أحمد السيد عطيف: الفنون تحتاج نوعا من الحرمان والجهل

الشاعر السعودي يؤكد أن ثورة المعلومات ووسائل الاتصال الحديثة وسهولتها تسحب من الشاعر المبهور لسانه، وأن مطبخ الشاعر خالطته هموم أخرى ولم يعد صافيا.
الجمعة 2018/12/07
الشعر سيجد له طريقة أخرى ليحيا
 

في ظل المتغيرات السياسية والاجتماعية، التي انطلقت في السعودية منذ الإعلان عن رؤية 2030، يأتي المشهد الثقافي ضمن النسيج العام الذي يأمل المثقفون السعوديون أن يكون هو “الدينامو” المؤثر في الصورة المونودرامية العامة للسعودية. “العرب” توقفت في حوار مع الشاعر والكاتب السعودي أحمد السيد عطيف حول قضايا ثقافية متعلّقة بالمستجدات الراهنة على الساحة المحلية بصورة عامة.

يرى الشاعر أحمد السيد عطيف أن قدرة الشعر على تغيير الواقع القائم تخضع للظروف واهتمام البيئة المحيطة به، فقد كان الشعر هو التعبير الوحيد للشاعر أمام حبيبته وأمام الطبيعة وأمام حاجته وأمام السلطات وأمام الآخرين، حتى في الرعي والحرب والطرب لم يكن سوى الشعر الذي استطاع أن يمارس دورا تاريخيا مثله مثل دور النقوش لتدوين وقائع التاريخ.

مطبخ الشاعر

يقول عطيف “الآن دخلت فنون أخرى وقاسمت الشعر الخامة الشعورية ذاتها، مثلما قاسمته صفاته الدعائية وجماهيره، فالقبيلة تتأثر بخطيبها وواعظها أكثر من شاعرها، كما أن مطبخ الشاعر دخلته هموم أخرى، ولم يعد صافيا، كان يخلص القول في حبيبته لكن هموما سياسية واقتصادية ووطنية لا يمكنه تجنبها”.

ويضيف عطيف “الآن ثورة المعلومات ووسائل الاتصال الحديثة وسهولتها تسحب من الشاعر المبهور لسانه، وتحرمه من الوقت الذي يلزمه لينضج أشواقه وأشعاره، كل شيء حوله يتسارع، فلا يمكن له السيطرة عليه، ليس في حياته غياب يلوّعه، ولا قلق يصهره، فيمكن له أن يكلّم حبيبته وأصحابه في أي وقت صوتا وصورة، ليس في حياته أسفار تضيع معها الأخبار، وسائل الإعلام تسيل عليه بمشاهد الحروب والرقص والجوع والأغاني في لحظات، لا يمكنه أن يختار منها ولا يمكنه أن يخلص لشيء منها، يبكي ويضحك ويسخر ويشتم ويخاف معا في لحظات”.

ويرى عطيف أن ما ذكره يجعل الشاعر ينبهر ويتبلد. مؤكدا أن الفنون في النهاية تحتاج نوعا من حرمان ما، جهلا ما، وهذا ما لا تسمح به وسائل التواصل الحديثة، والشاعر لا يمكنه أن يخرج من هذا الشرَك ليأخذ نفسا وينفرد بنفسه ويصغي لأعماقه.

ويتابع “ليس مفاجئا أن ثورات الربيع العربي مؤخرا لم تسجل شعراء ولا شعرا، ولا أغنيات ثورية جديدة. فكل بلد اتكأ على شعرائه في القرن الماضي، أيام ثورات الاستقلال. لقد سجل الهاتف الجوال حضورا طاغيا، حضور الحدث ذاته صوتا وصورة. الشعر لم يعد في الصف الأول من الاهتمامات، ولا في الصف الأول من أدوات التعبئة ولا في الصف الأول من أدوات التأثير. لكنه سيستمر، وسيجد له طريقة أخرى ليحيا غير طرائقه الأولى”.

حتى في الرعي والحرب والطرب لم يكن سوى الشعر، الذي استطاع أن يمارس دورا تاريخيا، مثله مثل دور النقوش

 يذهب الشاعر إلى القول إن “حرية الرأي والتعبير، سواء أكانت واسعة أم متوسطة أم ضيقة، فالأهم منها هو وجود نظام واضح يؤسس لها، في غياب هذا النظام الواضح لا يمكن إبداء رأي معقولٍ في مستوى حرية التعبير. فالأمور تخضع لمزاج الناشر وتقديره”.

ويضيف في الشأن نفسه “اليوم مع الإصلاحات والتحولات الوطنية الأخيرة هناك حرية رأي نتمنى أن تستمر وتقنّن. وأن تتساوى سقوف التعبير عن الرأي الاجتماعي والديني والسياسي والاقتصادي والعلمي دون إغفال المصلحة الوطنية العامة. ثم إن حرية الرأي والتعبير يحكمها الوقت والمرحلة والمصلحة الوطنية، علينا أن نكون واقعيين، فحرية الرأي والتعبير دون ضوابط قد تكون ضارة بالجميع، فحرية الرأي والتعبير في بلد كأميركا لا تنفع في بلدان أخرى. نحن اليوم نعيش مرحلة تتطلب يقظة كاملة؛ لا بدّ أن نعبر إلى 2030 بسلام”.

يرى عطيف أن كل تيارات الإسلام السياسي هي خطر على الناس. وأن خطاب الصحوة استغل ظروفا سياسية إقليمية ومجتمعا متدينا فحبس خطواته حوالي 4 عقود.

العبور بسلام

التغييرات تؤثر في المبدع

يقول الشاعر موضحا “نعم لدينا صحوة مضادة تستنقذ الناس من صحوة ماضية، لكن تيارات الإسلام السياسي لن تستسلم، ولا بد أنها الآن في انحناءة للعاصفة أو في خلوات تحت الأرض حتى حين. التغييرات الرسمية الأخيرة لا بد أنها فاجأتهم -ولو مؤقتا- وطبيعي أن يفكروا ويرتبوا ويخططوا، وهذا خطر يجب مواجهته لكن الأكثر خطورة هو أن شريحة واسعة من المواطنين الصامتين هم أيضا في أنفسهم شيء من هذه التغييرات، وهؤلاء يجب سحبهم من طريق تيارات الإسلام السياسي نهائيا، يجب أن يضخ في كل قنوات الدولة أنظمة ومناهج تضمن عدم استغلالهم مرة أخرى”.

ويضيف الشاعر “يجب ألا ننسى الاستعانة بالعامل الديني، فما تم تصليبه باسم الدين لا يمكن تليينه إلا باسم الدين. ثم إن الإنسان، فطريّا، مجبول على الانتماء إلى فكرة جماعية ما، ولقد مرّ علينا حين من الدهر كانت فكرة الانتماء إلى الأمة الإسلامية راسخة فينا أكثر من الانتماء إلى الفكرة الوطنية، وما يجب أن يحدث الآن هو العكس، أقصد ترسيخ الفكرة الوطنية، عبر كل منافذ الوعي، فما لم يحدث ذلك سيظل هناك فراغ يمكن أن يكون عرضة لاستغلال داخلي أو خارجي”.

يوضح عطيف “الحداثة، في مجتمعات ذات تراكم ثقافي طبيعي، تأتي لوحدها، لا تُفرض ولا تُحارب، ولا تأتي في خط واحد من خطوط المجتمع، بل في كل الخطوط، اجتماعيا وسياسيا وثقافيا وعلميا وفنيا. والحقيقة أن الصراع الأدبي في السعودية كان بين فريق تحت راية الدين، وفريق تحت راية الثقافة، لكن الصراع نفسه كان ذا خلفية سياسية”.

ويضيف أحمد عطيف "وطيس المعركة انصب على الشكل فقط؛ اللغة والأدوات، ومن ناحية ثانية على “شكل” الأمّة وموروثاتها، ولهذا كان طبيعيا أن يُفرض إيقافه فرضا، بعد أن وصل بسرعة إلى التكفير والفتاوى. أعتقد أننا اليوم نعيش حالة حداثية أفضل وحالة ثقافية أرقى ولا أتوقع أبدا أن يعود مثل هذا الصراع. نعم كان ضروريا لفت الانتباه إلى حالة ما، لكنه في ذاته لم يكن ذا مضمون ثقافي حقيقي. وهو فعلا كان صراعا بين تيارين اجتماعيين ضمن سقف محافظ واحد، دخل أحدهما باسم الأدب والثاني باسم الدين".

الشاعر أحمد السيد عطيف متفائل بالمستقبل القريب ويتمنى التعجيل بضخ أنظمة وقوانين تضمن استمرارية العمل والاستقرار لتحقيق أهداف رؤية 2030، ويؤكد على أن التحولات الوطنية كانت ضرورية للخروج من حالة اختناق على كل الأصعدة، وهي ضرورية أيضا لوقف الترهل والتردد.

يقول “رؤية 2030 هي إمساك بزمام المبادرة تجاه الزمن والظروف. مبادرة شاملة سياسيا وثقافيا واجتماعيا وحقوقيا واقتصاديا، إغفال أيّ جانب منها يؤثر على حركة بقية الجوانب، هي عربات في قطار يجب أن تكون كاملة. التعليم والثقافة والفنون كما هي أدوات تربية هي أيضا أدوات اقتصادية واجتماعية، لرفع مستوى الوعي الوطني لتقبل التحولات والمشاركة فيها، وهي أيضا دعامات ضخمة للوحدة الوطنية والسلم الأهلي”.

ويختم محدثنا “أعتقد أن التغييرات تؤثر في المبدع، إذ لا يمكن لمبدع أن يقفز إلى نقطة ليس لها معادل في داخله أولا، فالمبدع ليس كالاقتصادي؛ يمكنه أن يتنبأ ويتوقع. لكن يمكنه أن يحلم”.

15