أحمد أويحي رجل دولة جزائري يرفض خطاب الإسلاميين وانتهازية الليبراليين

الأحد 2016/08/14
ما زال هناك أمل

أبوظبي - الخطاب السياسي في الجزائر، من نظام الحكم ومن المعارضة، يحاول تقديم إجابات للتساؤلات الكبرى، لكنها لا تتضمن رؤية، تؤسس عليها مشاريع يمكن التعويل عليها لدفع البلاد حول ديناميكية تؤهلها لمواجهة التطورات المقبلة المحلية والإقليمية والدولية.

كما أن ذلك الخطاب بعيد عن التفاعل الشعبي أو المجتمعي من ناحية التأثير الإيجابي، في ظل انتقاد متواصل لنظام الحكم وللمعارضة ولممثلي الشعب في البرلمان وللجيش ولكل مؤسسات الدولة. ولهذا من الصعب أن تتغيَّر المواقف داخل الجزائر، وأقصد هنا مواقف الشعب، وذلك حسب الطبيعة النفسية للشعب الجزائري، وهي التي تشكّل “الأنا الجمعي”، إلا بظهور قائد ملهم، أو زعيم جامع، ولو تتبّعنا حركة المجتمع الجزائري منذ الاستقلال، لوجدناها ذات صلة بدور القائد أو الزعيم، الذي يُفجّر طاقة الشعب وعبقريته، والشعب هنا لا يعنيه إن كان القائد عسكريا أو سياسيا أو مدنيا.

زعماء

بالنسبة إلى التفاعل بين الشعب والقائد من منطلق الزعامة والقيادة نجد على المستوى العسكري هواري بومدين، واليامين زروال، وبالنسبة إلى علاقة الشعب الحميمة بالزعيم الحاكم من منظور سياسي تبدو جلية أمامنا شعبية أحمد بن بلة، ومحمد بوضياف، وعبدالعزيز بوتفليقة، وعلى المستوى الديني نجد عباسي مدني ومحفوظ نحناح.

وإذا استثنينا من التجربة الرئيس الحالي عبدالعزيز بوتفليقة، لأسباب كثيرة، من أهمها أن تجربته في الحكم لم تنته بعد، وأنه، إلى الآن، يمثل حالا من التوازن بين عدة أطراف، وهو باختصار عبارة عن كثير من الماضي المتراكم. وقليل من الحاضر الفاعل، ليس على مستوى التغييرات والولاء، وإنما على مستوى توقيف زحف جماعات الفساد.

البحث عن قيادة

رغم ذلك كله، فإن الرئيس بوتفليقة يحظى بشعبيّة أكبر مقارنة بغيره من الرؤساء السابقين، باستثناء بومدين، وهو بذلك يكسر القاعدة المتعارف عليها، والمختصرة في أن شعبية الزعيم السابق منافسة وأحيانا قاتلة لشعبية وتفاعل ومكانة الزعيم اللاحق، فالرئيس اليامين زروال أقل زعامة من الرئيس الراحل هواري بومدين، وشعبية محمد بوضياف، كانت أقل من شعبية أحمد بن بلة، ومحفوظ نحناح أقل شعبية من عباسي مدني.

أجدادنا الشيعة ونحن
لا يكاد يمر أسبوع أو اثنان، دون أن يوجّه أويحي رسائله السياسية بهذا الاتجاه أو ذاك، لتشكل مجتمعة محددات سياسته الشخصية، ونهجه الخاص الذي يرى من خلاله الجزائر وتحولاتها الداخلية وتأثرها بالتطورات الجيوسياسية.

قال أويحي خلال كلمته في افتتاح الجامعة الصيفية للاتحاد العام للطلبة الجزائريين بوهران، معلقاً بصورة حذرة على الانقلاب الفاشل الذي وقع في تركيا مؤخراً، ورداً على الاحتفالات التي شهدتها الساحة الوطنية الجزائرية بسبب “التهليل الإخواني لأردوغان”، الذي رفعت صوتها به الأحزاب الإسلامية في الجزائر، إن دور تركيا كان متخاذلاً خلال الاستعمار الفرنسي للجزائر. وشدّد على أنه يجب على الجزائريين ألاّ ينسوا هذا.

وفتح أويحي النار على حديث المذاهب والطائفية، والشرخ الكبير الذي يعيشه العالم الإسلامي خلال هذه السنوات الدامية.

ودعا الطلبة إلى الاعتزاز بتاريخ أجدادهم الذين رفعوا راية الإسلام في الأندلس بقيادة طارق بن زياد من قبيلة ولهاصة، وبنشر الإسلام في أعماق الصحراء وأفريقيا. محذراً من أن نيران الطائفية قد تصل إلى الجزائر، لأنها مرتبطة بمخططات خارجية.

وقال أويحي إن “الشعب الجزائري شعب مسلم منذ 14 قرنا، وأجدادنا كانوا شيعة ورفعوا راية الشيعة، لكننا اليوم نحن مالكيون”.

ولأنه في بيت الطلبة، لم ينس أويحي أن يستحضر أحد رموز الحركة الشبابية الجزائرية، الشاب حسني، ابن وهران، مستشهدا بأغنيته “ما زال كاين ليسبوار” (مازال هناك أمل). مذكراً الحاضرين بحفل الفنان الراحل في صيف 1993، وقال أويحي إن حفلاً كهذا لم يكن حينها للرقص، ولكنه كان من أجل بعث الأمل في تلك الفترة الصعبة.

وكرر نداءه لمصارحة الشعب وقول الحقيقة والابتعاد عن الديماغوجيا، منتقدا تصريحات بعض قادة المعارضة. حين ذكّر بالتضحيات الكبيرة التي بذلت لتحقيق الاستقلال بالقول “بفضل 1.5 مليون شهيد تحصلنا على الاستقلال. وليس بفضل ضابط أو مسؤول فرنسي كما يقول بعض الساسة”، رداً على تصريحات عمار سعداني، الأمين العام لجبهة التحرير الوطني.

الجزائر اليوم، اعتماداً على تجربتها السابقة، في حاجة إلى زعيم سياسي يكون ملمّا بكل التجارب السابقة، ومضيفا لها من خبرته ودوره، وكثير من السياسيين الجزائريين يحاولون اليوم أن يبدوا فاعلين، وقد تكون لهم تجارب ثرية في العمل السياسي، التنظيمي ـ الحزبي، أو أثبتوا أهمية وجودهم في مؤسسات الدولة، عبر مختلف المواقع، لكن قلة تلك التي تملك رؤية سياسية وتجربة محلية ودولية، وقارئة للتاريخ، ومتابعة للسياسة الدولية، ومن تلك القلة يظهر أحمد أويحي، مدير ديوان رئيس الجمهورية الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي.

من خلال سيرته الذاتية يبدو أويحي الأوفر حظا لقيادة الجزائر في المستقبل القريب، بمقاييس الحقائق السياسية وليس بمقاييس الواقع الحالي الذي تتبارى فيه شخصيات لا يكمن مقارنتها به، وهي إمّا بنت شرعية أو غير شرعية للماضي، أو دخيلة عن الواقع، قد تكون لها شعبية أكثر من أويحي نتيجة للمناورات والتحالفات، لكن الجزائر تعاني من أزمة فكرية وليست سياسية، ما يعني أن من سيقودها في المستقبل المنظور عليه أن يكون صاحب مشروع سياسي، مؤسس على رؤية فكرية خلاقة، وهو ما ظهر في الخطاب الطويل الذي ألقاه أحمد أويحي، في السادس عشر من يوليو الماضي في وهران، خلال إشرافه على افتتاح الجامعة الصيفية الـ17 للاتحاد العام للطلبة الجزائريين.

في تجربة أويحي الحياتية ما يؤهله لقيادة الجزائر سواء تعلّق الأمر بمستواه الدراسي، فهو خريج المدرسة العليا للإدارة بالجزائر ومتحصل على شهادة الدراسات العليا في العلوم السياسية من جامعة الجزائر، أو من ناحية تقلده للعديد من المناصب ومعاصرته لكل رؤساء الجزائر، باستثناء الزعيم الراحل أحمد بن بلة.

عملياًّ، تتميز حياة أويحي السياسية بالثراء، فهو من السياسيين الجزائريين القلائل، الذين جمعوا بين المعايشة الطفولية للثورة، إذ لم يتجاوز عمره العاشرة عند الاستقلال، وبين التكوين الجامعي، وبين العمل السياسي، الذي لم ينقطع لفترة تجاوزت الأربعة عقود، قضى ما يقارب العقدين منها في العمل الدبلوماسي، بدأها بكاتب للشؤون الخارجية عام 1975، وفي 1981 عيّن مستشارا للشؤون الخارجية بسفارة الجزائر بأبيدجان، وفي 1984 أصبح مستشارا بالبعثة الجزائرية الدائمة لدى الأمم المتحدة. وفي 1988 أصبح ممثلا مساعدا بمجلس الأمن.

وبعدها بعام واحد، أي في 1989 أصبح مستشارا بديوان وزارة الشؤون الخارجية، ثم مدير عام “أفريقيا” بالإدارة المركزية لوزارة الشؤون الخارجية في 1990، وسفيرا لبلاده في مالي عام 1992، ثم كاتب دولة مكلف بالتعاون والشؤون المغاربية في 1993.

الإلمام بمكانة الجزائر

تعدُّ مسيرة أويحي السابقة المرحلة الأولى من حياته العملية، وفيها تمكَّن ـ عبر العمل الدبلوماسي ـ من الإلمام بعلاقة الجزائر ومكانتها ودورها دوليا، وهي مرحلة تخصُّ العمل الخارجي للدولة الجزائرية.

وقد واصل طريقه، ولكن هذه المرة صوب الداخل، إذ اختير مديرا لديوان الرئاسة في 1994، ومنذ ذلك التاريخ وإلى غاية اللحظة الراهنة لا يزال فاعلا في مؤسسات الدولة، ولم يتم استبعاده، لأن الدولة الجزائرية في حاجة إليه وإلا ما كان يعتلي منصب الحكومة ثلاث مرات في فترات مختلفة، مُرُوراً بمناصب أخرى مثل وزارة العدل، ووزير دولة ممثل شخصي لرئيس الجمهورية، وغير ذلك.
الحملات التي تشن ضده على خلفية أنه يسعى ليكون رئيسا للجزائر في المستقبل فاشلة لا ريب، ليس فقط لأن الوصول إلى أعلى هرم السلطة من حق كل الجزائريين، فما بالك بقائد مثل أحمد أويحي؟ ولكن لأنه أثبت خلال السنوات الماضية قدرته على صناعة الفعل السياسي داخل السلطة وخارجها

وعلى خلاف قادة الأحزاب الجزائرية الأخرى، التي تعمل على تطويع الدولة ومؤسساتها لصالح أجندتها ومصالحها، فإن أحمد أويحي طوّع نفسه وحزبه لخدمة الدولة الجزائرية، وحين اقتضت المصلحة الوطنية أن يخدم البلاد في رحابتها بعيدا عن ضيق الأحزاب ومصالحها كان من السبَّاقين لذلك.

بين السلطة والمعارضة

عرف أويحي بتمكنه من الانتقال بين السلطة والمعارضة، وفي الحالتين أثبت أنه رجل دولة من الطراز الأول. ولأنه على النحو السابق، يهاجم اليوم من قادة الأحزاب، ومن المنافسين له داخل السلطة.

الحملات التي تشنُّ ضدّه على خلفيّة أنه يسعى ليكون رئيسا للجزائر في المستقبل فاشلة لا ريب، ليس فقط لأن الوصول إلى أعلى هرم السلطة من حقّ كل الجزائريين، فما بالك بقائد مثل أحمد أويحي؟ ولكن لأنه أثبت خلال السنوات الماضية قدرته على صناعة الفعل السياسي داخل السلطة وخارجها، بما يخدم المصالح العليا لبلاده بصمت، أو بتصريحات قليلة ومقتضبة ومركزة، وبعمله الدؤوب وتجربته الثرية وقراءاته المتنوعة ورؤيته الواعدة، فقد يحقق طموحه في منصب الرئيس إن سعى إليه، وذاك حق مشروع.

7