقونات تميز إنسان جاكرتا.أمضيت الليلة حتى الصباح أجوب الشوارع، لم أر إنسانا غاضبا أو في حالة غضب. لم أر إنسانا يصرخ في وجه أخيه الإنسان، لم أر بنتا تعيسة يتحرش بها الأشقياء، لم أسمع منبها لسيارة تستعجل المرور أو تتحرّش بتنورة أو بسروال قصير. هنا فهمت معنى الأمن الروحي الذي نتكلم عنه، أي، حين يكون الإنسان في حالة إشباع.

من هنا يبدأ الشروق، لكن جاكرتا تسبق الشمس، تنهض باكرا بلا ضجيج، وكأنها تحرص أن لا تزعج ضيوفها. عبر زجاج غرفة الفندق تراءت لي الصورة مكتظة لكنها تبدو صامتة؛ فالسيارات والدراجات النارية التي تملأ الشوارع منذ انبلاج الفجر لا تستعمل المنبهات، ومحركاتها لا تثير ضجيجاً مزعجا؛ إذ معظمها لا يتعدى عمره خمس سنوات. حتى حوادث السير لا تحدث إلا في النادر الأندر.

معالم جاكرتا كثيرة لم يسعني الوقت لأرى سوى جزء يسير منها: منتزه «عالم البحار» لمشاهدة مئات الأنواع من الأسماك من خلال أنابيب زجاجية، منتزه «الغابة المطيرة» لمشاهدة مئات الأصناف من الحيوانات البرية عبر الباص، «مدينة ألعاب عالم الخيال» وهي بالفعل اسم على مسمى، عشرات الجزر القريبة من جاكرتا والتي هي فرصة للتنزّه الأسبوعي لسكان مدينة الثمانية عشر مليون نسمة، وليس أخيراً المتحف الوطني، بالإضافة إلى متحف تاريخ جاكرتا.

مضت أيام جاكرتا سريعا كالحلم الجميل. وقد كنت غافلا عن انسياب الزّمن حين تذكرت موعد العودة. أخرجت تذكرة الطائرات للتأكد، آه، فجأة لم يعد يفصلني عن إقلاع الطائرة سوى ساعات قليلة. هرولت إلى الفندق لأجمع حقيبتي، وناديت صديقي الأندونيسي أن يحملني نحو المطار. وهكذا كان.

بعد فترة من الزّمن، كانت الطائرة تقلع بي نحو السماء، ومرّة أخرى كان الوقت ليلاً، وكنتُ أراقب أضواء المدينة تمضي، إنها جاكرتا في حالة انسحاب. نعم، تمضي أشياء جاكرتا وتبقى أحلامها.


كاتب مغربي

8