أحمد الحبوبي لـ"العرب": داعش طوق نجاة لنوري المالكي

الجمعة 2014/06/20
أحمد الحبوبي سياسي عراقي مخضرم

القاهرة- قال أحمد الحبوبي، رئيس المبادرة الوطنية العراقية المستقلة، إن اقتراح تشكيل حكومة ائتلافية في العراق حاليا، أفضل الحلول للخروج من الأزمة الطاحنة التي تعصف بالبلاد، معترفا بصعوبة تخلي المالكي عن الحكم لتحقيق ذلك على الأرض نظرا إلى تمسكه بمنصبه.

وأكد أحمد الحبوبي، رئيس المبادرة الوطنية العراقية المستقلة، في حوار خاص مع “العرب” في القاهرة (محل إقامته منذ فترة) أن العراق بحاجة ماسة إلى حكومة إنقاذ وطني، لأن الوضع الأمني والاجتماعي والسياسي معقد وحكومة المالكي غير قادرة على حل المشاكل، بل تزيدها تعقيدا، لافتا إلى أن اقتراح المبادرة الوطنية بتشكيل حكومة إنقاذ جديدة من عناصر وطنية، تضم كل الفئات وغير مشروطة بضم أشخاص معينة، يلقى قبولا وترحيبا في عدد كبير من الأوســاط العراقية.

كانت المبادرة الوطنية العراقية المستقلة بزعامة الحبوبي ونورى عبد الرزاق، أصدرت بيانا أخيرا دعت فيه الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية إلى مد يد العون للعراقيين، من أجل تشكيل حكومة إنقاذ وطني، وإعادة بناء عراق خال من الإرهاب والتطرف، وعلى أسس من المواطنة والمشاركة من جميع فئاته وأفراده.

حول ما طرحه البعض بشأن توليه حكومة الإنقاذ الوطني قال الحبوبي، الذي كان وزيرا أيام حكم الرئيس الراحل عبد السلام عارف: “أنا عمري كبير وتجاوزت الثمانين والعراق يحتاج إلى شخص أنشط وأقدر مني.. ونحن في المبادرة أصبحنا موضة قديمة وغير قادرين على تولي مسؤولية من هذا النوع التي تحتاج إلى جهد ومتابعة، وكل ما نطرحه أن هناك فئات وطنية قادرة على تولي المهمة يجب إعطاؤها فرصة”.


حكومة إنقاذ


أكد الحبوبي أن الائتلاف الحكومي الحالي لا يقبل باقتراح حكومة إنقاذ وطني، لأن الأشخاص الموجودين على الساحة منذ الاحتلال العراقي في 2003 لا يريدون التنازل أو التخلي عن المراكز التي حققوها، مشيرا إلى أنه يعني بهؤلاء مختلف التيارات الإسلامية وغيرهم ممن سيطروا وهيمنوا على الوزارة والبرلمان.

طهران أكثر تأثيرا من واشنطن في العراق ثم تأتي بعدهما تركيا والخليج وكلها دول لها دور في تشكيل التوليفة السياسية

وعن رئيس الوزراء نوري المالكي تحديدا قال الحبوبي: “إن المصلحة الوطنية توجب عليه التراجع، ولو كانت لديه وطنية حقيقية، عليه أن يبتعد عن الحكم والاقتداء بما فعله الزعيم الراحل جمال عبد الناصر عندما خسر في نكسة 1967 وأعلن تنحيه عن الحكم والشعب أعاده”.

وأشار الحبوبي إلى أن المالكي هو القائد السياسي والعسكري للبلاد وقواته انكسرت في نينوى وصلاح الدين والأنبار، والغريب أنه أصدر مؤخرا بيانا بإقالة عدد من القيادات العسكرية في المحافظات المذكورة، لأنها تقاعست أثناء المعركة رغم أنه قائد القوات المسلحة ويتحمل أيضا المسؤولية السياسية والعسكرية، والواجب الوطني يفرض عليه أن يتحمل المسؤولية ويتنحى.

واستدرك قائلا: “لكن عملية التنحي عن الحكم ليست سهلة في العرف العربي عموما، والمالكي لم يكن يصدق في الأساس أن يأتي كرئيس وزراء للعراق، والآن يتشبث بولاية ثالثة، ويعزز من ذلك أن ائتلاف دولة القانون الذي يتزعمه حقق 95 مقعدا في الانتخابات الأخيرة، والآن يخاطب الشعب على أنه يحارب داعش والقاعدة”.

وأكد الحبوبي أن المالكي لن يتنحى إلا بزخم شعبي ومطلب جماهيري وضغط سياسي من الداخل والخارج، مشيرا إلى أن الضغط الداخلي ليس كبيرا جدا، كما أن المالكي استفاد واستثمر فتوى الحوزة الدينية التي أصدرها المرجع الديني السيستاني التي قال فيها “يجب على الجيش والشعب محاربة إرهاب داعش” واستغلها المالكي على أنها دعم له، وبعض الناس فهموا الفتوى أيضا على أنها يجب أن تقف خلف المالكي والحكومة، والشعب العراقي متدين، وعندما تأتي فتوى من شخصية كبيرة مثل السيستاني يكون لها أثر كبير، وجاءت الفتوى طوق نجاة للمالكي، ولم يكن غريبا أن يبعث المالكي برقية شكر للسيستاني على الفتوى التي مثلت إنقاذا له.

وحسبما تشير الإحصائيات الرسمية تطوع أكثر من مليوني عراقي في استجابة لدعوة رجل الدين الشيعي الأكثر نفوذا في البلاد إلى حمل السلاح ضد جماعة الدولة الاسلامية في العراق والشام التي تقاتل للإطاحة برئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي في صراع يهدد بنشوب حرب أهلية واحتمال تفكك البلاد.

(داعش) لا تستطيع السيطرة على مدن مثل الموصل ونينوى إلا إذا كانت معها قوات من فصائل أخرى

وكان المرصد السوري لحقوق الانسان أفاد بأن شيعة عراقيين كانوا يقاتلون في سوريا إلى جانب قوات النظام عادوا إلى العراق لمقاتلة الجهاديين السنة. وكان آلاف الشيعة العراقيين وفدوا إلى سوريا للتصدي لمقاتلي المعارضة، وغالبيتهم من السنة، الذين يقاتلون قوات نظام الرئيس بشار الأسد. وقد انتشروا خصوصا في ريف دمشق بدعوى الدفاع عن ضريح السيدة زينب.

وإثر التقدم غير المسبوق للفصائل السنية المسلحة الذين سيطروا على مناطق واسعة في شمال ووسط العراق، بدا المقاتلون الشيعة يعودون إلى بلادهم وخصوصا بعد الدعوة التي وجهها المرجع الشيعي الأعلى اية الله علي السيستاني إلى العراقيين للانضمام إلى القوات المسلحة لمقاتلة مسلحي الدولة الاسلامية في العراق والشام الذين وصلوا إلى أقل من 100 كلم عن بغداد.

ويضم العراق الكثير من الأماكن المقدسة لدى الشيعة في النجف وكربلاء جنوبي بغداد وسامراء إلى شمالها. وتدعم إيران الشيعية حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، كما وعدت بتقديم المساعدة إلى السلطات العراقية بمجرد أن تطلبها رسميا.

وشدد الحبوبي على أن تدخل السيستاني يزيد الأمور تعقيدا، وصدور فتاوى دعم الحكومة وتجييش الناس طائفيا تزيد الأمور تعقيدا، لذلك استدرك السيستاني الأمر وأصدر تفسيرا لاحقا لفتواه أكد فيه أنه لا يقصد تجييش الناس على أساس طائفي، وما قصده أنه على الرموز المختلطة الشيعية – السنية أن تجتمع لحماية البلاد في محاولة لتلافي أثار فتواه الأولى.


فتاوى مضادة


أوضح الحبوبي أن السيستاني شعر بخطورة هذه الفتوى، فعلى الجانب الآخر أصدرت رموز دين من السنة فتاوى مضادة له، وهذا أمر خطير ينذر بمحاولات حشد من الطرفين الشيعة والسنة، وهو ما يؤدي إلى اقتتال طائفي.

وحول ما قصده بالضغط الخارجي لحل الأزمة وهل هناك دور لقوى إقليمية في تفاقم الأوضاع بالعراق، قال رئيس المبادرة العراقية المستقلة: “إيران لها دور كبير في العراق، بل الدور الأساسي، وهي أكثر تأثيرا من الولايات المتحدة، وكذلك تركيا والسعودية والخليج كلها لها مؤثرات في تشكيل التوليفة السياسية والتوجه السياسي في العراق.

وتابع الحبوبي قائلا: “دون شك إذا أرادت إيران أن يذهب المالكي سيذهب، ولكنها تدعمه بشكل كبير وهناك تنسيق بين واشنطن وطهران لإيجاد حلول للأزمة، كما أن هناك إشارات من الولايات المتحدة بنقد مباشر لسياسات المالكي التي فرقت الشعب ودعوته إلى إعادة النظر وجمع الصف الوطني وعدم إبعاد العناصر الأخرى، لكن إيران لا تريد إسقاط المالكي بهذه الصورة وتحاول بشتى الطرق تثبيته، وهذا في تقديري موقف خطأ ويجب أن يعطى الشعب الفرصة في اختيار قادته”.

وقال الحبوبي: “للأسف الأمور في العراق ليست بيد الشعب والساسة، ولا يملكون بشكل واضح تقرير مصيرهم، وأغلب السياسيين على الساحة لهم ارتباطات خارجية، خاصة القوى الإسلامية وبالتالي يتلقون توجيهات من الخارج”.

طائفية المسؤولين عمقت الأزمة في العراق

كان الرئيس الأميركي باراك أوباما قد وجه دعوة لقادة الكونغرس إلى اجتماع عاجل في البيت الأبيض لبحث المشكلة العراقية، وعزا الحبوبي ذلك إلى أن الولايات المتحدة تشعر بأن الأمر خطير وبدأ يتصاعد بعد احتلال نينوى ولم يعد الصمت مقبولا، لأن الواقع على الأرض شيء جديد، والأكراد هيمنوا على المناطق المتنازع عليها في كركوك ومناطق من ديالي وهذا ينذر بكارثة أخرى.

وقال الحبوبي إن الولايات المتحدة الأميركية لن تترك الأمور هكذا، وبالتالي دعوة أوباما قادة الكونغرس لبحث أوضاع العراق وتداعيات الحالة فيه، وما ينطوي عليه ذلك من مساس بالمصلحة الأميركية في المنطقة يدفع واشنطن إلى اتخاذ خطوات كبيرة على الأرض.

ونقلت شبكة «سي.إن.إن.» الإخبارية الأميركية عن مسؤولين أميركيين رفيعي المستوى أن إدارة الرئيس باراك أوباما باتت تقريبا مقتنعة بأن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ليس هو الزعيم الذي يحتاجه العراق لتوحيد البلاد وإنهاء التوتر الطائفي .

وأضافت المصادر، إلى جانب دبلوماسيين عرب، بات تركيز البيت الأبيض الآن حول التوصل لعملية انتقال سياسي تفضي بالعراق إلى حكومة توافق أشمل من دون نوري المالكي، ولكنها تضم ممثلين للسنة والأكراد والشيعة. وأضاف المسؤول قائلا إنه «مهما كان التحرك الذي يتقرر فإنه ينبغي أن يتم بسرعة.


واشنطن ترتب أوراقها


ردا على سؤال هل يعتقد أن الولايات المتحدة ستلقي بثقلها لحل الأزمة قال الحبوبي: “إن العراق الآن ساحة قتال مفتوحة وواشنطن أعلنت أنها سترسل 270 جنديا لحماية السفارة وطريق المطار، لكن هذا في تقديري لا يكفي، وإذا شعرت واشنطن بتصاعد الأمور بشكل أخطر فستلقي بثقلها، في ظل وجود ضغوط عربية على واشنطن لتأخذ مواقف أكثر جدية”.

وحول تقديره لقوة “داعش” على الأرض قال الحبوبي: “هي لا تمثل قوة كبيرة، لأنها لا تزيد عن 15 في المئة وعددها لا يتجاوز 10 آلاف فرد، ولكي تحتل مدينة تعدادها مليونان ونصف المليون مثل الموصل ونينوى أمر ليس سهلا، إلا إذا كانت هناك قوى أخرى متحالفة معها، مثل البعثيين والمجاهدين وبقايا الجيش العراقي والنقشبنديين وجيش ثورة العشرين، وقوى عسكرية أخرى، وهؤلاء لهم اليد الطولى في هذه المناطق، والمجلس العسكري ينسق أمورهم وهو الذي يحكم، لأن “داعش” وحدها لا تستطيع أن تهيمن على مساحات شاسعة من العراق”.

لم يكن غريبا أن يبعث المالكي برقية شكر للسيستاني على فتوى محاربة «داعش» التي أنقذته

ردا على سؤال هل يعتقد أن هناك تعاطفا شعبيا مع “داعش” قال الحبوبي: “بصريح العبارة منذ 2003 وحتى الآن هناك الكثير من القوى الشعبية تعاني وتشعر بالتهميش والإبعاد وهضم الحقوق، وللأسف الجيش العراقي لم يكن جيشا حقيقيا وسياسة المالكي عمقت هذا الشعور، لذلك هناك حالة لاستجداء الخلاص، وهذا يذكرنا بأيام صدام حسين، عندما كنا نقول: نريد التخلص منه بأي شكل ونتمنى زواله حتى لو بقوة من الخارج.. الآن نفس الفكرة تنتشر، فالمواطنون الذين يعيشون في المحافظات المضطربة مهمشون وملاحقون أمنيا ويعانون في حياتهم من قبل الحكومة، وهم ويريدون الخلاص منها”.

وأكد الحبوبي أن “داعش” استغلت الوضع وهناك عدد كبير من ضباط الجيش العراقي السابق الذي حله الحاكم العسكري الأميركي بول بريمر تجمعوا وشكلوا تنظيمات تحالفت معها، وأخطاء المالكي هيأت الأرضية لهذه الجماعات.


مسافة السكة


حول رؤيته إلى ما يمكن أن يساهم به الدور العربي والمصري في حل الأزمة العراقية قال الحبوبي: “الرئيس عبد الفتاح السيسي قال “مسافة السكة” والقاهرة يهمها أن تكون المنطقة آمنة ولا تسقط في أيدي الجماعات الإرهابية التي تقتل وتدمر، لكن للأسف مصر تعيش مشكلة وهي في طريقها الآن إلى العودة للعب دور قوي، والسعودية قالت كلمتها ووجهت اللوم إلى حكومة المالكي وحملتها مسؤولية تردي الأوضاع في العراق وما آلت إليه الأمور، والجامعة العربية لا تملك سوى إصدار بيانات تطمينية، للأسف العرب الآن لا يملكون حل أي مشكلة في الوطن العربي”.

في ختام حواره مع “العرب” قال الحبوبي: “أتمنى أن تستيقظ ضمائر المسؤولين العراقيين ويصفون خلافاتهم ويضعون مصلحة البلاد فوق كل اعتبار، ويشرعون في تشكيل حكومة وفاق وطني، لأن الحكومة الحالية وجودها لا يطمئن ويجب الدفع بعناصر وطنية مشهود لها بالنزاهة والزهد والنظافة وعدم الطائفية لتطمين الداخل والخارج، رغم صعوبة تحقيق ذلك الآن في تقديري، لأن من بيدهم الحل والعقد لا يريدون حل الأزمة ويجعلون مصالحهم الشخصية في المقام الأول”.

12