"أحلم وأنا بجوارك" حكاية امرأة تعيش في الروايات

الكاتبة زينب عفيفي تكتب في روايتها "أحلم وأنا بجوارك" عن رجال مشوهين ونساء يعانين الخيبة في الحب.
السبت 2019/04/20
في شراك الحب المحرم (لوحة للفنان عادل السيوي)

للقراءة تأثير لا خلاف فيه على القراء، سواء كان تأثيرا معرفيا أو نفسيا أو فكريا أو غيره، لكن أحيانا تتجاوز حدود تأثير القراءة ذات القارئ لتخرج إلى واقعه، وهو الأمر الذي قد يحدث خللا ما في علاقته بواقعه وتعامله معه؛ خلل غياب الحدّ بين المقروء كخيال والواقع كمادة وحقيقة.

تضع زينب عفيفي قارئ روايتها الجديدة “أحلم وأنا بجوارك” في مأزق التساؤلات الوجودية؛ عن معنى السّعادة، وخيار العزلة. فتضع بطلتها مي عبدالحميد في صراع السؤال وحيرته حول مفهوم السّعادة! على نحو: هل نبني سعادتنا على أنقاض سعادة الآخرين؟ وتتوالى الأسئلة في الرواية، الصّادرة مؤخّرا عن الدار المصرية اللبنانيّة 2019، من قبيل: هل الحبّ قدر أم اختيار؟ هل نستطيع أن ندفع الحبّ عنّا، إذا شعرنا أنه يأتي على حساب من نحبهم؟ وغيرها من أسئلة مربكة ومحيّرة تضعنا أمامها بطلة الرواية، التي تروي بصيغة الأنا. فمنذ الاستهلال وهي تمهّد لفاجعة الحبّ، فمع انتظارها للحبّ في اليقظة والمنام، لكن حين تحقّق “كان كابوسا فظيعا”، ولذلك كان سؤالها الصعب “لماذا يأتي الحبّ بعد طول انتظار مخلوطا بالسمّ مغموسا بالوجع”.

الحبّ المحرّم

بقدر ما يثير التساؤل فضول القارئ عن نتيجة هذا الحبّ، الذي أفضى إلى هذا الكابوس، لكنه لن يستطيع أن يتخيّل كيف كان الكابوس، كل ما يمكن أن يتخيّله أفق توقع القارئ، هو قصة عشق تنتهي بفراق الحبيبيْن؟ وهنا يتحوّل الفضول إلى عزوف عن استكمال النص، لكن تضع البطلة بتساؤلها القارئ أمام عقدة حقيقيّة، لا تكشف عنها إلّا في نهاية الرواية عندما نعلم أن هذا الذي راود خيالها، وطاردها في أحلام اليقظة والنوم، هو حبيب أمها السابق.

وقد عاد بعد غياب، لا ليعتذر عن هروبه القديم، عندما كان حبيبا للأم راجية منصور، وهما طالبان في الجامعة، ثمّ تخلّى عنها دون أسباب مقنعة، وتركته هي الأخرى لسبب غير مقنع بالمرة؛ فعاد كي لا يجبر كسرا أحدثه بفعلته السابقة، وإنما كي يزيد الجراح، ويضع الابنة في وضع محرج، هل تقبل هذا الحبّ الذي انتظرته؟ أم تعرض عنه بعدما اكتشفت الحقيقة؟

تلتقي مي الكاتب سليم علوان صدفة، عندما حضرت حفل توقيع روايته “سأحبك للأبد”. إثر اللقاء يستمر حضوره في وجدانها، فما أن تقرأ روايته حتى تقع في حبّه، ويطاردها في أحلام يقظتها، وتدخل معه في توهمات تكشف عن عمق المأساة التي تعيشها فتاة نذرت نفسها للقراءة ورعاية أمها، فاتخذت من القراءة حياة بديلة عن حياة الواقع الصادمة؛ إلى درجة أن أباها أضحى يوبخها لأن القراءة ستكون سببا في عنوستها. أخذت تتوسّل كل السّبلِ لتتعرف عليه، مع أن أمها مرّرت لها بعضا من أحابيله وخداعه للنساء، فحكت لها بالمواربة عن علاقته بصديقة لها، وما سبّبه لها من أزمة.

مأزق التساؤلات الوجودية
مأزق التساؤلات الوجودية

لكن الفتاة انقادت في طريقها إلى لقائه، وهو ما تحقّق بعدما تحصلت على وظيفة قارئة للروايات في إحدى المكتبات، وقد رشحها صديقها لهذه المهمّة، وما إن وجدتها الأم مقْدِمة على اللّقاء، بعدما اختارت روايته لمناقشتها بحضور جمهور المكتبة، وبعد اللقاء تخرج معه، ليس هذا فقط، بل صار يطاردها في أحلام اليقظة والمنام، ثمّ تتوالى الاتصالات بينهما، فهيّأ له كل هذا أن يطلب منها الزواج، مع أنه يعلم حقّ المعرفة بأنها ابنة تلك التي هرب منها قديما. طلب الزواج الذي جاء بعدما تأكّد من صلتها براجية منصور حبيبته السّابقة، ويضعنا في تساؤل: كيف أخذ القرار، وهو ما زال متعلقا بالأم؟ أو كيف يبدأ صفحة جديدة مع الابنة، مع أن إهداء الرواية موجه إليها “إلى التي أهدتني الحب كي أحيا”، والأغرب لماذا أعطت له الابنة هذه المساحة وهي تعلم بعلاقته السّابقة مع أمها في الماضي؟

قد يعود سبب هذه الحيرة، إلى شخصية البطلة، التي هي نتاج شخصيات روائية متراكمة من فعل القراءة، التي هربت إليها بسبب قسوة الأب؛ فالبطلة مي عبدالحميد، نشأت على حبّ القراءة، حتى ظنت أنها فأرة قراءة، حياتها موزّعة بين عالميْن؛ عالم أمها وتلبية احتياجاتها، وعالم الكتب وما تعيش فيه من حكايات. إلى درجة أنها ترى أن الروايات “بإمكانها أن تشفينا من أوجاعنا، وتساعدنا على فهم حياتنا، وبعضها قادر على تنويرنا ومنحنا حياة أرحب من واقع يضيق بأحلامنا ويحرمنا من أبسط حقوقنا في حياة هادئة”. إلى جانب هذه الملامح، فإنه من الممكن أيضا أن نكشف عن جوانب شخصية البطلة الخفيّة، من خلال العناوين الفرعيّة التي وزعتها الكاتبة على فصول الرواية الستة عشر.

حياة بديلة

عبر هذه العلاقة الإشكاليّة التي دخلتها مي مصادفة موضوع خطير؛ عبر علاقة الحبّ الثلاثيّة بين سليم علوان والأم من جانب ومي وسليم علوان من جانب ثانٍ، فهل من الممكن أن نصفح عمّن سبّب جرحا لأحبتنا، ونعطي له فرصة أخرى. أم أن الماضي -حتى ولو لم نكن سببا فيه- سيبقى حجر عثرة في الصفح وبداية علاقة جديدة.

الموضوع المهم الثاني الذي تطرقت إليه الرواية عبر علاقة الراوية بالكتب، وعلاقتها بأمها التي كانت لها العين في القراءة، هو تأثير القراءة في حياتنا، وهل من الممكن أن نصنع من القراءة حياة بديلة نطفو بها على واقعنا بإشكالياته وخياناته، بالتماهي مع مقولات لكتّاب وفلاسفة، وأيضا باستدعاء شخصيات روائية عانت من ألم الحبّ والفراق، ولا يقف استدعاء هذه الشخصيات عند حضور الشخصية أو الموقف الروائي، وإنما تقف البطلة أمام الموقف وتحلّله، وأحيانا تعترض على تخاذل البطلة في مواقف ما، وتوجهها إلى ما كان يجب أن تفعله.

لكن مع هذه الخبرة التي اكتسبتها من القراءة تارة، ومن أمها المثقفة، صاحبة البصيرة، تارة ثانية، ومن تجارب الشخصيات الروائية تارة ثالثة، مع كل هذا -ومع الأسف- لم تكن هذه التجارب ذات تأثير على البطلة، حيث انقادت إلى المأزق الذي كادت تهوي فيه، متتبعة هوى قلبها إذ “تركته يفعل ما يشاء”. وقفة الإفاقة من السقوط المحتوم في براثن الكابوس الفظيع، لم تأتِ إلّا عن طريق عمّ محمد متولي أمين المكتبة السابق، ومرشدها إلى وظيفة قارئة الروايات، عندما أخبرها بحيلة سليم علوان، إثر استقصائه عن حياتها وماضيها، بحجة أنه سيعمل برنامجا. وهذا ما يقودنا إلى الاستفهام عن جدوى القراءة إذا لم تأخذنا إلى جادة الصواب.

واحدة من الجوانب المهمّة التي كشفت بها البطلة عن حالة الصراع المضطرم في داخلها، أنها كانت تقيم حوارات بينها وبين شخصيات روائية أصابتها سهام الحب وعذابه، بل بعضها صار يأتي إليها كل ليلة ليؤنسها في وحدتها ضمن هذا الفراغ، وكأن دفاعها عن هذه الشخصيات بمثابة دفاع مسبق عمّا ستقع فيه لاحقا. كما تدخل في حوارات مع أمها المغرمة بالروايات عن إشكاليات هذه الشخصيات، وإن كانت الأم بحنكتها وبصيرتها تدفعها إلى التفرقة بين حالة الشخصيات الروائيّة والواقع، فتخبرها بأنه “في حياة الناس العادية وقائع أوجع بكثير من الأمور الأخرى التي تشغل بالهم”.

لا تكفّ الكاتبة منذ الاستهلال الذي صدّرت به للرواية من ألبرت مانغويل، عن القراءة التي أعطت لعزلته عذرا مقبولا، أو أعطت مغزى لتلك العزلة، عن التأكيد على أهمية القراءة، ليس فقط في استحضار مقولات عن القراءة سواء من مانغويل أو من غيره كعباس العقاد، بل جعلت من بطلتها قارئة روايات، وبالمثل أمها قارئة ومحرّضة على القراءة.

الروايات بإمكانها أن تشفينا من أوجاعنا، وتساعدنا على فهم حياتنا، وبعضها قادر على تنويرنا ومنحنا حياة أرحب

تنحاز الرّاوِية إلى المرأة على حساب الرجل، فتقدّم صورة -وللأسف- سلبيّة أو مشوّهة له؛ فالأب عبدالحميد، له صورتان متناقضتان داخل البيت أشبه بصورة سي السيد، بحزمه ووجهه العبوس، في حين أنه خارج البيت، هو رجل لطيف رقيق، كما أنه خائن أيضا، وبالمثل شخصية سليم علوان الروائي فهو انتهازي، استغل مشاعر راجية منصور، ثم تركها وتزوج من امرأة ثرية، كما أنه كان عونا للشرطة على أصدقائه، وبعد فترة حاول استدراج مي ابنة حبيبته السابقة للحب. الشخصية الوحيدة التي جاءت متسقة مع ذاتها هي شخصية عمّ محمد متولي، وكأنّ الراوية تريد أن تقول إنّ أثر القراءة صبغ الشخصية بصورة جعلته سويّة، وإن كان هذا المعنى حقيقيّا، فلماذا لم تتحقّق هذه السّويّة في شخصية الروائي؟

 على النقيض تماما تأتي صورة المرأة، كما مثّلت لها الروائية في صورتي راجية منصور الأم ومي الابنة، فكلتاهما استطاعتا أن تديرا معركتيهما باقتدار وصبر دون خسائر؛ فالقراءة قادتهما إلى طريق النجاة مع أن الأم فاقدة للبصر، إلّا أنّها كانت تمتلك البصيرة، والبنت كانت ذكيّة امتلكت الحيلة للإيقاع بمن خدع أمها، عبر ما ارتدته من ملابس خاصّة بأمها ووضعها ذات الرّائحة لينجذب الصّيد، وهو ما كان.

14