أحمد الشيخ: في عش الدبابير جوائز الأدب يحصدها المتملقون

الثلاثاء 2014/02/04
الشيخ: لي ثقة كبيرة في الجيل الحالي من المبدعين

القاهرة - يعدّ الروائي المصري أحمد الشيخ واحدا من روائيي جيل الستينات البارزين، قدّم خلال مسيرته التي تمتدّ على ما يقارب الأربعين عاما عشرات الأعمال الروائية والقصصية، التي تتبّعت وعالجت الكثير من التغيّرات التي جرت على المجتمع المصري وركزت بشكل قوي على ما أصاب المجتمع الريفي جراء الانفتاح الاقتصادي في السبعينات والسفر إلى الخليج العربي في السبعينات والثمانينات، مثل سباعيته الروائية “الناس في كفر عسكر”.

يتحدّث أحمد الشيخ عن البدايات الأولى التي شكلت نشأته كروائي سواء على مستوى المناخ الذي نشأ فيه أم على مستوى الكتابات التي تأثر بها، قائلا: “لعل البدايات تتداخل مع البيئة والأسرة والأحداث التي يواجهها إنسان وتؤثر فيه سلبا وإيجابا فيستعيد مرحلة ما قبل البدايات كعوامل تلفت الانتباه وتدفع الإنسان إلى معرفة زمنه ومحيطه الذي يعامل معه، وموقعه من الإعراب أيضا، وربما لأن طه حسين كان وزيرا للمعارف في مطلع الخمسينات وكنت ضمن كشف بأسماء طلبة نجحوا في امتحان القبول بمدرسة التوفيق الابتدائية بالمحلة الكبرى وليست لهم أماكن، فكانت غضبة أبي واحتجاجاته تتزايد والشكايات التي قدّمها إلى المسؤولين دون استجابة من أحد، فلجأ إلى وزير المعارف واشتكى له لأنه قال إن العلم كالماء والهواء فكيف يقبل وهو طه حسين أن المدرسة امتحنتنا واعترفت بنجاحنا واعتذرت عن قبولنا فأصدر الوزير قرارا بأن يقبل كل الناجحين فكان نصرا حازه أبي وتحدثوا عنه كثيرا، لكنه كان حافزا لي لأفهم وأقرأ قبل البدايات ما يتوفر لي من الكتب المتاحة وأكتب في كراسة الإنشاء كلاما يعجب الأستاذ رجب مدرس العربية وأنجح بتفوّق في السنوات التالية لأن وصايا الأب كانت تدعوني إلى الاجتهاد في الدراسة.

لعلني فسرت ما كان بعد ذلك بأنه تأكيد لنظرية التحدّي والاستجابة لأرنولد توينبي وأنا طالب في قسم التاريخ بجامعة عين شمس التي زارها وحدثنا عنها ليتأكد لي أن مشوار البشر يتطابق مع ما تصوّرته استجابة بدون ترتيبات سابقة، ربما يتبدّل المسار أو يتوافق المصير مع المشوار الصعب لمن حصل على دبلوم التجارة حيث دخل يؤدّي خدمة عسكرية بالقيادة العامة ويحرّر مجلة حائط فيها قصص وأشعار وأخبار، فتحوز إعجاب العساكر والضباط وبينهم محمود الجوهري مدرب المنتخب، كما قرأها من صار كاتبا كبيرا، وقد نصحني بعد خروجنا بأن أتقدّم إلى مسابقة نادي القصة، فقدّمتها وفازت بجائزة".

النشر في معظم صحف عالمنا العربي ومجلاته المتخصصة كان يشعرني بالتعويض مؤقتا عن حقوق أراها مفتقدة


مشوار صعب


أوضح أحمد الشيخ أن البدايات بحساباته تمثلت في التحدّي والاستجابة والسعي لإرضاء أبيه ليشعر بالنصر والرغبة في مزيد من المعرفة، “قرأت طه حسين والعقاد وبيرم وسارتر مع دستويفسكي وتشيكوف وشوقي وحافظ وكافكا وإدريس ونجيب محفوظ؛ وبعد التاريخ الفلسفة وعلم النفس والاجتماع وما كان يتاح من النظريات التي تحاول تفسير العالم وتاريخ البشر، المشوار ممدود وبلا حدود بحساباتي لكن الوجود يتأكد بمحاولات التواصل مع كتاب العرب وشعرائهم مضافا إلى اجتهادات جيل الستينات، والخريطة براح مفتوح لكل من يريد أن يعرف بعد أن يبدأ”.

ويضيف الشيخ قائلا: “مشوار صعب بحساباتي والمردود صفر مزعج وغبي يزوّد مواجع القلب والعمود الفقري، والتجاهل المتعنت يسري ويتأرجح بمرح من حولنا، وعندما يتمّ ترشيحي لجائزة الدولة التقديرية بترشيح اتحاد كتابنا ويتعنتون ويكتبون اسم “أحمد عبدالسلام الشيخ” بديلا عن “أحمد الشيخ”، مقرر لجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة الذي ينظم الجوائز، فيتوه الذين سمعوا اسما لم يرد بخاطرهم تماما مثل “نجيب عبدالعزيز محفوظ”، هل تعرفونه؟

المهمّ أن تذهب الجائزة لمن سألوني عن إضافته، فسألتهم عن إضافته ولم يعرف أيّهم ولا عرفت أنا شيئا أكثر من عش دبابير يهيمنون على الجوائز ويمنحونها للتابع أو المتملق أو المتوافق، ليست كل الجوائز مثل الجائزة التقديرية الأخيرة، وهي بحساباتي مجزرة طالتني بتعنت، ربما ينتهي الأجل قبل أن أعالج عجزا محسوسا عن السير؛ ولا حياة لمن تنادي”.


إطعام الأفواه


زخم المشهد الاجتماعي والسياسي في فترتي الستينات والسبعينات أثرى أعماله، حيث عالجت قضاياه بدءا من هزيمة 67 ثمّ انتصار أكتوبر وظهور جماعات وتنظيمات الإسلام السياسي والانفتاح الاقتصادي، وهنا يرى الشيخ “لم يكن هناك غير مصر المستقبل، والناس، البشر الذين كانوا حولي وبجواري حتى لو تباعدنا، الناس في ريف مصر التي هي أعرق حضارة على وجه البسيطة والتي يعرف فلاحها بالكامل ما يمكن أن يقال إنها خبرات الميراث في الجينات، الفلاح الذي كتبت عنه سباعية كفر عسكر، ولعل البداية على المستوى الدرامي في مسلسل “الناس في كفر عسكر” ثم “حكايات المدندش” وفي عدد من السهرات التي عرضها التلفزيون، والنشر في معظم صحف عالمنا العربي ومجلاته المتخصصة، كانت يشعرني بالتعويض مؤقتا عن حقوق أراها مفتقدة لحقوق الكاتب في مصرنا المعشوقة وقد يكون للمفاسد السياسية في أنظمة الحكم أثر مدمّر للوصول إلى ما وصلنا إليه، ثورة تتلوها ثورة، صراع يتواصل وينقسم ناس وكأنهم خصوم لناس، والمليارات التي نسمع أنها سربت للخارج على حساب المصانع التي باعوها في الانفتاح الاقتصادي وبطالة خريجين ومساكن إيواء لمن شردتهم الأحداث المتلاحقة وأمراض لا تفرق بين من يملك ثمن الدواء أو العلاج، ومن لا يملك فيموت كمدا أو حسرة على نفسه، وأمنيات البشر متواضعة في بلدنا، ولعل العبور كان أمنية وحلما عشناه وتخيلناه في كتابات عاصرت تلك الفترة القاتمة من تاريخ بلدنا وتاريخ المنطقة بأسرها”.

المشوار ممدود وبلا حدود بحساباتي لكن الوجود يتأكد بمحاولات التواصل مع كتاب العرب وشعرائهم

ويستطرد الشيخ “لعل الانفتاح الاقتصادي كان عقبة في المسار التاريخي المأمول لكل من عاشوا تلك المرحلة وكتبوها مثلما حاولنا أن نرصدها في بعض الأعمال التي واكبناها، وناسها في الأصل ودعاء، لكن العوز يحوّل بعضهم إلى مرتزقة يتبعون من يدفع لهم فيهتفون له أو يطبلون ويزمرون بلا قناعة أو إيمان بجدوى ما يفعلون، مجتمع يتمنى الحياة والعطاء وتربية العيال وإطعام الأفواه، ويواجه مخاطر مرتزقة وفدوا إليه من القريب أو البعيد ليقتلوا الأبرياء ويستبيحوا دماء من يتباعد عنهم ويختلف معهم فيكفرهم وهم أحفاد من وصلوا إلى فكرة الإله الواحد من أيام “الفراعين” عندما تأكدت في زمن أخناتون، ممارسات ممجوجة لا علاقة لها بالحسّ الإنساني ولا القناعة بأن الخير خير والشرّ شرّ والإله الواحد مطلع على كل ما يختبئ في القلوب والعقول، إيمان ألفناه وتربينا عليه ويجب أن نتمسك به”.


النبش في الدماغ


وحول أعماله التي تحوّلت إلى أعمال درامية تليفزيونية، يشير أحمد الشيخ إلى أن “كفر عسكر” و”حكايات المدندش” قدما جانبا من الأعمال التي كتبت في تلك السباعية المنشورة عن كفر عسكر، يقول الشيخ: “الريف له في القلب حيز لا يستهان به، فمنه جئنا إلى المدينة لنراها بعيون لم تتبدل ولم تر ما شفناه من بوادر العنف الاجتماعي في “النبش في الدماغ” التي حازت جائزة الدولة التشجيعية 1985 ولعل “كفر عسكر” المسلسل حظي بترحاب الخاص والعام، لأنه المسلسل الوحيد الذي حاز سبع جوائز ذهبية وتربع على العرش مطمئنا إلى وفاء كل من أدّى فيه دورا أو أسهم بالديكورات أو أخرج أو حتى كان يعمل وراء الكاميرا ليصوّر التفاصيل، كان مسلسلا رائعا بحسابات الدنيا كلها”.

ويتابع الشيخ قوله: “أما “حكايات المدندش” فهي حكاية مغايرة، ربما لأن من أخرجها لم يلتزم بالمكتوب نصا أدبيا أو مشاهد فيها حوارات متبادلة بين من كان يقوم بدور المدندش الذي يحكي لأطفال القرية في صندوق الدنيا حكايات عن الأصيل والوافد، عن الأكاذيب والحقائق، وبجسارة كان النص يقول عن كل ما كنا نواجهه، لكن المخرج لم يكن حريصا على هذا النص، ولكم أن تتخيلوا عدد المشاهد التي استبعدها ووضع مكانها أشباه مشاهد هشة بلا دلالات أو معان، لكم أن تتخيلوا 500 صفحة حوار من مشاهد المسلسل أي ما يزيد عن ثلثه وقد جمعتها ولملمتها في ثلاثة مجلدات لكي يراها من يراها بعد ذلك ويكتشف المخاوف التي كانت تحكم هذا المجال فيتباعد أيّ فنان عن قول الحقيقة، وخمسمئة من هذا المسلسل كفيلة بعمل مسلسل مغاير يحكي لنا عن كل ما كان من المفاسد التي رصدناها وقلناها من خلال المدندش شاعر العامية الساكت إلاّ أمام صندوق الدنيا وحكاياته المروية للأطفال عن أبطالهم في ميراثهم ومن يتشابهون معهم أو يترسمون خطى الخصوم من الغرباء، لكن النصيب غلاب ونحن كما قالوا لنا نعيش في العالم الثالث الذي هو في الأساس عالم أول بحساب التاريخ المكتوب والآثار الباقية غير المسربة لخارج حدودنا عن طريق تجار آثار واستعمار، وراجعوا المسلات التي تزيّن عواصم هذا العالم المتقدم في لندن وباريس وواشنطن و.. ثمّ تأملوا ما بقي لنا من تلك المسلات، ولو طالوا لنقلوا الأهرامات إلى بلادهم وادّعوا أنها من بنايات أجدادهم”.

الناس في ريف مصر التي هي أعرق حضارة على وجه البسيطة والتي يعرف فلاحها بالكامل ما يمكن أن يقال إنها خبرات الميراث في الجينات


البكاء على الأطلال


يتساءل أحمد الشيخ “كيف يكون حال كاتب يكتب عن ميراثه ويسلب منه كل حقوق الحياة الآمنة؟، ويقول: “لعلنا نتباكى أحيانا على الأطلال، لكننا لا ننسي ما كان من أمر أجداد لنا عاشوا ورسخوا كل الأسس وكتبوها في البرديات وحسبوا دورة الأفلاك وكيف تتعامد الشمس في كل عام على رأس تمثال منحوت داخل جبل في معبد قديم”.

تواصل أحمد الشيخ مع مخاض ثورة يناير وولادتها من خلال مجموعة قصصية “جالس القرفصاء يتودد لروحه” ورواية “عاشق تراب الأرض”، ويرى أنه “لم يكن هناك بديل عن جالس القرفصاء الذي يتودد لروحه أو رواية “عاشق تراب الأرض”، حتى مجموعة “جيوب الكفن”، الصادرة عن دار المعارف، وكلها أعمال تبدأ بالمخاض كما يقولون وميلاد الثورة، وقد تحقق ذلك جليا في رواية “عاشق تراب الأرض” الذي يموت أمام المتحف المصري راقدا يوم معركة الجمل، وكلما حاول الناس إنقاذه صرخ وهو يتحسس الأرض ويهتف: ترابك يا مصر، ترابك يا مصر، وبيديه يتحسس صدره وجبهته وكل ما تطاله يداه، وترابك يا مصر دعاء متكرر لعاشق تراب الأرض”.

وتتمثل رؤية الشيخ للمشهد الروائي والقصصي الآن أنه مبشر وقادر على التخطي، ويعلل لذلك بأن الأعمال التي تنشر لشباب لم يتعرف عليهم أحد توحي بأن العطاء الفني لا يأتي من الفراغ، وأن نظرة المجتمعات لمستقبلها لا تعرف التواطؤ ضد المستقبل أو الأمنيات المشروعة.

15