أحمد أوزومجو عرَّاب تدمير السلاح الكيميائي

السبت 2015/03/28
أوزومجو: السلاح الكيميائي احتفظ بمكانتهِ التدميرية التي يُصيبُ بها المدنيين بشكلٍ كبير

عقب يوم الأربعاء 21 أغسطس من العام 2013، حيث وقعَ الهجومُ الكيميائي في منطقة الغوطة بريف العاصمة السورية دمشق، أخذ يتردّد وبشكلٍ واسع اسم أحمد أوزومجو بصفتِهِ مديراً عاماً لمنظَّمةِ حظر الأسلحةِ الكيميائية التي تتَّخذُ من العاصمةِ الهولنديَّة لاهاي مقرَّاً لها، وذلك بعد قرار مجلس الأمن الدولي بنزع ترسانة الأسلحةِ الكيميائية التي يملكُها النظام السوري.

أحمد أوزومجو يرأسُ اليوم منظمة حظر الأسلحة الكيميائية التي تم إنشاؤها في لاهاي في 29 أبريل عام 1997، ومنذ ذلك الوقت وهي تعملُ على تطبيق وتنفيذ معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية في العالم، والمعاهدة التي وُضِعَت مسودَّتُها الأساسية في الثالث من سبتمبر من عام 1992 وتم التوقيع عليها وإعلانها في ديسمبر عام 1992 وتنصُّ على أخذ كل التدابير الممكنة لمنع إنتاج و استعمال الأسلحة الكيميائية وصولاً إلى تدمير الترسانات الموجودة من هذه الأسلحة، وقد انضمت كل دول العالم إلى هذه الاتفاقية باستثناء أنغولا، جنوب السودان، كوريا الشمالية، الصومال، مصر، ميانمار، إسرائيل، وقد كانت سوريا ضمن الدول الأخيرة، إلا أنَّ النظام السوري وافقَ لاحقاً على الدخول في المنظَّمة بموجب اتفاق أعدَّتهُ الولايات المتحدة الأميركية وروسيا لتدمير مخزون سوريا من غاز السارين والخردل وغيرهما من الأسلحة الكيميائية السَّامة حيث يبلغ مجموعها ما يقارب 1300 طن وبهذه الموافقة جنَّبَ النظامُ السوري نفسهُ وقوَّاته العسكرية التعرُّض لهجمات صاروخية أميركية بعد أن هدَّد رئيس البيت الأبيض باراك أوباما النظام السوري بأنَّ استخدام الكيميائي خط أحمر.

منظمة حظر الأسلحة الكيميائية دخلت حيِّزَ التنفيذ في العام 1997، ليُديرها بدايةً خوسيه بوستاني، ليَلِيه روجيليو فيرتر ثم لتصل القيادة للتركي أحمد أوزومجو الذي تقلَّد منصب المدير العام منذ عام 2010 وحتى اليوم، حيث تم تعيينُهُ مديراً عامَّاً للمنظَّمة في كانون الأول ديسمبر من عام 2009، خلال الدورة الرابعةَ عشرة لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقيَّةِ الأسلحة الكيميائية وليبدأ خدمتَهُ في هذا المنصب الهام منذ الخامس والعشرين من شهر يوليو عام 2010.

الدبلوماسي

وُلِدَ أحمد أوزومجو في الثلاثين من أغسطس من العام 1951، في تركيا وتحديداً في مدينة أرموتلو الواقعة في مقاطعة يالوفا شرق بحر مرمرة، مدينةٌ سياحيَّةٌ اكتسبَ منها أوزومجو الصفاء الذهنيَّ والهدوء الذي يُسيطِر على ملامحِهِ، فقد كان لجغرافية الفكر عندهُ ظهورٌ واضح جليٌّ في المؤتمرات العديدة التي تحدَّثَ بها أو قدَّم بها أبحاثاً أو من خلال إدارَتِهِ للملفَّات العديدة التي استلمَها خلال مسيرتِهِ المهنيَّة.

غاز الأعصاب يتم إطلاقه في 21 أغسطس من عام 2013 في سوريا خلال هجوم كيميائي نفذته قوات الأسد على غوطة دمشق وطال مدنا كزملكا وكفر بطنا والمعضمية وجوبر وسقبا وحمورية وحرستا وعين ترما

مسيرةُ أحمد أوزومجو العملية بدأت منذ لحظة إنهائِهِ الدراسة في قسم العلاقات الدولية والإدارة العامة من كليَّة العلوم السياسية في جامعةِ أنقرة، هذا التخصُّص الذي مكَّنَهُ من التحدُّث بلغتينِ عالميّتين هما الإنكليزية والفرنسية إلى جانب لغتِهِ الأم التركية، لينطلق منها إلى ميدان العمل العام ليكون موظَّفاً في وزارة الخارجية التركية وليستلم أولى ملفّاتِهِ الإدارية وكيلاً لوزارة الخارجية التركية للشؤون السياسية الثنائية مروراً بعملِهِ في سفارةِ أنقرة في العاصمة النمساويَّةِ فيينا بين عامي 1979 و1982، حيث انتقل إلى العمل بدرجة قنصل عام لبلادهِ في حلب السورية بين عامي 1982 و1984، ليعود بعد ذلك للعمل في أروقة وزارة الخارجية التركية ليكون بين عامي 1996 و1999 رئيساً لإدارة شؤون العاملين في وزارة الشؤون الخارجية في العاصمة التركية متابعاً عضويَّتَهُ في الوفد التركي الدائم لدى حلف الناتو وصولاً إلى شغلِهِ منصب السفير التركي في إسرائيل من عام 1999 حتى يونيو من عام 2002 ليصير ممثِّلاً دائماً لبلادِه تركيا في مجلس حلف الناتو بالعاصمة البلجيكية بروكسل.

إضافةً إلى كلِّ ما سبق من مهام سياسية ودبلوماسيَّة تقلَّدَها أحمد أوزومجو فإنَّ له دورا بارزا وهاما أيضاً خلال عملِهِ كموظَّف في مديرية الشؤون السياسية التابعة لحلف الناتو في الفترة الممتدة بين 1989 وحتى قيامه جاهداً لنقل مبادرة حلف الناتو (الشراكة من أجل السلام) إلى أرض الواقع، تلك المبادرة التي تمَّ إطلاقها في أعقاب الحرب البادرة مباشرةً بهدَفِ خلقِ الثقة بين قوات الناتو ودول أخرى في القارة الأوروبية وجمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقاً، وقد أتت هذه المبادرة بناء على اقتراح أميركي في اجتماع لوزراء الدفاع لحلف شمال الأطلسي.

خلال عملِهِ في هذه المبادرة أظهر أوزومجو براعةً فريدةً في السعي نحو إحلال السلام و إزالة آثار الحرب النفسية وإنهاء تداعيات جولاتها على العلاقات الثنائية بين جميع الأطراف ومن هنا اكتسبَ ثقةَ جميع المتحاورين حيث كان تياراً ثالثاً يسعى لخلق السلام إن تعذَّرَ ايجاده بكل السبُل، ومن هذا التفصيل الصغير أخذ على عاتقِهِ الدخول في أكثر الملفَّاتِ تعقيداً ليكون بعدها سفيراً لبلادهِ في تل أبيب مع أخذ الاعتبار الذبذبة التي تشهدُها العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وإسرائيل ومع ذلك فقد اتَّسمَت فترةُ قيامِهِ بمهام السفير هناك بالاستقرار بجميع الملفات المشتركة الثنائية بين أنقرة وتل أبيب.

معاهدة لاهاي تنص على أخذ كل التدابير لمنع إنتاج واستعمال الأسلحة الكيميائية، وقد انضمت كل دول العالم إلى هذه الاتفاقية باستثناء أنغولا، جنوب السودان، كوريا الشمالية، الصومال، مصر، ميانمار، إسرائيل وسوريا التي وافق نظامها لاحقا على الدخول في المنظمة بموجب اتفاق أعدته الولايات المتحدة وروسيا

يمتاز أوزومجو بمعرفةٍ واسعةِ المدارك والاطِّلاع حول العلوم العسكرية والسياسية فضلاً عن علاقاتِهِ الدولية الواسعة من خلال عملِهِ في الدبلوماسية العالمية لسنواتٍ طويلة وهذا ما مكَّنَهُ ليكون ثالث مدير عام للمنظَّمة الدولية لحظر الأسلحة الكيميائية منذ 25 يوليو عام 2010 حيث كان يشغلُ رسمياً إضافةً إلى مهامِّهِ العديدة قبيل هذا التاريخ منصب الممثِّل الدائم لتركيا في مكتب الأمم المتحدة بجنيف.

بالنظر إلى تاريخ استخدام السلاح الكيميائي في العالم فإنَّ الباحثين يشيرون إلى استخدام أبخرةٍ سامَّةٍ في حروب الهند القديمة في عام 2000 قبل الميلاد، وقد يبدو هذا الكلام ضرباً من الخيال ولكنَّ الثابت أنَّ القرن العشرين قد شهدَ منذ بداياتِهِ العصيبة تطوّراً هاماً في انتشار استخدام الغازات السامة التي راح ضحيَّتها ما يتراوح بين 800 ألف ومليون من بين مقاتلي روسيا وفرنسا وإنكلترا وألمانيا إبانَ الحرب العالمية الأولى، هذا الرقمُ يضعنا أمام مفارقةٍ رهيبةٍ في تأخُّرِ العالم في الاتفاق على ضرورة نزع هذا السلاح الفتَّاك من ترسانةِ الجيوش ومن أيدي العابثين بأروح الآخرين وممتلكاتِهم، كما حصل في فيتنام عندما استخدمَت القوات الأميركيَّةُ قدرات الأسلحة الكيميائية لتخريب المحاصيل الزراعية وتدمير الغابات بينما كانت قوات فيت كونج الفيتنامية تستخدم الرماح الملوَّثة بالجراثيم أيضاً تجاه المقاتلين الأميركيين.

وفي العصر الحديث القريب، تتهم قوّات الجيش العراقي بأنها استخدمت في العام 1988 سلاحاً كيميائياً في الهجوم على مدينةِ حلبجة الكردية حيث قُتِلَ أكثر من 5000 شخص وأصيبَ ما يقارب من عشرة آلاف آخرين، بينما تمَّ إطلاق غاز الأعصاب في 21 أغسطس من عام 2013 في سوريا خلال هجوم كيميائي نفذته قوات الأسد على غوطة دمشق وطال مدناً كزملكا وكفر بطنا والمعضميّة وجوبر وسقبا وحموريّة وحرستا وعين ترما، لتبدأ بعد هذه الحادثة جولاتٌ عالميَّةٌ محمومةٌ انتهت بإعلان الأمم المتحدة تدمير كل الأسلحة الكيميائية التي تملكها ترسانة الجيش النظامي السوري في يونيو عام 2014، لنتفاجأ مرَّةً أخرى باستخدام الكيميائي في سرمين بريف إدلب يوم السادس عشر من مارس الجاري وسطَ صمتٍ دوليٍّ وتخبُّطٍ أميركي تجاه هذا الفعل.

الإبادة الكيميائية الممنهجة

خلال إدارةِ أوزومجو للمنظَّمةِ الدوليَّةِ تمَّ استخدام السلاح الكيميائي أكثر من مرَّةٍ في سوريا وعن هذا الملف يتذكَّر أوزومجو طلبَ بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة من المنظمةِ التي يديرُها أوزومجو من أجل النظر في قدرة دعم التحقيق من طرف الخبراء في منظمة نزع السلاح الكيميائي السوري حيث تتمثَّل المساعدة بوضع معرفة الخبراء في التحقيق باستخدام السلاح الكيميائي من خلال الحالة التقنيّة في توفير 14 خبيراً لدعم طلب الأمم المتحدة للتحقيق في سوريا، وتتمثّل مهمَّتهم في جمع المعلومات من مختلف الأطراف لإيجاد الأدلة التي تستند إلى عدة عناصر تقوم على المعلومات التي يتم الإدلاء بها من الأطراف وخصوصاً ذوي الضحايا وجمع عيّناتٍ من الأماكن الجغرافية التي تمَّ فيها استخدام هذا السلاح والحصول على عيّنات بيولوجية من الضحايا وتحليلها في مختبراتٍ خاصة.

أوزومجو يرأسُ منظمة حظر الأسلحة الكيميائية التي تم إنشاؤها في لاهاي في 29 أبريل عام 1997 ومنذ ذلك الوقت وهي تعملُ على تطبيق وتنفيذ معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية في العالم

في كل الأحوال تمتازُ منطقةُ الشرق الأوسط عموماً بانتشارٍ كثيف للسلاح الكيميائي في أغلبِ الجيوش الموجودة، فقد دعا أوزومجو مراراً إلى استمرار تدمير السلاح الكيميائي الليبي الذي بدأت عمليَّةُ إعدامِهِ منذ أكثر من أربعِة أعوام ليتوقَّفَ مراراً بسبب الوضع الأمني هناك حيث ما تزال ليبيا تحتفظ بخمسة عشر بالمئة من إجمالي السلاح الكيميائي المعروف بـ”صنف1″ بينما سيتم الانتهاء من جميع المواد الخام التي تؤدّي إلى تصنيع السلاح الكيميائي في نهاية عام 2016، وعلى ذات الصعيد يُطلِقُ أوزومجو دعواته أكثر من مرة لإسرائيل ومصر من أجل الانضمام إلى معاهدة نزع السلاح الكيميائي في منطقة الشرق الأوسط عقب البدء في تدمير الترسانة الكيميائية السورية.

أوزومجو في الخليج

في منتصف عام 2013 زار أحمد أوزومجو المملكة العربية السعودية في زيارةٍ هي الأولى له منذ تولِّيهِ المنصب في المنظمة الدولية وبحثَ حينها مع ولي العهد السعودي آنذاك، الملك الحالي سلمان بن عبدالعزيز دعم السعودية للجهود الدولية للتخلُّص من الأسلحة الكيميائية، وألقى محاضرةً في وزارة الخارجية السعودية كشفَ خلالَها عن التدابير الفعلية التي تمَّ اتخاذُها في سبيل التخلُّص من السلاح الكيميائي والحيلولة دون وقوعِهِ بيد الإرهابيين.

ولثقافتِهِ العسكرية الواسعة أعلنَ أوزومجو مرارً أن السلاح الكيميائي قد سقطَ كسلاحٍ فعَّال في المواجهات العسكرية في ظلِّ التطوُّر الهائل الذي حصل في عالم الترسانات الحربية بينما احتفظ بمكانتهِ التدميرية التي يُصيبُ بها المدنيين بشكلٍ كبير حيث يسقطُ المئات لحظة استخدام مختلف أنواع القذائف الكيميائية.

13