أحمد الخطيب رئيس هيئة الترفيه السعودية في مهمة الخروج من نفق "الصحوة"

المناصب الهامة والحساسة التي تقلدها أحمد الخطيب ساهمت في تسهيل مهمته في رئاسة الهيئة العامة للترفيه، التي تجتذب أنشطتها فئة عريضة من السعوديين.
الخميس 2018/04/26
أحمد الخطيب بعد افتتاح السينما هل سيبقى المحافظون في بيوتهم؟

شهد الأسبوع الماضي حدث افتتاح أول سينما في السعودية منذ أكثر من ثلاثة عقود. وقد مثّل الحدث الأكثر جذبا لاهتمام على الصعيدين المحلي والدولي. فيلم” بلاك بانثر” أو “النمر الأسود”، الذي وقع الاختيار عليه ليكون أول فيلم تفتتح به صالات السينما السعودية ربما يعكس طموح القائمين على هذا المشروع التنويري الهائل.

ومن المتوقع بحسب خطط الحكومة السعودية أن يتم افتتاح 350 دار سينما، بإجمالي 2500 شاشة عرض، خلال الأعوام الـ12 القادمة. وهكذا انطلق قطار التحديث والانفتاح في السعودية بقيادة وليّ العهد السعودي الأمير الشاب محمد بن سلمان الذي تبنّى استراتيجية جديدة وشجاعة لإخراج بلاده من نفق ما بات يُعرف بفترة “الصحوة”، التي يرى البعض أنها اختطفت ما يزيد عن ثلاثة عقود من أعمار جيل كامل وتسبّبت في فرض نمط قاس من الحياة في بلد شديد الثراء يشكّل فئة الشباب معظم سكانه.

وفي سياق الرؤية السعودية للمستقبل، برزت في الآونة الأخيرة العديد من المؤسسات التي تعمل على إدارة وتنفيذ المشروع العصري لوليّ العهد السعودي، في تناغم تام بين ما يمكن أن يطلق عليها رافعات التحديث السعودي، وفي مقدمتها ” الهيئة العامة للترفيه” التي تمّ إنشاؤها في 7 مايو 2016 بقرار ملكي في إطار سلسلة من قرارات مشابهة تتماشى مع إعلان السعودية عن خط سير رحلتها الكبرى للسفر نحو المستقبل، وتنفيذا للاستراتيجية العامة للدولة السعودية الحديثة التي كشف عن ملامحها الأولى الأمير محمد بن سلمان عند تدشينه لرؤية السعودية 2030 في 25 أبريل 2016 متحدثا عن ضرورة دفع المؤسسات الرسمية نحو تفعيل دور الصناديق الحكومية المختلفة، لتأسيس وتطوير المراكز الترفيهية، وتشجيع المستثمرين من داخل وخارج السعودية للاستثمار في هذا القطاع الحيوي، وعقد الشراكات مع شركات الترفيه العالمية، وتخصيص الأراضي لإقامة المشروعات الثقافية والترفيهية من مكتبات ومتاحف وفنون وغيرها من مظاهر الانفتاح الثقافي الإيجابي.

قائد فريق متعدد المهام

الرؤية السعودية للمستقبل تستولد العديد من المؤسسات التي تعمل على تنفيذ المشروع العصري لولي العهد السعودي، في تناغم تام بين رافعات تحديث مختلفة. "الصورة للأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي ماكرون أمام لوحة (الحرية تقود الشعب) لدي لاكروا"
الرؤية السعودية للمستقبل تستولد العديد من المؤسسات التي تعمل على تنفيذ المشروع العصري لولي العهد السعودي، في تناغم تام بين رافعات تحديث مختلفة. "الصورة للأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي ماكرون أمام لوحة (الحرية تقود الشعب) لدي لاكروا"

ترافق الإعلان عن إنشاء أول هيئة للترفيه في السعودية مع تعيين رئيس لهذه الهيئة يتمتع، بحسب متابعين، بمزايا جعلته محلّ ثقة قيادة بلاده بهدف تحقيق إنجاز سريع وقياسي يتواكب مع طموحات الأمير الشاب محمد بن سلمان الذي يراهن في الكثير من خططه على كفاءة الفريق العامل معه وقدرتهم على تخطي الحواجز وتحدي عوامل الزمن.

وقد صدر الأمر الملكي بتعيين أحمد بن عقيل الخطيب رئيسا للهيئة العامة للترفيه الذي وبالعودة إلى سيرته، نجد أن آخر منصب عمل فيه هو تعيينه وزيرا للصحة ومن ثم مستشارا في الديوان الملكي.

الخطيب ولد في مدينة الرياض عام 1965 وحصل على درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال من جامعة الملك سعود، وعزز مسيرته المهنية من خلال دراسته لديبلومات متنوعة في التخطيط المالي وإدارة الثروات من إحدى الجامعات الكندية المرموقة، وقد مكّنه تخصّصه العلمي من التنقل بين قائمة عريضة من المناصب بدءا من التحاقه ببنك الرياض في العام 1992 وعمل في أول تحدّ مهني على تأسيس إدارة لاستثمارات العملاء في البنك ومن ثم تنقله بين إدارات مختلفة لما يزيد عن العقد من الزمن، قبل أن يتحول للعمل في بنوك ومؤسسات مالية أخرى.

شارك الخطيب كعضو في مجالس إدارة العديد من الشركات مثل مجلس إدارة مصفاة تكرير الزيوت “لوبريف” وشركة “جدوى” للاستثمار، ومجموعة الحكير ومجلس إدارة الغرفة التجارية الصناعية بالرياض وجمعية أبحاث الإعاقة.

مستشار وزير الدفاع

الخطيب ليس مجرد موظف يتولّى منصبا، بل إنه كان قد اقترب منذ وقت مبكر من الأمير محمد بن سلمان وحظي بثقته، حيث عمل تحت قيادته كمستشار لوزير الدفاع ومديرا لمشروع تطوير الدفاع قبل ان يصبح مستشارا في الديوان الملكي.

مناصبه الهامة والحساسة ساهمت ربما في تسهيل مهمته في رئاسة الهيئة العامة للترفيه، المؤسسة التي تجتذب أنشطتها اليوم فئة عريضة من السعوديين، وتحظى بمتابعة إعلامية واسعة، يغلب عليها طابع الإعجاب في معظم الأوقات، غير أنها تتعرض كذلك لانتقادات بعضها قادم من موروث ما يسمّى بتيار الصحوة والآخر كيدي تشرف عليه قطر وتيارات الإسلام السياسي في المنطقة، وهو ما يعكس حالة القلق والتوجّس لدى الجماعات الأصولية من خطوات التحديث الحثيثة التي تقدم عليها القيادة السعودية.

الهيئة العامة للترفيه مؤسسة تجتذب أنشطتها اليوم فئة عريضة من السعوديين، وتحظى بمتابعة إعلامية واسعة، يغلب عليها طابع الإعجاب في معظم الأوقات، غير أنها تتعرض كذلك لانتقادات بعضها قادم من موروث ما يسمى بتيار الصحوة والآخر كيدي تشرف عليه قطر وتيارات الإسلام السياسي في المنطقة

حملت الأخبار التي ينقلها رئيس هيئة الترفيه أحمد الخطيب الكثير من التفاؤل والأمل والتبشير بنشر مظاهر السعادة على وجوه العائلة السعودية التي قال إن 80 بالمئة من أنشطة وفعاليات الهيئة موجهة للعائلات في المقام الأول.

ويؤكد الخطيب على اهتمام الهيئة بكل ما يتعلق بالمرأة ومن ذلك تخصيص أسبوع للموضة والتطلع نحو تنظيم فعاليات أخرى تسهم في دعم دور المرأة السعودية في إطار الأسرة والعائلة والمجتمع ككل. وعن روزنامة الترفيه الخاصة بالعام 2018 يكشف الخطيب عن خطة طموحة تتضمن أكثر من 5500 فعالية في 55 مدينة سعودية، يغلب عليها المحتوى المحلي الخاص بأنشطة الشباب، وتتميز بانفتاح أكبر باتجاه استقطاب الأنشطة العالمية، في تطور نوعي وكمي عن العام 2017 الذي قال ان الهيئة قدمت فيه حوالي 2200 فعالية احتضنتها 25 مدينة وحضرها أكثر من 8.2 مليون زائر، ملمّحا إلى توسع قادم في مجال ومرافق الترفيه بعد تأسيس حوالي 500 شركة متخصصة في مجال الترفيه في أول سنة فقط من إنشاء الهيئة، وهو الأمر الذي أشار إلي انعكاسه على سوق العمل من خلال توفير أكثر من 22 ألف فرصة عمل جديدة للشباب السعودي. كما كشف عن استثمار السعودية لنحو 64 مليار دولار في قطاع الترفيه في السنوات العشر المقبلة، على أن يتمّ جمع هذه الأموال من الحكومة والقطاع الخاص.

نشر السعادة والهجوم المضاد

وفقا لتصريحات الخطيب وغيره من قيادات هيئة الترفيه، فإن طموحات الحكومة السعودية تتجاوز جوانب الترفيه الكلاسيكية إلى آفاق أكثر رحابة مثل الدفع بعجلة الاقتصاد واستقطاب السياحة الخارجية وتعزيز الأنشطة الفنية مثل المسرح والسينما.

وعن الرسالة التي تودّ السعودية توجيهها إلى العالم في ما يخص صناعة الترفيه في السعودية يقول الخطيب “إن رسالة الترفيه الحقيقية، هي نشر السعادة، وخلق فرص وظيفية للشباب السعودي، والاعتماد على القدرات الوطنية”، ويضيف “نسعى إلى أن تكون الفعاليات واجهة سياحية للشباب والشابات للاستمتاع بالترفيه في وطنهم بدلا من الخارج”.

وشهدت السعودية منذ إنشاء هيئة الترفيه وفي وقت قصير زمنيا، استضافة فعاليات وأنشطة لم يكن يتوقع السعوديون أنفسهم أن يروها يوما في بلادهم مثل الحفلات الغنائية لرموز الغناء العربي والأجنبي وحفلات موسيقى الجاز والعروض الفلكلورية الغربية والشرقية، وهي كلها أنشطة حظيت بحضور واسع وملفت من قبل كافة أطياف وشرائح المجتمع السعودي الذي تمثّل شريحة الشباب الجزء الأكبر منه.

 ترافقت حالة الانفتاح الثقافي السعودية مع موجة من الانتقادات ذات الطابع السياسي والتحريضي في معظم الأوقات، وغلبت عليها محاولات الاصطياد في الماء العكر من قبل التيارات الراديكالية التي تعتقد أنّ المكاسب والامتيازات التي حققتها خلال الثلاثة العقود الماضية توشك ان تتلاشى، مع إصرار القيادة السعودية على التعاطي مع تطلعات الشباب السعودي الراغب في أن تكون بلاده مركزا عالميا للاستقطاب الثقافي والتنوير، وأن تعود إلى طبيعتها الحقيقية قبل موجة الانغلاق الطارئة التي أتت على مجتمع أكثر انفتاحا كانت البلاد تعيش في ظله حراكا ثقافيا وفنيا رفيعا برفقة المسرح والسينما وكافة أشكال الفنون الأخرى.

طموحات الحكومة السعودية تتجاوز جوانب الترفيه الكلاسيكية إلى آفاق أكثر رحابة
طموحات الحكومة السعودية تتجاوز جوانب الترفيه الكلاسيكية إلى آفاق أكثر رحابة

وعرفت السعودية أول إنتاج سينمائي سعودي في العام 1950 وتطورت بعد ذلك صناعة السينما السعودية بشكل متسارع، قبل أن تتراجع إثر القيود التي فرضت بدءا من العام 1979. وفي أبريل العام الماضي. تصدّى الخطيب لأول موجة انتقادات، في تصريحات أدلى بها لوكالة “رويترز”.

وعقّب الخطيب على تصريح منسوب له في ذلك الحين عن التوجه لافتتاح السينما في السعودية، وقوله كذلك بأن هيئة الترفيه تسعى إلى توفير ترفيه “يشبه بنسبة 99 في المئة ما يحدث في لندن ونيويورك”، وهو الأمر الذي حاول البعض استغلاله وتفسيره بشكل خاطئ، ما دفع الخطيب للقول بأن “نهج الهيئة منذ انطلاقتها يعتمد في أساسه على دعم وتمكين القطاع الخاص لتقديم برامج ذات قيمة عالية ومتنوعة وتواكب أبرز ما توصلت له هذه الصناعة عالميا وبشكل يتوافق مع قيم وثوابت المملكة المعتمدة على تعاليم الإسلام السمحة”. مضيفا أن “موقف الهيئة واضح من أي تجاوزات أو مخالفات لنهجها وسعيها إلى تطوير صناعة الترفيه”، مشيرا إلى “أنه سبق وحدثت مخالفات فردية قليلة للغاية تم التعامل معها”.

وحول ما نقل في اللقاء على لسانه من أن “المحافظين عليهم المكوث في منازلهم إذا لم تلقَ برامج وأنشطة الترفيه المختلفة اهتمامهم” أكد الخطيب على أنّ ما تمّ ذكره في هذا السياق غير دقيق، لافتا إلى أنه “يحترم كافة أطياف المجتمع السعودي وأن الهيئة وبرامجها تسعى إلى تلبية أذواقهم، وأضاف أن الهيئة ستوفر خيارات متعددة أخرى للترفيه لكافة طبقات المجتمع”، مؤكدا أن “الهيئة تشترط على منظمي تلك الفعاليات الالتزام بالتعاليم الإسلامية”، مدللا على ذلك “أنه سبق وأن حدثت حالات أوقفت فيها الفعاليات”.

وشدد الخطيب على ان هيئة الترفيه سبق وأن رفضت أكثر من 150 فعالية قدمتها لها بعض الشركات العاملة في هذا المجال وذلك لتعارضها مع نهج الهيئة القائم على احترام تعاليم الدين الإسلامي ورغبة الجمهور، قائلا “نؤمن بأنّ الغالبية العظمى من أفراد المجتمع السعودي نهجها الاعتدال والوسطية وسنركز في برامج الهيئة عليها”، مشددا على أنّ “منهج الهيئة لن يحيد عن النهج العام للمملكة وثوابتها في تعزيز قيمة هذا التوجه الذي يسعى إلى تعزيز الاعتدال ومحاربة التطرّف”.

12