أحمد إسماعيل إسماعيل: المسرح أيضا صار مدجنا

المسرح العربي اليوم بات يعاني من تراجع دوره الريادي في اتصاله المباشر والوثيق بالجمهور وقدرته الكبيرة على نحت الوعي والذائقة لدى أي فرد أو جماعة يتواصل معها، وتعود أسباب ذلك إلى أمور عدة منها مثلا تأثيرات منافسة فنون أخرى حديثة له مثل السينما والفيديو والتلفزيون والحياة الاستهلاكية الطفيلية التي همّشت القيم النبيلة لصالح كل ما هو مادي سوقي. “العرب” التقت الكاتب المسرحي السوري إسماعيل أحمد إسماعيل وكان لنا معه هذا الحوار حول واقع المسرح العربي اليوم.
الخميس 2015/09/17
التراجيديات الفردية مثل أوديب غيرت مسارات المسرح فكيف لمأساة شعب ألا تفعل ذلك

“في داخل كل منا ممثل، يكبر معنا ويرافقنا أنى نسير، بل يقودنا، وغالبا ما يؤدي هو، لا نحن، دورنا في الحياة، ولا نكون نحن على حقيقتنا إلا عندما نصعد على الخشبة. حينها يصيبنا الإرباك والتوتر، وأنا، ولأنني كنت، ومازلت إنسانا خجولا، لم أستطع، على الرغم من عشقي لهذا الفن، أن أصعد على الخشبة، وكم من مرة حاولت وفشلت”. هكذا يبدأ الكاتب المسرحي السوري إسماعيل أحمد إسماعيل حديثه. مضيفا أنه لو كان الآن ممثلا لا كاتبا، ما كان ليمثل شخوصه، لأن شخوص مسرحياته هي بعض منه في المسرح.

التراجيديا الكبرى

لضيفنا تجربة وحيدة في كتابة القصة “رقصة العاشق”، عن سبب ذلك، يعتبر أحمد أنه من الطريف أن يذكر أن هذه المجموعة قدمت سنة 1999 لوزارة الثقافة، وكان الرد بالرفض، فأرسلها مباشرة إلى مسابقة جائزة الشارقة للإبداع وفازت بالجائزة الثالثة سنة 2000.

وهي مجموعة قصص متفرقة كان قد نشرتها في مجلات وصحف كردية وعربية. ثم وبعد فوزها، أبعده مسرح الطفل الذي راح يكتب له بشكل متحمس، عن كتابة القصة القصيرة، والغريب، في رأيه، ومنذ قدوم هذا الربيع وانطلاق شرارة الثورة في سوريا في مارس 2011، لم يعد يكتب للأطفال، بل لم يعد يستطيع كتابة أي شيء لهم، وذلك رغم محاولات كثيرة لفعل ذلك، ليجد نفسه، وبعد انقطاع طويل دام أكثر من عشر سنوات، يكتب أكثر من قصة قصيرة مستوحاة كلها من أجواء الثورة والحرب الدائرة في وطنه سوريا. نُشرت في مواقع ومجلات عربية ومنها مجلة الجديد في عددها المخصص للقصة القصيرة، فقد أصبح يتهيب الكتابة للطفل كثيرا، إذ لا يمكن لأي كاتب سوري أو حتى عربي، أن يكتب لأطفال هذا الجيل ما كان يكتبه قبل الحرب، لأن ذلك سيكون ضربا من الخبل الإبداعي، في اعتقاده، بل مساهمة في قتل ما تبقى من طفولة مهدورة لدى أطفالنا.

لمسرح الطفل شروطه المختلفة عن مسرح الكبار

في حديثنا عن التراجيديا السورية وما أمدته به ككاتب مسرح، يقول أحمد: لم يحدث أن قابل جمهور، مسرحي أو غير مسرحي، مشهدا قاسيا بهذا الصمت المريع الذي قوبلت به التراجيديا السورية. إذا كانت تراجيديات مأساة فرد أو مدينة أو شريحة: مثل أوديب ملكا أو هاملت أو نورا في الدمية أو أوبو ملكا أو ست شخصيات تبحث عن مؤلف أو القاعدة والاستثناء. قد غيرت مسارات المسرح: لغة ونهجا وتقنية ومعالجات..فكيف لمأساة شعب ووطن في التراجيديا السورية ألا تفعل فعلها في المسرح. بل في الحياة والسياسة وحتى الدين، بالنسبة إلى الفرد العادي وللفنان والكاتب. أنا بالكاد بقيت على قيد العقل والحياة، وبالكاد أمسك قلمي عن رسم جنون المشهد الناهض في وطني بجنون يناسبه.

عن الصعوبات التي تواجه المسرح اليوم، العربي بشكل عام والكردي بشكل خاص، يجيب ضيفنا: لم يقتصر التأميم في البلدان العربية التي اغتصبتها سلطات “ثورجية” في ستينيات القرن الفائت على قطاعات معينة، بل شملت أول ما شملت الثقافة والفن السينمائي والمسرحي خاصة، ولقد تجلى ذلك في عملية فك ارتباط هذا الفن بشريكه الجمهور، إدراكا منها بقوة تأثير المسرح حين يكون على تماس مباشر مع توأمه المتفرج، فحولت الفنان إلى موظف، والجمهور إلى رواد استعراضات لا عروض. وحصرت نشاط المسرح في مهرجانات موسمية، هي في حقيقتها نشاطات فنية وكرنفالات تقام بمناسبة ميلاد الحزب الحاكم وثورة الحزب وحركة قائده، وكل ذلك في عملية تدجين فقد فيه المسرح جمهوره ففقد دوره، فلا مسرح بلا جمهور، ولا حياة لمسرح لا يعكس نبض الشعب كما يقول غارسيا لوركا.

مسرح للمستقبل

عن مسرحية “الطائر الحكيم”، وهي مسرحية للأطفال سبق أن فازت بالمركز الأول في مسابقة الهيئة العربية للمسرح 2010، يعلق أحمد قائلا: بداية لا بد من التنويه إلى أن موضوع هذه المسرحية يدور حول ضرورة الثورة على الوحش الذي انتصب ذات مساء في وطن الطيور “المزرعة”، وحيرة الطيور ثم اتفاقها على الثورة، وذلك بوساطة رياح من صنعها، لتكتشف أن هذا الوحش ليس سوى فزاعة من صنع الثعلب. هي دعوة للثورة قبل بدء الربيع العربي، ورغم ذلك بقيت متجاهلة من قبل النقاد الذين يتناولون المسرح والتغيير أو ثورات الربيع العربي، كما تجاهلوا مسرحياتي التي تناولت في أغلبها الثورة ضد الاستبداد، طبعا قبل الانقلاب الربيعي بزمن.

التراجيديا السورية قوبلت بصمت مريع

ويضيف الكاتب: لمسرح الطفل شروطه المختلفة عن مسرح الكبار، في كتابة النص وتقديم العرض، ومنها الشرط الذي أشرت إليه: انتصار الخير على الشر. نعم، انتصار الخير على الشر هو شرط في مسرح الطفل، ولكن لهذا الشرط شروط، وإلا كان الانتصار مفتعلا وساذجا، واستخفافا بعقل الطفل، وخاصة في هذا الزمن، فلا نصر لخير على شر إلا إذا كان هذا الخير قويا، والقوة هنا قوى: عقلية أو اجتماعية أو أخلاقية، كالذكاء أو التعاون أو الصدق أو الإيثار والتضحية وغيرها، ولنا في حكايات كليلة ودمنة خير مثال “حكاية الحمامة المطوقة” مثلا، و”الفيل والأرنب الذكي”.

عن دور المسرح وأهميته للطفل، والفرق بين المسرح للكبار والمسرح للصغار، يؤكد ضيفنا أنه كتب للطفل لأنه مؤمن بأن خير ما نفعله للوطن الذي خاب ظنه فينا، نحن الذين شوهنا الاستبداد وثقافته، والمجتمع وأعرافه البالية، هو أن نقدم أجمل ما لدينا للأطفال.

يقول: باختصار إن مسرح الطفل الذي يختلف عن مسرح الكبار أو الراشدين بجملة من النقاط الهامة والعامة منها، مراعاة المرحلة العمرية للطفل، التركيز على القيم العليا، عدم الإكثار من الشخصيات وتشعّب المواضيع والعقد، وعدم إطالة زمن العرض، توفير وسائل جذب وتشويق الطفل من فضول أو إضحاك أو تماه دون إسفاف وشروط أخرى كثيرة. أجد شرط حب الطفل واحترام وعيه يتقدمان كل تلك الشروط، طبعا لدى الكاتب أو الفنان الممتلك لأدواته. كل ذلك وشروط أخرى ستفيد الطفل في أكثر من مجال.

أحمد إسماعيل إسماعيل من الكتاب الذين مسرحوا تاريخ الكرد للناشئة الذين يجهلون هذا التاريخ، عن هذه التجربة التي يسميها “سلسلة جراب البدليسي” يقول ضيفنا: عودة إلى البناء الصحيح انطلاقا من الطفل، وجدت أن من الخير أن يطلع الطفل الكردي على تاريخه الذي تم تشويهه أيما تشويه، ليتماثل مع الشخصيات الهامة في هذا التاريخ.

15