أحمد أبوخنيجر أديب مصري يغرق في المحلية مظهراً جوهر الإنسان

كاتب يظهر بصورة مختلفة عن أقرانه من أدباء مصر المعاصرين، كتب عن الصعيد بتفاصيله الدقيقة محولا صحراءه إلى أدب نال حظوته لدى المصريين.
الخميس 2019/02/07
أبوخنيجر حاصد جوائز الثقافة يهجر الحياة المدنية ويلوذ بالصحراء

أعلنت جائزة ساويرس الثقافية نهاية شهر يناير الماضي عن فوز المجموعة القصصية “مشاهد عابرة لرجل وحيد” للكاتب المصري أحمد أبوخنيجر بجائزة أفضل مجموعة قصصية بفرع كبار الكتاب للعام 2019.

تحمل ملامح وجه هذا الكاتب المختلف تضاريس قاسية كالصحراء التي اختار أن يعيش فيها. هادئا، وبعيدا كل البعد عن صخب الحياة الثقافية والأدبية التي تشتهر بها مصر. يكتب بعيدا، في زاوية منفردة، راسما الصعيد المصري بأدق تفاصيله التي لا يعرفها الكثيرون، مقدماً أعماله الأدبية إلى قرّائه من المصريين، محوّلا إرث الصحراء وفلكلورها وتراثها الشعبي إلى حكايات روائية وقصصية.

 

في كنف أسوان

استحق أبوخنيجر الإشادة في مناسبات عدة، بدءا من عام 2003 حين نال جائزة الدولة التشجيعية في مصر عن روايته “نجع السلعوة” قبل أن يكرّم في 2006 بجائزة ساويرس للرواية الشابة عن روايته “العمّة أخت الرجال”. بعدها غاب تماماً عن ساحة الجوائز لمدة 13 عاما مبتعدا في الصحراء التي اختارها، قبل أن يعود هذا العام، مكرّما أيضاً بجائزة ساويرس، ومتوجا أعواما طويلة من العمل والبحث في حكايات الصعيد اليومية التي أحبها مفضلا إياها عن القاهرة، التي لم يستطع العيش فيها، ففضل سكون الصعيد عن أرقها وفتنتها.

في أسوان، أواسط الستينات، ولد أبوخنيجر وتلقى تعليمه وثقافته الأولى من المدينة القابعة جنوب الصعيد، لتكون التنشئة الصعيدية الثقافية والاجتماعية أبرز ما تأسس عليه. ولتنعكس هذه النشأة لاحقا على مجمل أعماله الأدبية التي رسمت الكثير من حكايا الصعيد وأوضاعه الاجتماعية والثقافية، فضلا عما ترتب عليها في نفسية الكاتب المصري.

يؤكد أبوحنيجر في أحاديث كثيرة له أن للصعيد دوما ما يميزه ثقافيا وفلكلوريا، وأن حبه لأسوان نشأ من تعلقه القديم بها. فهي المدينة التي عاش فيها أجمل مراحل حياته، وهي التي منحته الثقافة والحكايات التي حولها أدبا. حيث لطالما اعتبر أن مدينته أسوان تمتلك الكثير من الأشياء التي تدعو إلى التأمل والانتباه، الأمر الذي كثيرا ما استولى عليه وجعله كاتبا صعيديا بامتياز.

أسوان خصوصا، والصعيد على وجه العموم، صارت مركز الحياة بالنسبة لأبوخنيجر الذي اهتم بذلك في مؤلفاته الكثيرة التي تركزت في جلها على حكايات الصعيد. فضلا عن دراساته الكثيرة التي كان جوهرها ثقافة الصعيد وتراثه الحضاري. فهو الصعيدي الأصيل الذي لم يفكر يوما في التخلي عن ميدانه لصالح ميدان آخر ربما كان سيجد فيه مساحة لطموح أكبر وشهرة أفضل في مجاله الإبداعي.

ضد تهميش المكان

أبوخنيجر كاتب يظهر بصورة مختلفة عن أقرانه من أدباء مصر المعاصرين، كتب عن الصعيد بتفاصيله الدقيقة محولا صحراءه إلى أدب نال حظوته لدى المصريين. (في الصورة الفنانة المصرية يسرا تسلم أبوخنيجر جائزة ساويرس الثقافية)
أبوخنيجر كاتب يظهر بصورة مختلفة عن أقرانه من أدباء مصر المعاصرين، كتب عن الصعيد بتفاصيله الدقيقة محولا صحراءه إلى أدب نال حظوته لدى المصريين. (في الصورة الفنانة المصرية يسرا تسلم أبوخنيجر جائزة ساويرس الثقافية)

كان أبوخنيجر، طيلة الوقت، وفيّا لصعيده. الوفاء الذي جعله من الباحثين عن تثقيف شبابه عبر الكثير من الندوات والدورات التدريبية التي شملت العديد من المجالات، وفي العديد من مناطق الصعيد، حيث كان نشاطه دائما يتركز على شريحة الكتاب الجدد، خصوصا في ما يتعلق بالتأليف وصلته المتينة بالتراث، وطريقة استخدام الأخير من قبل المؤلف لإنتاج عمل أدبي قائم على الحكايا التراثية والأدب المناطقي الذي يجعل من حكايا منطقة معينة نهجا يتبعه الكاتب لإثراء محتوى عمله الأدبي.

وعلى عكس أعماله المتركزة على قصص الصعيد، حاول أبوخنيجر الاعتراض على التصنيف المناطقي للمؤتمرات الأدبية. مؤكدا أن تصنيف المؤتمرات على أساس المناطق يحدث فرقة، مع أنه يعتبر أن المناطقية ليست هي التي تصنع الأدباء، لكنه يرى أن ما يقدمه الكاتب من إبداع هو الذي يصنعه ويقدمه للناس في أي زمان ومكان.

اكتفى أبوخنيجر بصعيد مصر ساحة لتجلياته الأدبية الكثيرة، فاختار مواضيع رواياته ومجموعاته القصصية من روح الصعيد، لنجد أن عناوين الكثير منها ليست إلا أفكارا وقصصا من صميم ذلك المجتمع. فلو قرأنا عناوين هذه المجموعات والقصص مثل “نجع السلعوة” و“فتنة الصحراء” و“العمة أخت الرجال” و“خور الجمالس”  وغيرها، سنجد أنها قائمة على حيوات الصعيد والصحراء التي شغلت بال أبوخنيجر وأخذت الحيّز الأبرز من أدبه. فهو الأديب الذي يمثل له المكان الهاجس
الذي تربى على حكاياته وأساطيره الكثيرة التي كانت تحكي عن عالم غرائبي مفتوح على مصراعيه أمام كل من يحاول التقرّب منه.

لقطات سردية مشبعة بالدفء والحيرة
لقطات سردية مشبعة بالدفء والحيرة

القارئ لأعمال أبوخنيجر سيجد أنها غالبا ما تكون متبدلة متقلبة، ذات تجريب عالٍ، ينّم دوما عن أن الكاتب يسعى للتغيّر والتجديد في رؤيته. فهو على الرغم من كون أعماله ذات بيئة واحدة تقريبا، إلا أنه يحاول دائما أن يقدم ما هو جديد في هذه البيئة، والجدّة هنا كانت الغرائبية التي بنا عليها أبوخنيجر أعماله، خصوصا في “فتنة الصحراء” التي تحمل الكثير مما تقوم عليه ثقافة الكاتب ومرجعياته.

صفوة منسية

يرسم أبوخنيجر الواقع عبر الأساطير الصعيدية، فيحاول في أعماله أن يقدم الواقع بعكسه من خلال حكايات يقدمها مليئة بالخيال الخصب الذي يتمتع به، فتصبح “السلعوة” مثلا في روايته “نجع السلعوة” نظيرة للاستبداد بالرأي والتحكم في كل شيء من حولها. وكذلك سنجد شخصية “فاطمة” في روايته “العمة أخت الرجال”، التي تروي حكاياتها في ظل وحدتها التي يدلل فيها الكاتب على مشكلة الشتات التي تحكي واقع جنوب الصعيد، بعد تفرق عائلاته.

ويبرز كاتب تلك الأعمال كأحد أبرز أسماء جيله تتويجا بالجوائز المصرية التي قدمته للقارئ المصري، وكأديب يكتب في مجالات عدة لم تتوقف عند الرواية والقصص، بل تعدتها لكتابة المسرحيات، من ذلك تأليفه لكتاب صوفي صعيدي يحمل عنوان “في رحاب الصحراء.. مدد يا شاذلي”، يتناول فيه حكايات عن الإمام العارف أبوالحسن الشاذلي. هذا التنوع الذي جعل من الكاتب الصعيدي مرجعا ثقافيا وأدبيا مهمّا في منطقته ومصر عموما.

ربما يكون أبوخنيجر أحد الذين التي يمكن اعتبارهم من الصفوة المهمشة ثقافيا في مصر، إلا أنه ورغم ذلك، استطاع أن يرسم لنفسه طريقا منفردا في عوالم الأدب المصرية المحلية، معتمدا على ما امتلكه من ذخر ثقافي محلي مركزه أسوان المدينة التي خرج منها إلى العالم، وبقي فيها باحثا بين حكاياتها وروايات أهلها وأساطيرهم الصعيدية المليئة بالتشويق، عما يقدمه إلى الناس من أدب يحمل بين دفتيه حكايا الماضي منعكسة على واقع الحاضر الذي يعيشه ويحاول أن يسلّط الضوء عليه في جميع أعماله الأدبية التي وصلت إلى أربع روايات وأربع مجموعات قصصية، فضلا عن عدد من المسرحيات والكتب الثقافية والتراثية الصعيدية.

يطير الحمام.. من قصص أبوخنيجر

يطير الحمام ويحط. ولم أكن أتصور أن لهذا علاقة بالزمن، أو السكين، فقط كنت أنظر للأمر كدعابة خفيفة، لأنه بالنسبة للزمن، لأنه لم يكن يسمح لنا بمراقبته، أو حتى التكهن بعلاقته الخفية بالحمام، فبين الطيران والهبوط لم تكن سوى لحظة واحدة قصيرة، قصيرة بطول حياة تمضي دون أن يدرك صاحبها أنها مضت، أو ولّت منه وهو غير منتبه لها، يولي انتباهه لأشيائه واحتياجاته الصغيرة التي تستهلكه تماما، فما ينتبه إلا والسكين قد جز رقبته، دون رحمة أو هوادة. ماذا قال هذا الرجل؟ قال: أنا رجل المجاز. لكنه لم يخبرنا أي مجاز يقصد، أهو الحمام أم السكين، أم الزمن؟، منذ وقت بعيد حكى لنا حكاية، هي طريفة إن نحن نظرنا إليها على هذا الوجه، وقد تكون غير ذلك إذا تيقظنا لأوجهها المتعددة والتي تشبه طيران الحمام وحطوطه المتعدد.

العمة أخت الرجال
حكايات الليالي الباردة

تقول الحكاية: روى ابن الراعي عن أبيه عن جده أنه قال: في بلاد بعيدة، ربما كان اسمها بلاد المرجان. أو بلاد الجان، أنه كان رجل يجلس كل صباح تحت شجرة وافرة الظلال أمام منزله، ينتظر الوافد إلى المدينة، حيث منزل الرجل يقع في مدخل المدينة، وعندما يأتي الغريب، يقوم إليه، هاشا وباشا، يضيّفه ثلاثة أيام، ويستعلم فيها عن أحواله، وأحوال بلاده والأخبار والآثار التي مر بها في طريق قدومه إلى هذه المدينة. في الليلة الثالثة، ليلة الرحيل، يسأله سؤالا، لا يطلب من الضيف أن يجيب عليه إلا عند الصباح، وبالتحديد في لحظة مغادرته لدخول المدينة. والسؤال يقول: ما الذي يسير في أول اليوم على أربع، وعند الظهيرة على اثنين، وفي المساء على ثلاث؟

وعلى أن إجابة السؤال يسيرة جدا، لكن الإجابة يتوقف عليها أمران، الأول هو في حال الإجابة الصحيحة أن يسمح للضيف بالدخول إلى المدينة ليشاهد الجزء المحجوب منها، وإن أخطأ الضيف، سمح له أيضا بالدخول إلى المدينة الظاهرة والواضحة العيان لكل عابر، ولكل مار. قال ابن الراعي: قليلون هم الذين اهتدوا إلى الجواب الصائب، وكان نصيبهم أن رأوا ودخلوا المدينة المخبوءة، المستترة، التي يضربها ستار خفيف يفصلها عن المدينة الكائنة مكانها، ستار يحمل مراوغة السؤال، ودقة الإجابة، ستار يلفّ المدينة بهالة الغموض التي تتطلبها الإجابة عن السؤال. وكان ابن الراعي عليه رحمة الله- يعلق، كثيرون يخطئون عندما يربطون بين السؤال وسؤال أبي الهول المترصد طريق أوديب القديم والحارس لمدينة طيبة. فيجيبون أن الإنسان هو الذي يمشي على يديه ورجليه حال الطفولة، وعندما يشتد عوده ويستوي يمشي على قدميه، ولما تضربه الشيخوخة ويصيبه الوهن، يحتاج إلى عكاز ليستند عليه ليحفظ توازنه وإلا سقط.

أسطرة المكان
أسطرة المكان

كثيرون كانوا يجيبون بمثل هذه الإجابة وبقدر عال من الغرور وعدم التمعن ولكن ما العمل مع المعرفة، التي تكسب سلطة لصاحبها هي سلطة زائفة، لأنها لا تدعه يمحص الإجابة ويصبر عليها، فالشك سؤال ساذج قديم، الفطنة تقتضي الاحتراز، فسؤال التكرار ليس بالضرورة يعني تكرار الإجابة، خاصة أن السؤال يلقى هكذا بعد ثلاث ليال من الضيافة والكرم الذي يفوق الوصف.

ألم يكن أدعي خلال هذه الليلة الليلة الأخيرة- أن يتساءل الضيف عن مغزى هذا كله، وبالتالي تمحيص إجابته التي يعرفها، أن يمحص على وجه الدقة يقينه من هذه الإجابة، قبل التفوّه بالإجابة المعروفة سلفا، والتي يضحك في عقبها الشيخ ضحكة رائقة وهو يربّت على كتف ضيفه ويرشده إلى الطريق الذي عليه أن يسلكه ليدخل المدينة من أقرب أبوابها.

البعض وهم قليلون، رابهم السؤال، وتشككوا في الإجابة القديمة، لكن فطنتهم أبدا لم تهدهم إلى الجواب الجديد، فاكتفوا في الصباح بغلق أفواههم أمام السؤال، وظلوا يحملقون في الشيخ، أو أشاحوا وجوههم نحو القريب، حيث أطلال المدينة، والحال هذه، كان الشيخ دون أن يضحك هذه المرة يربت على أكتافهم، بتفهم حقيقي للشكوك التي تساورهم، ويرشدهم إلى أحد أبواب المدينة، والتي ستستقبلهم كغيرهم، لكنهم عندما يأتيهم الليل، سوف تزورهم المدينة المخبوءة المحجوبة في منامهم، كطيف جميل للذين عذّبهم السؤال دون العثور على إجابة، أما الذين كابروا، وصمتوا ترفعا وتعاليا، فستكون كابوسا يقلق راحتهم، ويدفعهم لمغادرة المدينة عند انبلاج الصباح.

يتوقف قليلا ابن الراعي ليلتقط أنفاسه، ثم يضيف بخشوع: أنا واحد من الذين لم يعثروا على إجابة السؤال، ولم أكابر، كنت تائها بأغنامي في صحراء وحدتي، لم يكن يؤنسني سوى حكايات جدي القديمة عن المدينة المحجوبة، كنت هابطا من التل خلف غنمات شردن مني فرأيت الكوخ في السفح والشجرة الظليلة، والحمام يطير ويحط بين يدي الرجل الجالس مستندا على جذع الشجرة، و كأنما كان في انتظاري، وقف مرحبا بي وقال: اختر. وأشار للحمام بين يديه، بدا لي الحمام وديعا ومتشابها، فاخترت واحدة فحطت في التو بين يدي، وقبل أن أفهم ما يجري، كان قد جزّ رقبتها بالسكين، وقال: تفضل. وراح يسويها على النار. وفي المساء قدمها لي على العشاء، وكانت الرائحة شهيّة جدا، فقلت له ممازحا: وأين نصيبك من الحمام؟

12