أحمد الأسير من الصورة الناقصة إلى عالم الذبح وأفلام داعش

الأحد 2015/08/23
شيخ ساذج أريد له أن يظهر كمقاتل سني يائس

يقول الشاعر الأميركي أوغدن ناش الذي اشتهر بقصائده القصيرة جدا في قصيدة موجزة تحمل عنوان “من أجل حقد أقل تجاه لا أحد”: أي طفل في مدرسة يمكن أن يحب بسذاجة بالغة، لكن الكراهية يا بني، فن وحرفة.

ومما قاله الشاعر الأميركي، يمكن لنا أن نحاول فهم حالة الشيخ أحمد الأسير الذي كان فاراً من وجه العدالة، إثر اتهامه بخوض وإدارة معارك ضد الجيش اللبناني قبل أن يلقى القبض عليه مؤخرا.

السذاجة المنفعلة

كل من تابع قصة القبض على الشيخ الأسير، الذي حاول الفرار عبر مطار بيروت متنكراً، اعتبره ساذجا وغبيا. وجل التحليلات التي عرضت لمسيرته من احتجاجاته على تناول السيدة عائشة، زوجة النبي، وصولاً إلى تبنّيه منطق رفع السلاح في مواجهة حزب الله، التقت على وصف سلوكه بالبدائي، وغير المسؤول وغير المدروس.

كان الشيخ الأسير إذن مجرد رجل ساذج يحب إسلامه السني، ويسعى للدفاع عنه ضد كل ما يتعرض له من إهانات وانتهاكات فعلية من قبل حزب الله، وهي انتهاكات موثقة وواضحة المعالم. لم يكن عنوان حراكه هو الكره الذي يجمع الكل على أنه لم يكن يجيده أصلا، قياساً على سذاجته التي تناقض ما يتطلّبه الكره من حرفية وفنية عبرت عنهما قصيدة الشاعر الأميركي.

كان صوته العالي إذا ما أحلناه إلى موازين القوى بينه وبين حزب الله، لا يعدو كونه صراخ طفل محتج يطالب بالحد الأدنى من حقوقه. الطفل يصرخ للفت الانتباه فقط دون أن يستطيع فعل شيء آخر، يتطلب التعاطف، والأمان والحماية، والرعاية، ويفترض بسذاجة مفتوحة أن العالم كله أمهات سيسارعن إلى تلبية حاجاته الطبيعية والعادية.

صراخ الاحتجاج وصراخ القتلة

لا يعرف الطفل أن العالم ليس هكذا، وأنه ليس مبنيا على هذا المنوال، ولكنه يكتشف ذلك عبر وسيط الألم والجوع. حينها يفقد الصراخ قدرته السحرية على استدعاء التلبية، ويكون الطفل قد انتقل إلى مرحلة أخرى نمت فيها أسنانه، وبات قادرا على التعبير عن رغباته بالعض الذي يمكن قراءته في المجال الرمزي بأنه رغبة في ترك أثر وحفر علامة، تمنع الآخر من نسيانه وتجاهله وعدم الاعتراف به.

في كل الأحول فإن الآخر هو الذي يشكل ردود الأفعال ويصنعها، فإذا كان الشيخ الأسير الفاقد للقوة والمنعة الحربية يصرخ، فإننا نفهم أن هذا الصراخ يحاول التعبير عن ألم وعن نقص حاد في متطلبات الحياة. ما لا يبدو مفهوما هو صراخ حسن نصرالله، وهو المتمتع بكل أسباب القوة الفعلية، والمنعة الحربية والعسكرية.

الشيخ الأسير الفاقد للقوة والمنعة الحربية يعبر عن مشروعه بالصراخ، ويمكننا أن نفهم أن هذا الصراخ محاولة للتعبير عن ألم وعن نقص حاد في متطلبات الحياة. لكن ما لا يبدو مفهوما هو صراخ حسن نصرالله، وهو المتمتع بكل أسباب القوة الفعلية، والمنعة الحربية والعسكرية

الصراخ فعل تعبير ومطالبة، ولكن عندما يمارسه من يخنق التعبير، يصبح وسيلة من وسائل التعذيب الإضافية. كان الأسير يصرخ تعبيراً عن نقص لا ينكره أحد في الكرامة وفي الأمن، وفي كل بنية الوجود في حين كان نصرالله يصرخ ليمارس المزيد من تعذيب الوجود اللبناني عامة، والسنّي خاصة. كان يصرخ ليغطي على صراخ الألم ويجعله غير مسموع، ويجره تاليا إلى إقامة جبرية في رمزية صراخه هو، أي تحويله إلى صراخ القاتل المتلذذ وليس صراخ القتيل، وكي ينقل مجاله الدلالي من الاحتجاج إلى المجزرة.

لم يكن الأسير كما شاهدناه يكره حزب الله، بل كان يحب طائفته ومسجده ورموزه الدينية وكرامته وحريته. لم يكن يتعامل مع الشيعة بمثل ذلك الإنكار الذي يتعامل به حزب الله والنظام البعثي مع السنّة، وهو إنكار يجعل كل قتل وعنف يمارسه البعث وحزب الله في سوريا يتخذ على الدوام شكل الاحتقار التام الذي لا يعترف لذلك الآخر ولو بصفة العدو.

الأسير لم يكن يخاطب حزب الله في مرحلة ما قبل السلاح سوى بوصفه خصما. لم تكن لغة الإبادة حاضرة في خطابه ولو كنزعة كامنة يمكن استشفافها من تحليل طياته، ولكنه كان ذلك الآخر الظالم والذي يمكن إعادة تركيب العلاقة معه وإنتاجها ما إن يكف عن ظلمه.

مرة قال الأسير إنه سيحرم جماعة حزب الله النوم. مقارنة هذا الخطاب بخطاب مؤيدي الحزب يجعله يبدو وكأنه نكتة، ففي أحد الفيديوهات التي شاعت إثر مشاركة حزب الله في القتال ضد الشعب السوري كان هناك فيديو لعنصر من حزب الله يكتب بالسكين على جبين أسير سوري “لبيك يا حسين” ويقول له “أحاول أن أجعلك مسلما”. الفرق بين إقلاق الراحة الذي كان يهدد به الأسير ونزع صفة الإسلام وإعادة أسلمة المسلمين السنة بالسكين الذي يعبّر عنه سلوك مقاتلي حزب الله، هو الفرق بين السذاجة الحمقاء والغبية و فن صناعة الأحقاد.

إضفاء القداسة

كادت رحلة قام بها الأسير وأنصاره إلى فاريا أن تتسبب في مشكلة كبيرة، حيث قامت مجموعة بقطع الطريق عليه وعلى أنصاره بغية منعه من الوصول إلى الوجهة التي كان يقصدها. الحجة كانت أن موكبه كان كبيرا ومستفزا وأنه سبق له إطلاق تصريحات ضد سياسيين.

بالطبع لم يكن هذا هو السبب، فلطالما كانت مواكب السياسيين ورجال الدين ضخمة وكبيرة ومسلحة، في حين أن موكب الاسير لم يكن مسلحا، إضافة إلى أن التصريحات النارية باتت منذ زمن بعيد يسبق ظهور الأسير سمة الممارسة اليومية للسياسة في لبنان وعلامتها.

الصورة التي يتم تصنيعها للأسير المقصود منها تكريس حالة الشيخ السني الذي حمل السلاح ردا على تغول حزب الله، في استجابة لمكنون سني عام، والهدف النهائي هو استنساخها وتعميمها على اللبنانيين جميعا

من سعوا إلى منع الأسير من الوصول إلى ذلك المنتجع السياسي، والذين كان جلهم من العونيين كانوا يعلنونه غريباً، أو “إنساناً مقدساً” إذا شئنا استعمال تعبير الفيلسوف السياسي الإيطالي “جيورجو أغامبين”. المقصود من هذا التعبير هو الحالة التي يصبح فيها الشخص كائنا غير حقوقي، ويعاني من إهدار تام لحقوقه القانونية، حيث يمكن لأيّ كان أن يقتله دون أن يخضع للمحاسبة القانونية.

هذا التوصيف يعبّر عن حال الأسير الذي تم تكريسه “إنسانا مقدسا” من كل الجهات، حيث تعامل معه تيار المستقبل بوصفه مهددا لحصرية تمثيله للطائفة السنية، وأعطى الضوء الأخضر لإنهاء ما سمّي حالة الأسير، وكذلك تعامل معه حزب الله والأطراف المسيحية.

السنة وتغول حزب الله

حمل الأسير السلاح في فترة لاحقة، ولكنه لم يكن قادرا على تدبير شؤونه. كان ظهوره بالسلاح صورة تطمح للتحول إلى ذاكرة، حيث أن الانتصار لم يكن ممكنا بأيّ شكل من الأشكال. المقصود كان تكريس صورة الشيخ السني الذي حمل السلاح رداً على تغوّل حزب الله كحالة تستجيب لمكنون سنّي عام، يسمح لاحقاً باستنساخ هذه الصورة بشكل آخر قد يتوصل إلى حذف ما يشوبها من خلل وشعرية، ويمدها بكل أسباب التمكين.

أنهى الجيش اللبناني حالة الأسير، أو هكذا قيل. وظهرت إثر هذه المعركة التي سقط فيها عدد من جنود الجيش فيديوهات تظهر وجود حزب الله الميداني الكثيف في أرض المعركة، كما تبين أن القصف على منطقة عبرا التي كان الأسير يتحصن فيها، جاء من منطقة حارة صيدا الموالية لحزب الله.

يحاكم الأسير الآن بتهمة محاربة الجيش اللبناني وهي الحالة التي جعلته يخسر التعاطف السني معه بشكل عام، ولكن من أنهى حالته لم يكن الجيش اللبناني كما يبدو بل كان حزب الله، أو على الأقل كان حزب الله مشاركا في المعارك ضده.

هذا المعطى الذي يتم تجاهله جعل الرأي العام السنّي الذي تشي طريقة هروب الأسير متنكرا بعدم احتضانه له، يعتبر أن الأسير اعتقل وربما سيعدم لأنه حارب حزب الله وليس لأنه حارب الجيش اللبناني.

هذا الرأي العام الذي خلع عن الأسير أيّ غطاء وحرمه من أيّ تعاطف حين بدا له أن معركته هي في مواجهة الجيش اللبناني، بات مقتنعا في لحظة التغول الحزبللهي والعوني الدائمة على الجميع وعلى الدولة ومؤسساتها، أن اعتقال الأسير يردد أصداء حالة التغول تلك ويعبر عنها، ولا يعكس وجود بنية أمنية قضائية، بل يؤكد الانحياز، ويشكل جزءا من الحرب التي يخوضها الحزب ضد السنة، ليس في لبنان وحسب ولكن في سوريا وكل المنطقة.

الأسير يظهر في إحدى المرات التي يتوعد فيها حزب الله قائلا إنه سيحرم جماعة الحزب النوم. مقارنة هذا الخطاب بخطاب مؤيدي نصرالله يجعله يبدو وكأنه نكتة، ففي أحد الفيديوهات التي شاعت إثر مشاركة حزب الله في القتال ضد الشعب السوري كان هناك فيديو لعنصر من حزب الله يكتب بالسكين على جبين أسير سوري "لبيك يا حسين"

اعتقال الأسير أعاد إظهار وجوه القتلة المعروفين، من قتلة الفتى الشيعي هاشم السلمان أمام عيون الكاميرات والقوى الأمنية أمام السفارة الإيرانية، إلى قتلة رفيق الحريري الذين يتجولون بكل راحة في الضاحية، ويشاركون في المناسبات والعامة.

شرعية اعتقال الأسير كانت قد ماتت ميتات كثيرة قبل أن تنجز. أولى ميتاتها كانت في مشاركة حزب الله في عملية القضاء على حالته، والثانية في تجاهل القوى الأمنية لواجباتها في إلقاء القبض على قتلة معروفين، لأنهم ينتمون إلى محور الممانعة الإلهية.

هكذا لا يكون الأسير موقوفاً ومجرماً، بل أسيراً بالمعنى الحربي للكلمة، وقد جرى القبض عليه حياً في إطار المعركة التي يخوضها حزب الله ضد السنة. من هنا يكون حزب الله قد نجح في بلورة إهدار مزدوج، هو إهدار المعنى القانوني والمؤسساتي لعملية القبض على الأسير، وإهدار الإجماع العام حول المؤسسة العسكرية.

هذا السياق يعلن بوضوح أن صورة أحمد الأسير المتنكر الهارب، والصورة المتوقعة والتي حذر من ظهورها بيان العلماء المسلمين، وهي صورة أحمد الأسير معذبا منتهكا، هما من الماضي، وأن المستقبل الذي قد لا يكون بعيدا، هو لصور سفاحي داعش حيث يسود عالم الذبح المابعد هوليودي.

نفّذ الأسير في العام 2012 ما سماه بـ”اعتصام الكرامة” الذي شلّ صيدا لأسابيع من أجل نزع سلاح حزب الله، وكان قد ولد في صيدا ذاتها، ودرس العلوم الشرعية في كلية الشريعة التابعة لدار الفتوى، والده محمد هلال الأسير عازف عود ومطرب سابق، ووالدته مسلمة شيعية من مدينة صور.

الأسير واليا لداعش

في صيف العام 2013 شهدت صيدا وعلى مدى يومين أحداثاً دامية، بعد أن دارت اشتباكات مسلحة بين الجيش اللبناني وأنصار الأسير وعناصر من حزب الله ما أدى إلى سقوط 18 من الجيش اللبناني وأكثر من 100 جريح وقد انتهى الأمر بفراره، وفي فبراير من العام الماضي 2014، أصدر القضاء اللبناني حكمه على الأسير بالإعدام، بتهمة “تأليف مجموعات عسكرية تعرضت لمؤسسة الدولة المتمثلة بالجيش، وقتل ضباط وأفراد منه، واقتناء مواد متفجرة وأسلحة خفيفة وثقيلة استعملت ضد الجيش”.

لكن أحدث الاتهامات الموجهة إلى الأسير، هو ما أوردته الأخبار اللبنانية التابعة لحزب الله، من أن الأسير قد بويع والياً لداعش على لبنان، وأضافت الصحيفة “لا شيء يؤكد خبر تولي الأسير إمارة فرع التنظيم الأكثر تطرّفاً في العالم سوى ترجيحات أمنية، لكن اليقين أن الرجل أوغل في التطرف، أكثر فأكثر، منذ تواريه عن الأنظار، ولا سيما بعد اعتزاله الناس ومعاناته مع مرض السكّري”، وداعش اليوم في القصير، على بوابات لبنان.

9