أحمد أويحيى سقوط مدوّ لرجل "المهام القذرة" يرسم معالم المشهد الجزائري

السجين الجديد لا يتوقف نبذه عند عموم الجزائريين بمختلف فئاتهم الاجتماعية بل يتعداه إلى أفراد عائلته وأشقائه.
الأحد 2019/06/16
التلون السياسي لم ينقذ أويحيى من السجن

قد يكون أحمد أويحيى الشخص الوحيد في الجزائر الذي أجمع الكل على الاستبشار بقرار إحالته على السجن المؤقت من طرف المحكمة العليا، ورافقه العشرات إلى سجن الحراش للتهليل بنهاية مسار واحد من الشخصيات البارزة في السلطة، وربما باستثناء أفراد عائلته الصغيرة، فإنه لا أحد من الجزائريين استاء لهذه النهاية، نكاية بمواقف ظلت تستحضر المأساة والمعاناة في ذاكرة الكثير منهم.

انتهت بحر هذا الأسبوع مسيرة واحد من رجالات السلطة الأقوياء في الجزائر، بإيداعه السجن المؤقت في انتظار محاكمته بتهم فساد وتبديد مال عام، لتتأكد بذلك معالم مرحلة جديدة في البلاد، رغم ما يكتنفها من غموض وشكوك، بسبب الاستقطاب القائم بين قوى الحراك الشعبي وسلطة العسكر التي تدير شؤون البلاد خلف سلطة انتقالية لا تتحرك ولا تسكن إلا بإيعاز منها.

ويمثل سجن رئيس حكومة لغاية مارس الماضي، سابقة أولى من نوعها في تاريخ الجزائر المستقلة، حيث لم تشهد البلاد محاكمات ولا سجن كوادر سامية في الدولة، إلا بعد سقوط نظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة.

وباستثناء محاكمة وسجن الجنرال مصطفى بلوصيف في ثمانينات القرن الماضي من طرف نظام الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، فإنه لم يحدث أن تحول السجن العسكري بالبليدة أو السجن المدني في ضاحية الحراش بالعاصمة، إلى مأوى لكبار المسؤولين في الدولة ورجال أعمال، كما يحدث خلال الأسابيع الأخيرة.

علب الياغورت

جميع إفادات كبار رجال الأعمال تشير إلى ضلوع أويحيى في ملفات ثقيلة، فهو لم يتورع خلال ذروة الصدمة التي أحدثها الحراك الشعبي في أسابيعه الأولى، عن تصديقه بصفته وزيرا أول، على قرض مالي لأحد رجال الأعمال بغلاف قدر بـ250 مليون دولار
جميع إفادات كبار رجال الأعمال تشير إلى ضلوع أويحيى في ملفات ثقيلة، فهو لم يتورع خلال ذروة الصدمة التي أحدثها الحراك الشعبي في أسابيعه الأولى، عن تصديقه بصفته وزيرا أول، على قرض مالي لأحد رجال الأعمال بغلاف قدر بـ250 مليون دولار

لم تشفع خاصية الامتياز القضائي الذي أقره بوتفليقة خلال السنوات الماضية لمتابعة كبار مسؤولي الدولة، لأويحيى، في أن يفلت من المحاكمة أو يربح مزيدا من الوقت للمناورة، لاسيما وأن الرجل لم يتوان عن الإيحاء لحزبه “التجمع الوطني الديمقراطي” بدعم وتأييد التوجهات التي عبرت عنها المؤسسة العسكرية للخروج من الأزمة السياسية التي تتخبط فيها البلاد.

وإن كان شقيقه المحامي العيفة أويحيى قد أكد في تصريحات سابقة التحفظ والغموض الذي يلف شخصية شقيقه في حياته الخاصة أو في ممارسة مهام الدولة، فإن مصدرا مقربا منه أكد لـ“العرب” بأن الرجل المتهم بالفساد وتبديد المال العام، يدرس بدقة وعناية فائقتين محيطه والمقربين منه، ولا يسمح لأي كان من التقرب منه، مهما كانت درجة قرابته السياسية أو العائلية.

وأضاف “لما كان أحمد أويحيى وزيرا للعدل في مطلع الألفية، لم يتدخل لصالح شقيقه للحصول على سكن، لكي يبعد الأنظار والألسن عن تلويك اسمه، خاصة وأن وضعه حينذاك في السلك لم يكن مريحا، وأن شقيقه لم يحصل على شقة في إحدى ضواحي العاصمة إلا بشق الأنفس”.

استقبل العشرات من شبان ضاحية الحراش الرجل بشعار الحراك الشعبي “كليتو البلاد يا السراقين”، ورموا سيارة الأمن التي أقلته من المحكمة إلى السجن بعلب “الياغورت”، لتذكيره بعبارة شهيرة يعرف بها، ففي رد عن سؤال صحافي حول طرق مواجهة الأزمة الاقتصادية، ذكر أويحيى أنه “ليس من الضروري على الشعب أن يستهلك الياغورت”، في إشارة إلى سياسة التقشف واستكثاره حتى محلى الياغورت على شعبه، بينما يستفحل الفساد وتبديد المال العام.

ولا يتوقف نبذ أويحيى عند عموم الجزائريين بمختلف فئاتهم الاجتماعية، بل يتعداه إلى أفراد عائلته وأشقائه وأنصاف أشقائه وأقربائه، ولدى سكان القرية التي ينحدر منها في محافظة تيزي وزو القبائلية، بعدما قطع صلاته الاجتماعية والعائلية وتفرغ لخدمة النظام السياسي.

وذكر مصدر مواكب لمسلسل المتابعات القضائية في الجزائر، بأن سجن أويحيى كان منتظرا، فكل الإفادات التي أدلى بها مسؤولون كبار ورجال أعمال كانت تشير إلى ضلوعه في ملفات ثقيلة، ولم يتورع خلال ذروة الصدمة التي أحدثها الحراك الشعبي في أسابيعه الأولى، عن تصديقه بصفته وزيرا أول، على قرض مالي لأحد رجال الأعمال بغلاف قدر بـ250 مليون دولار، بينما البلاد تحبس أنفاسها من تراجع مقدراتها المالية واستشراء حملة تهريب العملة الصعبة إلى الخارج.

نهاية البراغماتية

خاصية الامتياز القضائي الذي أقره بوتفليقة خلال السنوات الماضية لمتابعة كبار مسؤولي الدولة، لم تشفع لأويحيى في أن يفلت من المحاكمة أو يربح مزيدا من الوقت للمناورة
خاصية الامتياز القضائي الذي أقره بوتفليقة خلال السنوات الماضية لمتابعة كبار مسؤولي الدولة، لم تشفع لأويحيى في أن يفلت من المحاكمة أو يربح مزيدا من الوقت للمناورة

من شخصية مؤهلة لأن تكون مرشحة السلطة في الانتخابات الرئاسية الملغاة في إبريل الماضي، ومدعومة من طرف سلطة الإيليزيه في فرنسا، رحل الوافد على المحكمة بسيارة من طراز ألماني “باسات سوداء”، إلى سجن الحراش في سيارة أمنية لم تسلم إلا بصعوبة من المهللين بالضيف الجديد.

ويكون الرجل في تلك اللحظات قد استحضر على عجل مواقفه وتصريحاته الاستعلائية التي كانت توصف بـ“البراغماتي”. فمسيرة نحو 25 عاما من السلطة والأضواء والتماهي مع مختلف المراحل التي مرت بها البلاد منذ العشرية الحمراء، يذكرها الجزائريون بمرارة وعنجهية كبيرتين وبمساس بكرامتهم، فكما استكثر فيهم الرحل محلى الياغورت البسيط، كان تصريحه الآخر “جوّع كلبك يتبعك”، إهانة قاسية لأنها أبانت عن استعداد لفعل أي شيء لإذلال الشعب وتجريده من فعل المقاومة.

وباتت مواقع التواصل الاجتماعي تعج بتسجيلات ومداخلات الرجل منذ سنوات، وكانت آخرها ازدراؤه بالحراك الشعبي، وتلميحه إلى أن “الشعب الجزائري لن ينتفض ضد السلطة وإذا حدث ذلك فالحكومة موجودة، ولن تسمح بالتظاهر في العاصمة إلى غاية أن نتعلم كيف نسير"، ثم يردف في أحد تدخلاته الخاصة “لا يلبث أن يتعب المراهقون ويعودون إلى بيوتهم”.

ولم يكن أويحيى يصدق نفسه أنه سيقضي ليلته الأولى في إحدى زنزانات سجن الحراش، بمعية رفاقه في عالم الأعمال والمال، كعلي حداد وشريكه غير المعلن في شركة النقل المحتكرة للنقل الجامعي والنقل الحضري محيي الدين طحكوت، قياسا بما أبانه من أعصاب هادئة وشخصية كاريزمية، تعتبر نفسها في خدمة الدولة إلى غاية إقرار قاضي التحقيق بالمحكمة العليا بالعاصمة إحالته على السجن المؤبد.

رموز استئصالية

Thumbnail

وكان التحاق أويحيى بمراكز القرار مبكرا بعد تخرجه من المدرسة العليا للإدارة، أكبر كلية في البلاد لتخريج كوادر الإدارة والسلطة والسلك الدبلوماسي، ففي سبعينات القرن الماضي ألحق بمديرية الإعلام في رئاسة الجمهورية، خلال حكم الرئيس الراحل هواري بومدين، وتدرج في مختلف المناصب والمسؤوليات الإدارية والحكومية والدبلوماسية، إلى أن شغل منصب رئيس للحكومة لخمس مرات خلال ربع القرن الأخير.

وإذ تبنى مبكرا موقفا معاديا للإسلاميين في تسعينات القرن الماضي، بانخراطه الصريح في معسكر إلغاء المسار الانتخابي الذي استحوذت عليه جبهة الإنقاذ الإسلامية في تسعينات القرن الماضي، ودعمه للمؤسسة العسكرية في حربها على الإرهاب ورفض أي تقارب مع الإسلاميين، فقد تحول إلى حرباء سياسية تتلون مع كل الوضعيات، فالرجل الذي كان يوصف بـ“عراب الصقور العسكرية والسياسية التي تريد اجتثاث الإرهاب وترفض الجلوس مع الإسلاميين”، تحول إلى إحدى حمائم المصالحة الوطنية التي أطلقها بوتفليقة.

أويحيى تتهمه أطراف مقربة من التيارات الفائزة في انتخابات التسعينات بمساهمته رفقة رموز استئصالية في الجيش والاستخبارات وقوى سياسية، في إجهاض مسار الاتصالات التي قامت بها سلطة الرئيس السابق اليامين زروال مع قادة جبهة الإنقاذ، والمسارعة في منتصف التسعينات إلى قطع الطريق أمام أي مسعى لوقف حمام الدم، عبر أول خروج له أمام الرأي العام في التلفزيون الحكومي، للإعلان عن فشل الاتصالات بين الطرفين، وبإعلان المواجهة المحتدمة التي أفضت إلى مقتل نحو 250 ألف جزائري.

وقد ظل الرجل يمثل الواجهة السياسية لصقور جهاز الاستخبارات وعلى رأسهم المدير السابق الجنرال المسجون أيضا في سجن البليدة محمد مدين “توفيق”، إلى أن أعاد بوتفليقة التوازن لصالح الرئاسة، وقام بتفكيك وتنحية وحتى سجن كبار ضباط الجهاز بين عامي 2013 و2015، وتحول أويحيى إلى أحد الفاعلين في نظام بوتفليقة، وإلى مرشح لخلافته في قصر المرادية، قبل أن يرتكب جناح الرئاسة حماقة ترشيحه للولاية الخامسة، وما أعقبها من أحداث في البلاد أسقطت بوتفليقة وشردت رجالاته بين السجن والتنحية.

وحين سئل أويحيى في إحدى المناسبات عن وصف “رجل المهام القذرة”، الذي ارتبط به، لم يخجل واعتبر ذلك “مفخرة لشخصه لأنه رجل دولة يتخذ المواقف المناسبة في التوقيت المناسب بعيدا عن السياسات الشعبوية والشوفينية”، فتواجده في مختلف مناصب المسؤولية السامية ارتبط بالقرارات والسياسات المؤلمة للطبقات الكادحة، وكان مستعدا للركض على جثث الفقراء والمسحوقين من أجل تحقيق مكاسب كان ظاهرها حماية الاقتصاد الوطني، وباطنها خدمة الأغراض الضيقة للوبيات النفوذ المالي والسياسي.

أدوار خطرة

أويحيى لم يتوان عن الإيحاء لحزبه "التجمع الوطني الديمقراطي" بدعم وتأييد التوجهات التي عبرت عنها المؤسسة العسكرية للخروج من الأزمة السياسية التي تتخبط فيها البلاد
أويحيى لم يتوان عن الإيحاء لحزبه "التجمع الوطني الديمقراطي" بدعم وتأييد التوجهات التي عبرت عنها المؤسسة العسكرية للخروج من الأزمة السياسية التي تتخبط فيها البلاد

رئيس الحكومة السابق مقداد سيفي يقول إن أويحيى “قدم خدمات جليلة لصندوق النقد الدولي في تسعينات القرن الماضي، بإقدامه على تفكيك النسيج الاقتصادي الموروث عن الحقبة البومدينية، وحل وبيع مؤسسات القطاع العمومي بالدينار الرمزي لرجال أعمال مقربين من دوائر صنع القرار، وتسريح العمال، وهي عملية لم تكن واردة في الاتفاق المبرم حينها بين الحكومة الجزائرية وصندوق النقد الدولي”.

لقد ارتبط مسار أويحيى بما عرف في نفس المرحلة بـ“حملة الأيادي النظيفة”، التي قادها ضد كوادر ومسؤولي مؤسسات وشركات القطاع العام، قضوا سنوات سجن طويلة، تحت طائلة سوء التسيير وتبديد مقدرات القطاع العام، قبل أن تبرأ ساحتهم، بشهادة زميله في الحكومة السابقة طيب لوح، الذي انتقد بصراحة قبل انطلاق الحراك الشعبي حملة الأيادي النظيفة، واتهم رئيسه باستغلال السلطة وتوظيف القضاء في تصفية كوادر محترمة.

ولا يزال اللبس يلف خلفيات ودلالات حملة الحساب القضائي المفتوحة ضد رجالات نظام بوتفليقة، ففيما يشدد أنصار المؤسسة العسكرية على استجابة قيادة الجيش لمطالب الحراك الشعبي وتطهير الدولة من الفساد ومن الموالين للنفوذ الفرنسي، لا يزال البعض في المعارضة والشارع يتوجسون من إمكانية تجسيد منطق عدالة المنتصر ومباشرة حملة تصفية حسابات قوية بين أجنحة النظام، ويبررون موقفهم بهشاشة المؤسسات القائمة وثقل الملفات التي تستوجب قضاء مستقلا ومؤسسات شرعية وقوية، لتلافي انزلاقات ومظالم العهد البائد.

8