أحمد أبوالغيط لـ"العرب": الثورات المصنوعة أدت إلى الفوضى والانتحار القومي

جامعة الدول العربية تتبنى قرارات مناهضة لتدخلات أنقرة التي تسير على منهج طهران في تكتيل الأوراق الإقليمية وأصبح البلدان بندا أساسيا على جدول أعمال اجتماعاتها.
الأربعاء 2020/12/02
سفينة العرب تترنح فوق رمال السياسات الدولية المتحركة

جددت نتائج الانتخابات الأميركية التساؤلات الخاصة بفرص استئناف مفاوضات السلام والتوصل إلى تسوية سياسية حقيقية بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وفتحت الباب للحديث عن إمكانية تنفيذ حل الدولتين في ظل إدارة الرئيس الديمقراطي جو بايدن، والتي جاءت في ظل تطورات إقليمية عاصفة. ومن الواضح أن ثمة تغييرا متوقعا تجاه الكثير من القضايا العربية، ما استدعى الأمر إجراء لقاء مع السفير أحمد أبوالغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية، والذي ناقشت معه “العرب” تصوراته بشأن مجموعة من الملفات، ودور الجامعة فيها، وتوقعاته ورؤاه في كل هذه الأجواء.

القاهرة- كان من المقرر أن يتم هذا الحوار منذ حوالي شهر ونصف، غير أن الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبوالغيط، رأى تأجيله إلى ما بعد إجراء الانتخابات الأميركية، والتعرف على الساكن الجديد للبيت الأبيض، لما له من تأثيرات حيوية على المنطقة العربية.

وتم اللقاء مع السفير أبوالغيط، في مقر الجامعة العربية، صبيحة اجتماع عقده مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبومازن) بالقاهرة مساء الأحد الماضي، ومن الطبيعي أن تستفسر “العرب” عن انطباعاته حول هذا اللقاء في ظل هذه الظروف بالغة الحساسية.

وقال أبوالغيط “كانت الحاجة ماسة لهذا اللقاء على ضوء نتائج الانتخابات الأميركية، والاستماع إلى تصورات أبومازن بشأن العلاقات مع إسرائيل، ومصير ملف المصالحة، وتأثير الأوضاع الإقليمية على القضية الفلسطينية، لأن وجود إدارة أميركية جديدة يفتح المجال أمام قيام واشنطن بدور أكثر إيجابية في عملية السلام والسعي إلى تنفيذ حل الدولتين”.

وأضاف أن الجامعة العربية “ستظل داعمة لنضال الشعب الفلسطيني وصموده من أجل استعادة حقوقه المشروعة وتحقيق السلام القائم على العدل، وخروج الدولة الفلسطينية المستقلة إلى النور وعاصمتها القدس الشرقية”.

التحولات الإقليمية الجارية بشأن التعامل الإيجابي مع إسرائيل، والخشن مع كل من إيران وتركيا قد تؤدي إلى نظام إقليمي جديد

وعن مصير صفقة القرن التي تبناها الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب، قال “في تقديري الخطة التي تبنتها وطرحتها الإدارة المغادرة لن تشكل منطلقا للإدارة الجديدة في التعامل مع ملف عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فنحن نعرف أن ترامب ومن حوله، كانوا يتعاملون مع هذا الملف برؤية معينة كانت تُناقض الأساس الذي قامت عليه عملية السلام لعقود، ولا أقول إن عملية السلام ذاتها مقدسة أو لا يجب المساس بها، لكن أساسها الذي قامت عليه يجب أن يكون غير خاضع للتعديل والاجتهاد والإلغاء كما رأينا”.

وأوضح أبوالغيط، أنه من الضروري أن يكون العمل على تنفيذ حل الدولتين، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وبزوغ الدولة المستقلة، ورؤية ترامب كانت تنطوي على إجحاف كبير بالحقوق الفلسطينية، وميل غير مسبوق إلى المواقف الإسرائيلية اليمينية، كما أن الإجراءات الأميركية على أرض الواقع كانت معادية للفلسطينيين وسلطتهم الوطنية، وأعطت انطباعاً واضحاً بالانحياز ضدهم، وجعلت من الصعوبة على أي طرف فلسطيني التعامل إيجابياً مع الأفكار التي تطرحها.

وأشار إلى أنه “في ضوء ما نعلمه من مواقف بايدن، أراه أقرب إلى الأسلوب الدبلوماسي الأميركي التقليدي المؤسساتي الذي عمل طوال عقود على رعاية عملية سلمية تنطلق من رؤية الدولتين، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وعدم شرعنة الاستيطان، وهذه كلها مواقف تبنتها إدارات أميركية متعاقبة، سواء كانت جمهورية أم ديمقراطية”.

مقاربات إقليمية متناقضة

الخطة التي تبنتها وطرحتها الإدارة المغادرة لن تشكل منطلقا للإدارة الجديدة في التعامل مع ملف عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين
الخطة التي تبنتها وطرحتها الإدارة المغادرة لن تشكل منطلقا للإدارة الجديدة في التعامل مع ملف عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين

رغم اقتراب رحيل إدارة ترامب، غير أن مشروع التطبيع الجديد بين بعض الدول العربية وإسرائيل، يبدو مستمرا، وقد يرتبط بمشروعات تعاون إقليمي، وبالتالي سيؤثر في جوهر العلاقات العربية والإقليمية، لأن واشنطن لا تزال تواصل تحركاتها لاستكمال ما بدأته، وكأن هناك رغبة كبيرة لفرض أمر واقع أمام الإدارة المقبلة لعدم الفكاك منه.

وبالنظر إلى ذلك، يرى أبوالغيط أنه “عندما ننظر إلى الأمور بنظرة شاملة، فإن الاتجاه العام عربياً إزاء الصراع مع إسرائيل يمضي إلى التسوية السياسية، ومستمر بوتيرة متفاوتة منذ ما بعد حرب 1973، وصولا إلى مبادرة السلام العربية التي طرحتها السعودية في قمة بيروت 2002، وما شهدناه في الأربعين عاماً الماضية هو استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية ومواصلة المواجهات العسكرية والعنف والمقاومة في موجاتٍ مختلفة من الصعود والهبوط”.

وأشار إلى أن السبب الرئيسي لعدم التوصل إلى السلام الشامل، هو استمرار الاحتلال، ولا شيء آخر، وإنهاء الاحتلال وبزوغ الدولة الفلسطينية خطوة كفيلة بإحلال السلام الشامل على كل المستويات.

ويعتقد أبوالغيط أن المقاربات الأخيرة للسلام بين بعض الدول العربية وإسرائيل “يتعين أن تهدف ضمن أهدافها، إلى تحقيق هذا الهدف، ففي التحليل الأخير ستظل قضية فلسطين حقيقة قائمة، لا يمكن لإسرائيل أن تهرب منها، هناك خمسة ملايين فلسطيني يعيشون فوق الأراضي المحتلة، ماذا سيكون مستقبلهم؟ وماذا ستكون صورة المستقبل عندما يزيد عدد الفلسطينيين بين النهر والبحر عن أعداد اليهود؟ هل الوضع القائم قابل للاستمرار؟ لا أظن، تلك هي الأسئلة الحقيقية التي ينبغي مواجهتها وعدم التهرب منها، حتى نتحدث عن سلام مستدام قائم على العدل”.

تدويل أزمة سوريا والتدخل العسكري المباشر وغير المباشر لعدة أطراف عقّد المشكلة وننتظر توافقا لعودتها إلى الجامعة العربية

ويرى متابعون أن التحولات الإقليمية الجارية بشأن التعامل الإيجابي مع إسرائيل، والخشن مع كل من إيران وتركيا قد تؤدي إلى نظام إقليمي جديد يؤثر على مكانة الجامعة العربية، وتضاعف محنة دورها في الاشتباك مع كثير من التغيرات.

وردا على هذا الرأي قال أبوالغيط، إن “القوى الإقليمية الثلاث الموجودة معنا في المنطقة، إيران وتركيا وإسرائيل، لها أهداف ومصالح تُريد تحقيقها في المنطقة العربية في العقد الأخير، وشهدنا نوعاً من التهور السياسي من جانب تركيا وإيران اللتين أظهرتا نهماً ورغبة في الانقضاض على ما تصوّرتا أنه مكاسب لهما بسبب الفوضى التي دخلت فيها بعض دول المنطقة منذ 2011”.

وتابع “البعض يعتقد أن تصدّينا كعرب للتدخلات والسياسات الإيرانية والتركية معناه أننا نُقر أو نقبل بالسلوك الإسرائيلي، وهذا أمر خاطئ بالتأكيد، فالعلاقات العربية مع إسرائيل مهما شهدت من تحسن على مستويات معينة، ستظل من وجهة نظري بعيدة عن القبول الشامل ما دام احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية والعربية مستمراً”.

وأكد لـ”العرب”، أنه يرى أيضا أنه من المبكر الحديث عن نظام إقليمي جديد، فالمنطقة لا زالت في حالة ارتباك، ومفهوم النظام الإقليمي يتطلب وجود رؤية مشتركة بين الأطراف حول القضايا الأساسية بالذات، وخاصة تلك التي تخص الأمن والسياسة الخارجية، وهو “ما لا أراه متوفراً حتى اللحظة”.

وانتهجت إدارة ترامب منهجا لا يُعلي من قيمة الحريات وحقوق الإنسان، ولم تضع هذا الملف في مقدمة أولوياتها، بينما أعلت إدارة الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما من شأنه، وهناك كلام عن أن بايدن يمكن أن يعود إلى طريق أوباما، ويقدم على خطوات نوعية فيه، ويجعله محددا في سياسته الخارجية.

وفي ظل هذه التقديرات، استفسرت “العرب” من أبوالغيط حول ما إذا كانت إدارة بايدن ستقوم بإعادة إنتاج رؤى أوباما، وهل الإخفاقات التي واجهها الرجل، ونائبه بايدن وقتها، تقود إلى الحديث عن تبدل في المواقف أم تعديلها؟

وقال إن “إدارة أوباما تبنت رؤى رأيتها في حينه، ولا زلت أرى أنها كانت شديدة السطحية تجاه المنطقة، ومنطلقة من أفكار مجردة منقطعة الصلة بواقع المنطقة ذاته، وبالاحتياجات الحقيقية لشعوبها، منهج ينطوي على نوعٍ من الوصاية، ويفتقر إلى الدراية الكافية بالتاريخ وبالصعوبات الهائلة المرتبطة بعمليات التغيير الاجتماعي والسياسي، فليس كل تغيير إصلاحاً، والتاريخ يخبرنا بعمليات تغيير سياسي كبرى جرت تحت شعارات مثالية، ثم ما لبثت أن أفرزت أوضاعاً أسوأ بكثير من تلك التي ادعت ضرورة تغييرها”.

إيران تمارس تنمرا إقليميا مكشوفا تجاه الدول العربية عبر دعم جماعات التخريب وثمة وعي أميركي تجاه تدخلات طهران

ويعتقد الأمين العام للجامعة العربية أن بايدن لا يتبنى نهج أوباما حيال هذه الموضوعات بالذات، “أقول هذا من واقع خبرة شخصية مع الرجل، الذي أراه على قدرٍ كبير من الحكمة والخبرة في الشؤون الخارجية، وقد كشف ما نُشر في العديد من المذكرات، منها مذكرات روبرت غيتس، وهيلاري كلينتون، وأخيراً مذكرات أوباما نفسه، أن مواقف بايدن بالذات في وقت الأحداث العاصفة في 2011 لم تكن متطابقة مع أوباما، بل كان أقرب إلى الفريق الواقعي في الإدارة”.

وعن أي الإدارتين ترتاح لها الجامعة العربية، الجمهورية أم الديمقراطية، وهل هو مستعد للتعامل مع إدارة ديمقراطية يمكن أن تكون مهادنة مع إيران أكثر من اللازم، أكد أبوالغيط أن “الجامعة العربية لا تنظر إلى الإدارة الأميركية على أساس حزبي على الإطلاق، وللعرب تجارب جيدة مع رؤساء من الحزبين، ما يهمنا منطلقات الإدارة ورؤيتها ونهجها في التعامل مع الأمور وليس لونها الحزبي”.

أما بخصوص إيران، فما “يعنينا كعرب في المقام الأول أن تتوقف عن سياسة التنمر الإقليمي التي تمارسها في المنطقة منذ نحو عقدٍ وأكثر، وأن توقف تدخلاتها في الشؤون الداخلية للدول العربية، وتُنهي دعمها للميليشيات والجماعات المسلحة والمُخربة، وأظن أن الإدارة الأميركية القادمة تفهم جيداً مدى خطورة تلك السياسات، التي تتبناها طهران، وهذا كله بخلاف الملف النووي بتعقيداته المتعددة”.

مخاطر التدخلات الخارجية

العالم تغير والجامعة العربية لم تتغير
العالم تغير والجامعة العربية لم تتغير

تواجه الكثير من الدول العربية تدخلات لا تقل خطورة من قبل تركيا، والتي تسير على المنهج الإيراني في تكتيل الأوراق الإقليمية، واستخدامها في الاستفزاز والابتزاز، ما وضع الجامعة العربية بين فكي رحى طهران وأنقرة. ومع ذلك، تبنت قرارات مناهضة لهذه التدخلات، وأصبحت تركيا وإيران، بندا أساسيا على جدول أعمال اجتماعاتها على المستوى الوزاري والقمة.

وبدت التصريحات التي أدلى بها بايدن حيال تركيا، تشير إلى أن هناك تغيرا في الاتجاه السلبي في التعامل مع الرئيس رجب طيب أردوغان، على عكس التوقعات الإيجابية مع إيران، فهل يستثمر العرب هذا الاتجاه؟

وقال أبوالغيط متسائلا “ما هي مشكلة العرب مع الأتراك على المستوى الشعبي؟ لا شيء.. بالعكس أعتقد أن الأتراك من أقرب الشعوب إلينا ثقافياً وحضارياً بعيداً عن أية أمور سياسية، لكن المشكلة بالنسبة إلى الجانب العربي تتمثل في السلوك السياسي التركي، وهذا هو المحك الحقيقي لتحسين مجمل العلاقات.

وأوضح أن التدخلات التركية صارت أكثر اجتراء وتهورا مع الوقت، وهي حاضرة على أكثر من مسرح في منطقتنا، وتُمارس ما يشبه الخطة للهيمنة لها جوانب أيديولوجية وعسكرية واقتصادية، وأظن أن الإدارة الأميركية الجديدة عليها الانتباه إلى المخاطر التي تنطوي عليها سياسات أنقرة، لأنها تغذي الاضطراب وعدم الاستقرار في المنطقة.

أزمة ليبيا لن تحل عسكريا واتفاق جنيف يبشر بالحل السياسي والتسوية يجب أن تكون ليبية – ليبية ووطنية خالصة

وبالنسبة إلى تدخل روسيا في عدد من الصراعات العربية، في سوريا وليبيا، واعتزامها وضع نواة لقاعدة بحرية في بورتسودان، هل هذا التقدم يمثل عبئاً جديداً على العرب، وهل هناك إمكانية لتوظيفه بصورة إيجابية لضبط العلاقة مع أميركا؟

هنا يؤكد الأمين العام للجامعة العربية، أن “روسيا لاعبٌ مهم دولياً وأيضا في المنطقة، لديها القدرات والإرادة للقيام بدور، ولديها أيضاً تاريخ ممتد من العلاقات مع عددٍ من الدول، ومواقف موسكو تستهدف المصالح الروسية في الأساس وهذا منطقي وأراها أيضاً تنطلق من رؤية واقعية، وتسعى إلى خلق نوعٍ من التواجد الدائم في عددٍ من نقاط الارتكاز بالمنطقة”.

وبطبيعة الحال، فإن حالة الفراغ الاستراتيجي التي يعاني منها الإقليم سمحت لأطراف كثيرة، منها الطرف الروسي، للقيام بأدوار أوسع من ذي قبل، وبالطبع العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا بالغة التعقيد والتشابك وسوف تمر بفترة قلقة مع بداية ولاية الرئيس الأميركي الجديد لأسباب مختلفة.

وذكر أبوالغيط، أنه وسط هذه العلاقة المعقدة، تمثل المنطقة العربية ملفاً من ضمن ملفاتٍ عدة ملتهبة، وقد لا يكون أكثرها إلحاحاً. وعموماً، أثبتت روسيا خلال الفترة الماضية أنها طرف أساسي للحل في عددٍ من الملفات، على رأسها الملف السوري، وبالمناسبة، فهذا لم يبدأ مع إدارة ترامب، لكن بدأ مع إدارة أوباما، إذ حدث التدخل العسكري الروسي في سوريا في عهده، في سبتمبر 2015، ومثّل نقطة تحولٍ كبيرة في الدور الروسي على الساحة السورية، وفي المنطقة بوجه عام.

بعد عشر سنوات مما يعرف بثورات “الربيع العربي”، ماذا ربح العرب، وماذا خسروا جراء سلسلة الانتفاضات تجاه أنظمة الحكم؟

سياسات تركيا تجاه المنطقة العربية لها جوانب أيديولوجية وعسكرية واقتصادية، وهي أسلوب متهور يُغذي عدم الاستقرار

ذهب أبوالغيط إلى أن “خسارة العرب شاملة ومؤكدة وتُثير في نفسي غصة بلا شك، كل ما تحدثنا عنه من فراغ أمني وفوضى وتخبط استراتيجي هو حصيلة ما جرى في 2011، لا تظن أنني أنظر لما كان قائماً قبل هذا العام بوصفه زمناً ذهبياً أو فترة وردية، ليس هذا ما أقصده، فالحقيقة أن عدة دول عربية كانت تعاني مشكلاتٍ خطيرة وهيكلية، لكن العلاج في تقديري لم يكن بالتثوير بل بالتطوير، والإصلاح والتحديث، أما ما حدث فلم يحل مشكلة واحدة، وإنما فاقمت الفوضى من المشكلات والقضايا، بداية من الفقر متعدد الأبعاد، وانتهاء بالبطالة وتراجع النمو الاقتصادي، وحتى الإصلاح السياسي”

وأضاف أن أخطر ما جاء به عام 2011 يتمثل في زعزعة الشرعية التي تستند إليها الدول الوطنية، ومن ثمّ فتح المجال لشرعية أخرى دينية أو طائفية أو ميليشياوية، وهذا في واقع الأمر نوع من الانتحار السياسي، لأن الديمقراطية والتعددية لا يمكن أن تزدهرا سوى في إطار من الدولة الوطنية التي يُجمِعُ أبناؤها على مشتركاتٍ معينة، يُمكن أن يختلفوا بعدها حول البدائل والسياسات، وحتى حول الأيديولوجيات والأفكار، تلك هي طبيعية التعددية.

وتابع أبوالغيط “أما الخلاف على الدولة الوطنية نفسها، فلا يعني سوى الانتحار القومي والفوضى، وتسليم البلاد إلى عصابات طائفية وميليشيات كداعش وأخواتها، وأحمد الله كل يوم على أن بلداناً عربية كبيرة، في مقدمتها مصر، استطاعت تجاوز هذا الفصل الخطير من تاريخنا المعاصر، وندعو الله أن تخرج بقية الدول التي لا زالت تعاني صراعات ممتدة وجراحاً مفتوحة من هذا النفق المُظلم في أقرب وقت ممكن”.

تفاؤل بحل الأزمة الليبية

الوضع في ليبيا مُركّب ومعقد للغاية
الوضع في ليبيا مُركّب ومعقد للغاية

وسط تنامي الدور الروسي والتدخلات التركية في الأزمة الليبية بعد السورية، حاولت “العرب” معرفة موقف أبوالغيط من مغزى الحراك الكبير للتسوية، فقال “هناك بالفعل حراك سياسي ودبلوماسي كبير لحلحلة الأزمة، والتوصل إلى تسوية متكاملة، ففي ليبيا الوضع مُركّب ومعقد للغاية، بأبعاده السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية، ونحن لطالما أكدنا أنه لا يوجد أي حل عسكري للأزمة، وهذه التسوية يجب أن تكون ليبية – ليبية ووطنية خالصة، ووفق أسس جامعة يتوافق عليها الليبيون أنفسهم بشكل يحافظ على وحدة أراضي وسيادة الدولة وبعيدا عن أية تدخلات خارجية بمختلف أشكالها ومظاهرها”.

وحول غياب الجامعة العربية عن هذه الأزمة وتفاعلاتها، أشار إلى أن الجامعة منخرطة ومشاركة في كل هذا الجهد، لكن هناك توافقا دوليا على أن تتم جهود التسوية تحت الرعاية الكلية للأمم المتحدة وبعثتها للدعم في ليبيا، وهو المنهج الذي نعمل في إطاره وندعمه، وهو ما اتفق عليه أيضا المشاركون في مؤتمر برلين ومسارات متابعة خلاصاته وتضم الجامعة ومختلف الدول والمنظمات الإقليمية المعنية بالشأن الليبي.

وأضاف “نحن نرحب بالتقدم الكبير الذي أمكن إحرازه حتى الآن في سبيل تسوية الأزمة، إذ حقق الليبيون، سواء حكومة الوفاق أو الجيش الوطني، إنجازاً مهماً بتوقيعهما على اتفاق رسمي للوقف الدائم والشامل لإطلاق النار يوم 23 أكتوبر الماضي في جنيف، واتفق المشاركون في ملتقى الحوار السياسي الذي رعته البعثة الأممية في تونس على خارطة طريق لتنظيم المرحلة التمهيدية المقبلة وصولاً إلى إجراء انتخابات وطنية في البلاد، وسبق للأطراف الليبية أن توصلت إلى تفاهمات سمحت باستئناف عمليات إنتاج وتصدير النفط في البلاد. وهذه الجهود تمت في مجملها تحت رعاية الأمم المتحدة، ووفق مظلة عملية برلين وبإسهام ومساندة عربية فاعلة من خلال العديد من اللقاءات والحوارات التي جمعت الأطراف الليبية في القاهرة والغردقة وتونس وبوزنيقة وطنجة، وكل هذه التطورات تؤشر إلى تقدم ملموس، ويمكن حقاً أن تقربنا من نقطة التوصل إلى اتفاق ليبي شامل لاستكمال المرحلة الانتقالية وتتويجها بالانتخابات الرئاسية والتشريعية التي ظل الشعب الليبي لسنوات يتطلع إليها”.

أخطر ما جاء به عام 2011 يتمثل في زعزعة الشرعية التي تستند إليها الدول الوطنية، ومن ثمّ فتح المجال لشرعية أخرى دينية أو طائفية أو ميليشياوية

وحول ما إذا كنا نشعر بالتفاؤل بأن كافة هذه الجهود ستفضي إلى حل شامل للأزمة وسيمضي الليبيون بالفعل في خارطة طريق للتسوية السياسية، أجاب أبوالغيط “أعتقد أن الليبيين أظهروا إرادة عالية في تنفيذ ما توافقوا عليه حتى الآن، وفي استكمال حواراتهم حول ما تبقى من خطوات واستحقاقات يتوجب عليهم الاتفاق عليها، وهناك بالطبع تحديات متعددة وكبيرة يجب تجاوزها، فمن الهام أن ينفذوا جميع أحكام اتفاق وقف إطلاق النار ووفق الأطر الزمنية المرتبطة بها، وعلى رأسها انسحاب وإعادة تمركز قوات حكومة الوفاق وقوات الجيش الوطني من الخطوط الفاصلة في سرت – الجفرة وإخراج جميع المرتزقة والقوات الأجنبية من كامل الأراضي الليبية”.

وأشار إلى أن هذه استحقاقات يجب أن تنفذ خلال 90 يوما من تاريخ التوقيع على اتفاق جنيف، كما يستلزم الأمر الشروع في تنفيذ خطط شاملة وجذرية لمعالجة مشكلة الجماعات والميليشيات المسلحة والتي ستظل تهدد أية عملية للانتقال السياسي ونجاح الاستحقاقات الدستورية والانتخابية المنتظرة، ويتوجب على الليبيين بالطبع تنحية خلافاتهم للتوافق على تسمية رئيس ونائبي مجلس رئاسي جديد واختيار رئيس وزراء لحكومة وحدة وطنية وتشكيل هذه الحكومة الجديدة، وتوحيد بقية المؤسسات المنقسمة والاستقرار على الأرضية القانونية والدستورية المنضبطة التي ستعقد على أساسها الانتخابات المقررة في ديسمبر 2021.

وأضاف “كلها تحديات كبيرة، ولا أقلل من شأنها، لكن أثق أو آمل في أن يتمكن الليبيون من تجاوزها وعدم إضاعة هذه الفرصة لإخراج البلاد من حالة الاقتتال والانقسام والاستقطاب السياسي التي ظلت لسنوات تعاني منها، ويهمني هنا أن أؤكد مجدداً أن كل هذه الجهود المبذولة، والتسوية الشاملة التي ننشدها، لن تنجح أو تتوافر لها فرص الصمود ما لم تتوقف كافة أشكال التدخلات الخارجية في الأزمة الليبية، ويتم وضع حد للانتهاكات المنتظمة لحظر السلاح المفروض على البلاد والاستقدام المتواصل للعتاد العسكري والمرتزقة الأجانب إلى البلاد”.

تحدثتم هنا عن التدخلات الخارجية والخروقات التي تتم لحظر السلاح ودخول المرتزقة، فما هو موقف الجامعة بخصوص التدخل التركي في ليبيا؟

أوضح أبوالغيط لـ”العرب”، أن هناك موقفا عربيا واضحا في إدانة ورفض كافة أشكال التدخلات الخارجية في الشأن الليبي، والتي جعلت من ليبيا مسرحاً للتدخلات العسكرية لدولة عضو في الجامعة، وهناك موقف أكثر وضوحاً في إدانة ورفض التدخلات التركية في ليبيا، وغيرها من الدول العربية، فتركيا استقدمت عناصرها وعتادها ومرتزقتها إلى البلاد بالمخالفة لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة وبشكل يهدد وحدة وسلامة الدولة الليبية والاستقرار الإقليمي.

وحدة سوريا وعروبتها

تدويل أزمة سوريا، والتدخل العسكري المباشر وغير المباشر لعدد من الأطراف أسهم في تعقيد هذه الأزمة وإطالة أمدها
تدويل أزمة سوريا، والتدخل العسكري المباشر وغير المباشر لعدد من الأطراف أسهم في تعقيد هذه الأزمة وإطالة أمدها

أصبحت الجامعة العربية غائبة تقريبا عن التأثير بقوة في جميع الأزمات العربية، وكان موقفها المرتبك من سوريا مثيرا للاستغراب من قبل دوائر كثيرة، وقبِلت برهن الأزمة لمصير قوى إقليمية ودولية من دون تقديم اجتهادات تجعلها رقما مهما فيها، فإلى أين وصل الملف السوري داخل الجامعة العربية، وما هي سبل عودة دمشق إلى مقعدها بالجامعة العربية؟

قال الأمين العام للجامعة العربية، إن “الملف السوري تم ترحيله منذ بداية الأزمة إلى الأمم المتحدة، وكان هذا خطأ كبيراً، وقد عبرتُ عن هذا الرأي أكثر من مرة، فسوريا دولة مهمة في النظام العربي، وكان ينبغي معالجة أزمتها في الإطار العربي، إنني أتفهم الظروف المرتبكة التي أفرزت هذا الوضع الخاطئ في عامي 2011 و2012”.

وأضاف “ما أريد قوله إن تدويل أزمة سوريا، والتدخل العسكري المباشر وغير المباشر لعدد من الأطراف أسهم في تعقيد هذه الأزمة وإطالة أمدها، لأن كافة الأطراف المتدخلة لها مصالح تريد تحقيقها، وبعضها يظن أنه استثمر في هذا النزاع عبر سنوات، ولا يُريد أن يخرج من دون مكاسب. والخطير ما تحمله بعض هذه الأطراف من نوايا لتواجدٍ طويل الأمد تُمهد له بإجراءاتٍ وسياسات تهدف إلى تغيير ديموغرافي في بعض المناطق السورية، وهذا أمرٌ مرفوض عربياً، وجرى التعبير عن هذا الرفض في عدة قرارات صادرة عن المجلس الوزاري”.

وكشف أبوالغيط في حواره مع “العرب”، أن أكثر ما يهم الجامعة في نهاية الأمر، وبرغم أي خلاف، هو الحفاظ على وحدة وعروبة سوريا وسلامة واستقرار المجتمع السوري بالذات بعد كل ما عاناه السوريون خلال العقد الأخير، أما التوافق العربي لاتخاذ خطوة استعادة سوريا لمقعدها في الجامعة فلم يتحقق بعد.

جدوى الجامعة العربية

كيف يستعد العرب للتعامل مع التحولات الإقليمية العاصفة
كيف يستعد العرب للتعامل مع التحولات الإقليمية العاصفة

أدت الإخفاقات التي تواجهها الجامعة العربية وعدم فعاليتها السياسية إلى تواتر أحاديث حول التخلص منها، وطي صفحتها، فقد وجدت في ظروف معينة تغيرت كثيرا الآن، فهل يُمكن للجامعة أن تطور أدواتها في ظل المستجدات المتسارعة؟

قال أحمد أبوالغيط “إن كثيرين حولنا يتمنون أن يصحوا يوماً فلا يجدون للجامعة أي ذكر أو وجود، على الأقل هذا ما أستشفّه من أحاديث مسؤولين إقليميين، وهناك نفور واضح لدى بعض الدول من وجود كيان جامع للعرب، لأنهم لا يريدون أن يُنظر إلى هذا الإقليم بوصفه إقليماً عربياً، والبعض منهم يعتبر دول الإقليم مجرد أجزاء من امبراطوريات زائلة يتصورون إمكانية استعادتها، والكيان الجامع للعرب يمنح الإقليم هوية مشتركة تُمثل حائط صد رئيسي في مواجهة محاولات التفتيت والتفكيك والشرذمة، إنها هوية ترتكز على الدولة الوطنية غير الطائفية.. هوية وطنية تنطلق من الثقافة العربية ومن الإيمان بدولنا الوطنية، وبحتمية التعاون والنسيق بيننا”.

وأضاف “ما يُحزنني في واقع الأمر، أن أطرافاً بيننا نحن العرب، ربما لا تُدرك أهمية هذا الرصيد الاستراتيجي الذي نمتلكه، من هويتنا المشتركة، والذي تُجسده الجامعة في صورة مؤسسية يعرفها العالم ويتعامل معها بوصفها عنواناً للعرب، هذا الكيان المؤسسي هو ما يُتيح لنا التحدث بصوت واحدٍ في قضايا خطيرة، كما يتضمن ترسانة كاملة من المؤسسات العاملة على مختلف القضايا”.

وشدد أبوالغيط على أن الجامعة العربية ليست فقط مؤسسة للعمل السياسي الإقليمي، لكنها بيت خبرة ومنصة تنسيق للسياسات، وفضاء مفتوح لتبادل الخبرات بين المهنيين العرب في شتى المجالات، ولنا تصور أن هذا النشاط المؤسسي كله لا تتجاوز موازناته السنوية إجمالا 100 مليون دولار، تشمل الأمانات والمنظمات المتخصصة أيضاً، ونتخيل كذلك أن نسبة المدفوع من إسهامات الدول العربية في موازنة هذا العام لا تتجاوز خمسين في المئة.

وفي هذا الإطار، كيف ترون الوضع الاقتصادي العربي في المرحلة الحالية، في ظل التداعيات الكبيرة لجائحة كورونا؟

هناك موقف عربي واضح في إدانة ورفض كافة أشكال التدخلات الخارجية في الشأن الليبي، والتي جعلت من ليبيا مسرحاً للتدخلات العسكرية لدولة عضو في الجامعة

أكد أبوالغيط، أن الوضع الاقتصادي العربي في مجموعه، تضرر بشدة جراء الأزمات التي اجتاحت المنطقة منذ 2011، وأخطر ما صاحب هذه الأزمات هو التصاعد في حالة انعدام اليقين بشأن المستقبل، وهذه الحالة العدو الأول للاستثمار الاستراتيجي طويل الأجل.

وما شهدناه أن عددا من الدول العربية قد نجح خلال السنوات الماضية في تجاوز هذه المرحلة الصعبة، ورأينا خططاً طموحة في الخليج، وبالتحديد في الإمارات والسعودية، مع تطبيق رؤية 2030 في المملكة، ورأينا كذلك مشروعاً متكاملاً وطموحاً لتحقيق نهضة اقتصادية شاملة في مصر.

ولفت إلى أن المرحلة القادمة سوف تحتاج نوعاً من تكثيف العمل بصورة أكبر على صعيد التكامل الاقتصادي العربي، وتعزيز التجارة البينية والمشروعات الكبرى المشتركة والعابرة للحدود، في ضوء ما ظهر من خطورة الاعتماد على سلاسل الإمداد الطويلة في أوقات الأزمات مثل جائحة كورونا.

وأضاف أن “العالم العربي ليس كتلة واحدة متجانسة، فهناك تباينات كبيرة بين الدول من حيث مستويات الدخول فيها وأوضاعها الاجتماعية، وما أرصده هو أن العقد الماضي شهد تزايداً مُقلقاً في معدلات الفقر متعدد الأبعاد، والجامعة العربية أصدرت تقريراً رصد مشكلات الواقع بدقة، ولا أريد أن أسمي العقد الماضي عقداً ضائعاً للتنمية العربية، لكن بالتأكيد حالة الاضطراب التي اجتاحت عدداً من الدول العربية انعكست على الأوضاع الاجتماعية”.

وطالب بضرورة الحذر والتواضع، من حيث القدرة على توقع المستقبل أو التكهن بمساراته، فالشبكة العالمية الحالية تُنتج أزماتٍ غير متوقعة، ونجد أنفسنا أمام نوعية من الأحداث التي يُطلقون عليها “البجع الأسود”، أي تلك الأحداث نادرة الحدوث التي لا نتصور احتمال وقوعها، و”أظن أن المستقبل العالمي ومستقبل المنطقة قد يكون مليئاً بهذا النوع من البجع الأسود، وبإمكاننا رصد بعض المؤشرات، ليس أكثر”.

وفي ختام حواره مع “العرب”، قال “أنا من المؤمنين بأن الوعي والثقافة هما السياج الحامي لأي مشروع نهضوي، وقد رصدتُ عزماً لم يكن موجوداً في السابق على اقتحام ملف الإصلاح الديني، وتعزيز فكر المواطنة والانتماء، وهذه في نظري ملفات حاسمة، فالمتطرفون يستهدفون وعي الشباب، وإذا تمكنت المجتمعات من تكوين وعي قادر بذاته على مواجهة التطرف، وثقافة ترفض العنف وتدفع إلى البناء والعُمران والانخراط الواثق والنشط في الحضارة الإنسانية المعاصرة، فإن التطرف سيفقد أهم أسلحته”.

الجامعة العربية

6