أحمد أويحيى.. رئيس وزراء الجزائر السابق يراقب نزاهة الانتخابات في موريتانيا

السبت 2013/11/30
«خدام» الدولة يطمح في أن يكون حاكما

يعرف في الجزائر برجل المهام نظرا إلى ارتباطه بالقرارات الاقتصادية والاجتماعية البراغماتية في عز الأزمة السياسية والأمنية التي عاشتها الجزائر منذ مطلع التسعينات.

وكان عجينة طيعة في أيدي صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، في تلك الفترة. فنفذ تعليماته وتوجيهاته التي أفضت إلى بيع المؤسسات الحكومية وتسريح آلاف العمال ورفع الدعم عن المواد الغذائية الاستهلاكية، إلى جانب مختلف الإجراءات التقشفية، مقابل تحصيل بعض القروض لتنفيذ التحول الاقتصادي من اشتراكي مخطط، إلى ليبرالي محض.

هو أحمد أويحيى المولود في الثاني من يوليو 1952 بإحدى قرى تيزي وزو، في منطقة القبائل، والمتخرج بديبلوم الدراسات العليا في العلوم السياسية، من أحد أكبر المدارس في الجزائر. كان من المحظوظين الذين انتدبوا في دوائر عليا ورسمية، حيث تدرج في مكاتب مؤسسة الرئاسة ووزارة الخارجية، وعايش معظم رؤساء الجزائر المستقلة من هواري بومدين، إلى عبد العزيز بوتفليقة.

فعرف أسرار المؤسسة وفرض نفسه إلى أن صار رئيسا للحكومة الجزائرية في ثلاث مناسبات. ويلقب نفسه بـ "خدام" الدولة، ويجزم بأنه لا يمكن أن يكون في يوم ما معارضا للدولة التي شغلها بإخلاص، وطمح أولا في أن يكون حاكما لها، فوجد نفسه حينها مبعدا، وحيدا وبطالا.

أويحيى، الذي أحسن التعايش مع كل الرؤساء واحتفظ بأفكاره وتوجهاته لنفسه، إلى غاية أن عرفه الجزائريون في منتصف التسعينات لما أطل عليهم معلنا فشل الحوار بين السلطة القائمة آنذاك وبين قادة جبهة الإنقاذ المحظورة الذين كانوا حينها قابعين في السجن العسكري بالبليدة. ومذاك بدأ حضور أويحيى في الواجهة يكبر شيئا فشيئا، ولا أحد يعرف إن كان من حسن حظ السلطة أو سوء حظ الشعب الجزائري، أن ظهر لهم أويحيى في ذلك التوقيت الذي كان يستوجب رجلا مميزا لتمرير مشاريع السلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. بينما كان الشعب لا يهتم إلا بالبحث عن النجاة من مقصلة الإرهاب وآلة الموت والرعب، في حين كانت القرارات الاقتصادية والاجتماعية آخر ما يفكر فيها الناس.

أويحيى يملك قدرات كبيرة في الجدال والاقناع، ومدافع شرس عن توجهاته البراغماتية


ورقة قوية يد المعارضة الموريتانية


أويحيى، الذي يجيد لغات عديدة بما فيها الأمازيغية، يملك قدرات كبيرة في الجدال والاقناع، ومدافع شرس عن توجهاته البراغماتية والانضباطية. فهو أول الداخلين وآخر الخارجين من مكتب عمله. ولا يسمح لمحيطه ومعارفه باستعمال سلطته لقضاء حاجاتهم.

إلى درجة أن شقيقا له رأى نجوم الظهر من أجل الحصول على سكن اجتماعي في أحد أحياء العاصمة، بينما كان هو يشغل منصب وزير العدل في الحكومة الجزائرية في العام 2003.

وربما ذلك الذي جعله مغضوبا عليه في قريته وعشيرته بأعالي تيزي وزو، نظرا إلى عدم تقديم خدماته لهم، عكس أقرانه وزملائه من شخصيات وإطارات سامية.

وإن كان البعض يعتبر ذلك من قبيل تفادي إثارة الرأي العام وألسنة السوء، وعدم ترك أي أثر لرقيب محتمل، ويستدلون على ذلك بشركات النقل الجامعي، ومجمع "سيم" للمواد الغذائية، اللذين ورغم معرفة هوية مديريهما ومسيريهما للرأي العام، إلا أن هناك من يصر على نصيب لأويحيى في المؤسستين العملاقتين. لكن وباستثناء ذلك فإن أويحيى يبقى بعيدا عن شبهات الفساد التي تطال الكثير من المسؤولين السامين في الدولة، بما فيهم ما يعرف برجال الرئيس، على غرار وزير النفط السابق، شكيب خليل.

ويعتبر الرجل عدوا لدودا للإسلاميين، فهو من المحسوبين على تيار الصقور الذي كان يرفض أي حوار معهم، ويصر على الحلول الأمنية في معالجة الظاهرة الإرهابية، وهو التوجه الذي تقاسمه مع العديد من كبار قادة وضباط المؤسسة العسكرية، ويذكر أنه كان من المقربين من الرجل القوي سابقا في جهاز المخابرات الفريق محمد مدين "توفيق".

ويذكر أنه كان رجل الجهاز في السلطة المدنية، وفرض وجوده على بوتفليقة في الكثير من المناسبات، وربما ذلك هو سر الخلاف غير المعلن بينه وبين بوتفليقة. ولم يكن أويحيى يجاهر بطموحه السياسي لشغل قصر المرادية، رغم تورطه في منتصف التسعينيات في أكبر عملية تزوير للانتخابات لصالح الرئيس السابق اليامين زروال في العام 1995، ولصالح حزبه "التجمع الوطني الديمقراطي" الذي يوصف بـ "أبو الشوانب"، في العام 1997. لأنه صار حزبا حاكما في نفس العام الذي تأسس فيه، بفضل التزوير الفاضح الذي أشرف عليه هو شخصيا.

أويحيى الذي انخرط في مشروع بوتفليقة التصالحي منذ 1999 رغم تعارضه مع توجهاته، كان أول ضحايا مخطط الرئيس الجزائري في إعادة رسم المشهد السياسي والعسكري والحكومي


مصداقية الاتحاد الأفريقي على المحك


أويحيى الذي انخرط في مشروع بوتفليقة التصالحي منذ 1999 رغم تعارضه مع توجهاته، كان أول ضحايا مخطط الرئيس الجزائري في إعادة رسم المشهد السياسي والعسكري والحكومي. فبعد الاستغناء عن خدماته في الوزارة الأولى في العام الماضي، تمت زحزحته من الحزب الذي كان يقوده، بافتعال تمرد داخلي أفضى إلى تنصيب قيادة مؤقتة تحضر لإعادة ترتيب أوراق الحزب وتنصيب قيادة جديدة تغرد داخل سرب الولاية الرئاسية الرابعة لبوتفليقة.

وعليه وجد الرجل نفسه في بطالة سياسية مبكرة، ورفض شغل منصب سفير في الأمم المتحدة يكون الرئيس بوتفليقة قد اقترحه عليه لإبعاده تماما من المشهد الداخلي.

إلا أن من يريد تحريك المياه الراكدة يريد انتشال أويحيى وإعادته إلى الواجهة من بوابة الاتحاد الأفريقي، ولو أن المهمة المعروضة عليه ستكون ورقة رابحة في يد المعارضة الموريتانية. فالرجل أحد "فناني" تزوير الانتخابات في بلده، فكيف يضطلع بمهمة مراقبة نزاهة الانتخابات في موريتانيا؟. وهو ما سيضع مصداقية الاتحاد الأفريقي على المحك في إرساء الديمقراطية في القارة السمراء وحماية أصوات الناخبين في نواكشوط من السطو والتزوير.

وكانت وزارة الخارجية الجزائرية، قد أفادت بأن الوزير الأول السابق أحمد أويحيى، قد وافق على مهمة عرضتها عليه مفوضية الاتحاد الأفريقي، تتعلق بقيادة البعثة الأفريقية لمراقبة الانتخابات التشريعية في موريتانيا، المقررة هذا السبت. وقال المصدر إن رئيسة مفوضية الاتحاد الأفريقي نيكوسازانا دالاميني زوما، اقترحت على أحمد أويحيى، المهمة وأن الوزير الأول السابق قبل بها في إطار الاتحاد الأفريقي، وهو ما رحبت به الخارجية الجزائرية. ودأب الاتحاد الأفريقي على الاستعانة برؤساء دول وحكومات أفارقة سابقين، لقيادة بعثاته الخاصة بمراقبة الانتخابات في الدول الأعضاء.


عودة سي أحمد


يبدو أن الصراعات أصبحت لصيقة بحزب التجمع الوطني الديمقراطي، حيث ما كادت الحرب المُشتعلة بين خصوم الأمين العام المستقيل أحمد أويحيى والموالين له تنطفئ، حتى اشتعلت من جديد غداة تكليف الوزير الأول السابق بقيادة البعثة الأفريقية لمراقبة الانتخابات التشريعية في موريتانيا.

وهو ما جعل رجالاته يشددون على ضرورة عودته إلى قيادة الحزب خلال المؤتمر المقرر عقده نهاية السنة. وعبر أويحيى لمقربيه عن أنه مستعد للعودة إلى الأمانة العامة لـ"التجمع"، شريطة أن يكون ذلك مطلبا "شعبيا" من طرف مندوبي المؤتمر الرابع المقرر عقده في الـ 24 والـ25 من الشهر الداخل.

وأوضح مصدر من الحزب أن المشرفين على المؤتمرات الجهوية وجدوا صعوبات كبيرة في إعداد التقرير النهائي، بعد أن ألح مندوبو ولايات الوسط وولاية إليزي وتمنراست وتندوف وأدرار، على عدم إدراج بند ينص على تزكية عبد القادر بن صالح أمينا عاما للحزب. وذلك من أجل ترك الباب مفتوحا أمام عودة أويحيى. كما أن مؤتمرات أخرى عقدت في شرق البلاد شددت على ضرورة عودة "سي أحمد" إلى تسيير "التجمع" في المؤتمر القادم، ولا يستبعد أن يعرف سجالا حادا بين رجالات أويحيى والموالين للأمين العام بالنيابة عبد القادر بن صالح، حيث سيعمل كل طرف على فرض مرشحه، في ظل، ما اعتُبر، سيطرة أنصار الأمين العام "المستقيل" على عضوية المؤتمر القادم، مقابل استباق رجالات بن صالح أشغال المؤتمر وتزكية رئيس مجلس الأمة في المؤتمرات الجهوية.

وفجّر تكليف مفوضية الاتحاد الأفريقي، أحمد أويحيى، بقيادة البعثة الأفريقية لمراقبة الانتخابات التشريعية في موريتانيا، جملة من التساؤلات حول ما إذا كانت هذه المهمة هي بمثابة العودة إلى واجهة المشهد السياسي، أم أنها إبعاد للرجل وإشغاله بقضايا خارج البلاد. وهو الذي لم يظهر له أثر منذ استقالته من على رأس الأمانة العامة لحزب التجمع الوطني الديمقراطي في مطلع العام الجاري، إلا في جنائز كبار رجالات الدولة أو في أفراح بعض المقربين منه، كما لم ينقل عن الرجل أية تصريحات أو مواقف سياسية بخصوص العديد من القضايا السياسية التي عاشت البلاد ولاتزال، على وقعها.

فرنسا تستبعد ترشح بوتفليقة مجددا، لذلك فهي تراهن على رجل وفيّ لها، ولا تجد أحسن من أويحيى يصون لها مصالحها في الجزائر


مرشح فرنسا في رئاسيات الجزائر


يرى متابعون، أن الظهور المفاجئ للأمين العام السابق للتجمع الوطني الديمقراطي "أقرب إلى العودة منه عن الإبعاد السياسي، لاسيما في الظرف السياسي الراهن، الذي تطبعه الرهانات المتعلقة بالانتخابات الرئاسية المرتقبة العام المقبل". ويعتقدون، أن الهدف من تكليف أحمد أويحيى بهذه المهمة الأفريقية، هو "إضفاء المزيد من التعتيم على الانتخابات الرئاسية، التي يرى البعض أنها باتت محسومة بشكل أو بآخر لجهة ما، خاصة وأن أويحيى تدعمه قوى سياسية، سواء داخل الحزب الذي ينتمي إليه أو على مستوى جهة ما في السلطة".

ويرفض هؤلاء القراءة التي تذهب إلى القول إن تكليف الرجل بمهمة في الخارج يعتبر تحييدا له وقمعا لطموحه السياسي. فلو عين أويحيى سفيرا لكان هذا التحليل صائبا، أما وأن مهمة الرجل في موريتانيا محدودة في الزمن، فلا أعتقد ذلك. ويرون أن ورقة أويحيى يمكن توظيفها في رهان الانتخابات الرئاسية المقبلة، على الأقل من باب إحداث التوازن في حرب التموقعات تحسبا لما هو قادم. ويعتبر آخرون أن المهمة الأفريقية لأحمد أويحيى، هي إيذان بعودة محتملة للرجل إلى المشهد السياسي، غير أنهم يشككون بالمقابل، في نجاح مهمة مراقبته للانتخابات التشريعية في موريتانيا، بسبب تهم التزوير التي ظلت تلاحقه منذ تشريعيات عام 1997.

ولا يستبعد هؤلاء أن يكون هناك دور لفرنسا في العملية، من أجل إعادة الاعتبار له كمرشح محتمل للانتخابات الرئاسية المقبلة. وذلك انطلاقا من نفوذ باريس الكبير على الاتحاد الأفريقي. ومنهم من يعتقد أن فرنسا تستبعد ترشح بوتفليقة مجددا، لذلك فهي تراهن على رجل وفيّ لها، ولا تجد أحسن من أويحيى يصون لها مصالحها في الجزائر.

14