أحمد الشيشيني شاب بسيط يهزم حزب الحكومة في انتخابات البرلمان المصري

نائب يرسخ قاعدة "الشعب يستطيع طالما هو سيد قراره، ويؤمن بأن البرلماني هو صاحب الصوت الحر الذي يقول رأيه بحياد وموضوعية.
الأحد 2020/12/06
سفير الغلابة في البرلمان

عكس نجاح الشاب المصري أحمد حلمي الشيشيني، صاحب الـ32 عاما في انتخابات مجلس النواب الأخيرة واكتساحه مرشحين لهم نفوذ مالي، حجم التناقضات الحالية في مصر. فهناك مرشحون امتلكوا من المال ما يكفي للحصول على عضوية البرلمان بسهولة، لكنهم خسروا، وآخرون مارسوا المعارضة وأدمنوا السياسة وتحدثوا بلسان الشارع، لكن النجاح لم يحالفهم.

أحدث الشيشيني حالة عصية على الفهم السياسي والاجتماعي في الشارع المصري، فكيف لشاب لا يمتلك الحد الأدنى من العلاقات مع دوائر السلطة، أو المال الذي يكفيه للإنفاق على الدعاية الانتخابية، أن ينجح بسهولة ويفوز على مرشحين لهم باع طويل في العملية السياسية، بينهم من كانوا أعضاء في مجلس النواب لدورات سابقة.

حصل على قرابة 60 ألف صوت في جولة الإعادة، بعد منافسة شرسة مع 25 مرشحا بالجولة الأولى، وأسقط ممثل حزب مستقبل وطن، المعروف بأنه حزب الحكومة، وظهيرها السياسي وصاحب العدد الأكبر من أعضاء مجلس النواب الحالي.

يقول الشيشيني لـ”العرب” إنه لم يدفع جنيها واحدا في الانتخابات، منذ الإعلان عن ترشحه حتى نجاحه باكتساح وحصوله على المركز الأول في عدد الأصوات، والناخبون تكفلوا بكل شيء، في سابقة نادرة في مصر، أن يتولى هؤلاء مهمة الدعم والدعاية والترويج والإنفاق، لمجرد أنهم شعروا بصدق نوايا المرشح، وهي رسالة يجب أن يفهمها الباحثون عن العضوية فقط.

حملت قصة صعود سفير الغلابة في مجلس النواب، وهكذا أصبح يوصف وسط أبناء دائرته، الكثير من العبر والدروس، فالناس بدت في حاجة ملحة لمن يتحدث بلسانها وينقل نبضها إلى صانع القرار، وقالوا لا للمال السياسي، وقالوا لا لأصحاب العلاقات والنفوذ، واختاروا شخصا من بينهم، لم يتلوث بالشهرة أو ينخرط تحت لواء حزب.

ميزانيات انتخابية طائلة

ربما لم تشهد انتخابات برلمانية مصرية سابقة هذا الحجم من الأموال التي جرى إنفاقها من جانب المرشحين، بالتبرع للأحزاب بالملايين من الجنيهات لمجرد إدراج أسمائهم في القائمة الانتخابية كي يضمنوا النجاح، أو بتوزيع أموال وسلع غذائية على الناخبين أمام اللجان، كنوع من الرشوة وإغراء البسطاء للتصويت لأسماء بعينها.

هناك شخصيات عديدة منيت بالهزيمة وخسرت الملايين من الجنيهات، وفي مشهد متناقض، كان الشيشيني يعتمد على تبرعات أبناء الدائرة الانتخابية في مدينة كوم حمادة الواقعة بمحافظة البحيرة، شمال القاهرة، فلم تكن لديه مقدرة مادية تعينه على الترويج لنفسه، أو حتى دفع مقابل لافتات الدعاية بالشوارع.

عندما أعلن نيته الترشح، تعرض لسخرية وتنمر من جانب البعض، حتى عائلته كانت في صدارة المعارضين، لكنه اعتمد على شريحة آمنت بقدرته على تحقيق المعجزة، خاصة الشباب، ويوم تقديم أوراقه للجنة الانتخابات فوجئ بأن المبلغ المطلوب دفعه للتأمين حوالي عشرة آلاف جنيه، أي حوالي 630 دولارا، ولم يكن يمتلك سوى ثلث المبلغ، لكن الناس ساهمت في جمع الأموال، كل حسب مقدرته، وأدرج بقائمة المرشحين.

أزاح نجاحه في الانتخابات، الستار عن بعض الأسرار التي كانت بمثابة المفاجأة والصدمة للكثيرين، فهو شاب حاصل على مؤهل جامعي متوسط، وتخرج قبل عشر سنوات في معهد للخدمة الاجتماعية، وينتمي إلى أسرة بسيطة تشبه الكثير من الأسر في مصر، والده على المعاش، وكان يعمل في الأزهر، ووالدته موظفة إدارية في مدرسة حكومية. المفارقة، أن الشاب الذي صار من أصغر أعضاء البرلمان، ليست له خلفيات سياسية، فلم ينضم لحزب أو حركة لها نشاط سياسي، بل انضم منذ تخرجه إلى طابور العاطلين، والفيصل الوحيد بينه وبين أبناء جيله، أنه طموح وجريء ويأبى الاستسلام.

هوى الشيشيني منذ صغره ممارسة كرة القدم، فانضم إلى فريق الناشئين بقرية النجيلة، أكبر قرى دائرة كوم حمادة الانتخابية، لكنه تعرض للإصابة بالرباط الصليبي واعتزل اللعبة واتجه إلى التدريب، وحصل على عضوية مجلس إدارة مركز شباب قريته، وأسندت إليه مهمة الإشراف على الملعب، من هنا كانت بداية احتكاكه بالشارع.

ابن الناس

الشيشيني يشكّل حالة عصية على الفهم في الشارع المصري، فكيف لشاب لا يمتلك الحد الأدنى من العلاقات مع دوائر السلطة أو المال أن يفوز على مرشحين لهم باع طويل في السياسة.
الشيشيني يشكّل حالة عصية على الفهم في الشارع المصري، فكيف لشاب لا يمتلك الحد الأدنى من العلاقات مع دوائر السلطة أو المال أن يفوز على مرشحين لهم باع طويل في السياسة.

دفعته نشأته داخل أسرة بسيطة وشعوره بآلام ومعاناة الفئات الشبابية على وجه الخصوص، إلى أن يكرس حياته لمساعدتهم في الترفيه عن أنفسهم، فقرر مبكرا أن يدربهم دون مقابل، ويتنقل بين القرى المجاورة للقيام بذات الفعل، والتواصل مع أندية القسم الثاني والثالث في الدوري المصري لتسويق الموهوبين منهم دون مقابل.

انخرط بين الناس البسطاء كما يريدون، فتعاملوا معه على أنه شبيه لهم، وبدأ الاتجاه إلى الأعمال الخيرية بمساعدة المحتاجين من خلال التواصل مع الفئات المقتدرة ماديا، فأسرة الفتاة التي قاربت على الزواج تلجأ إليه، والأسرة التي تحاصرها الديون تفعل ذلك، والمريض الذي يعجز عن شراء الدواء يتعامل معه باعتباره المنقذ.

في المقابل، غاب السياسيون أصحاب النفوذ المالي، وممثلو الدائرة في مجلس النواب عن رفع العبء عن البسطاء والكادحين، ورأوا في الشيشيني أنه الأحق بحمل لقب مرشح الغلابة الذي قدم نفسه للشارع بديلا عن الحكومة، بتخفيف آلامهم ومعاناتهم، وصار يقدم الخدمة بعيدا عن أي مصالح شخصية، وحشدوا أنفسهم خلفه بجدارة.

كان أغلب أنصاره من الشباب الذين عرف عنهم عدم الاهتمام بالانتخابات أو المشاركة فيها، لشعورهم بصعوبة التغيير، أو للنظرة السلبية التي أخذوها عن الحياة السياسية، لكنهم أعطوا الجميع درسا في كيف يكون لهم دور في التغيير، هم بحاجة إلى صدق النوايا وتقديم وجوه جديدة لا تبحث عن مصلحة خاصة.

معضلة غالبية المرشحين والمسؤولين في مصر مع الشباب، أنهم لم يدركوا بعد كيفية تقليل الفجوة الشاسعة معهم، فتراهم يقدمون مبادرات ومساعدات ويقيمون مشروعات لتوظيفهم وتنظم فعاليات شبابية للتقرب منهم، وما زال الجمود يعتري العلاقة بين الطرفين، ومهما كانت هناك فعاليات سياسية، مثل الانتخابات، تجد العنصر الأقل في المشاركة، هم الشباب. إذا تحدثت مع أيّ منهم تراه يبرر موقفه بحالة الإحباط واليأس التي يعيشها أغلبهم، والتضييق عليهم من الوصول إلى مناصب قيادية رسمية أو مجالس نيابية، حتى مشكلاتهم البسيطة لا يتم النظر إليها باهتمام.

يصعب فصل تمرد سكان دائرة كوم حمادة ضد مرشحي النفوذ المالي، عن التاريخ السياسي لقرية النجيلة مسقط رأس الشيشيني، فمنها انطلقت أولى مسيرات الحركة الوطنية للتغيير في أواخر عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، ضد اعتقال المناوئين للسلطة، والمطالبة بوقف توريث الحكم لنجله جمال مبارك وإلغاء قانون الطوارئ والتنديد بممارسات وزارة الداخلية ضد المعارضين. حينها اعتقلت أجهزة الأمن أربعة من أبناء القرية، التي تعد الأكبر من حيث السكان والنطاق الجغرافي، واستمرت المسيرات حتى أطلقت وزارة الداخلية سراح المعتقلين، والمفارقة أن مبارك حاول إنقاذ نظامه وقت اندلاع ثورة 25 يناير 2011، بتعيين اللواء مجدي عبدالغفار ابن قرية النجيلة، وزيرا للداخلية خلفا لحبيب العادلي، لكن ذلك لم يمنع سكان القرية وضواحيها من المشاركة في الاحتجاجات.

وخلال فترة حكم الإخوان، خرجت حشود غفيرة في مظاهرات متكررة ضد الجماعة، ووقتها قررت بعض العائلات مقاطعة عناصر التنظيم المقيمين في القرية لحين توبتهم، وميزة المنطقة هناك أنها محكومة بنظام عائلي صلب، بمعنى أن كبار العائلات كلمتهم نافذة.

تظل أبرز الرسائل السياسية من نجاح الشيشيني، أن الشباب المصري عندما يقرر أن يفعل شيئا، يستطيع تحطيم الحواجز، شريطة أن تكون لديه الإرادة والعزيمة، والشارع صار أكثر قوة لأن يقود بنفسه حراك التغيير.

كسر الحواجز

أغلب أنصار الشيشيني من الشباب الذين عرف عنهم عدم الاهتمام بالانتخابات أو المشاركة فيها، لشعورهم بصعوبة التغيير، أو للنظرة السلبية التي أخذوها عن الحياة السياسية، لكنهم أعطوا الجميع درسا في كيف يكون لهم دور في التغيير، هم بحاجة إلى صدق النوايا وتقديم وجوه جديدة لا تبحث عن مصلحة خاصة

ثمة رسالة أخرى تكمن في أن الناخب المصري أصبح أكثر وعيا من أيّ وقت مضى، وبإمكانه التمييز بين المرشح الذي يخدعهم بشعارات زائفة، ومن يمثلهم وينقل نبضهم ويتحدث بلسانهم، وأن هناك شريحة على قناعة بأن المال السياسي في أي انتخابات لن يجلب سوى نائب أعرج، لتعويض ما أنفقه ودفعه للناس وقت الترشح. أزمة بعض الأحزاب، أنها عندما اختارت مرشحين للانتخابات، لم يكن بينهم شخصية من عينة الشيشيني، توحي بأن هناك بصيصا من أمل، أمام البسطاء ليعبروا عن أنفسهم، بل جاءت أغلب الاختيارات حاوية لأسماء نخبوية طفيلية، لم تقترب من طبقة المهمشين أو تخرج من رحم الشقاء وتذوق مرارة الحرمان.

تسببت طريقة إدارة العملية الانتخابية في أن الناس مارست التمرد، بالامتناع عن التصويت، أو تعمد إسقاط مرشح الحزب في بعض الدوائر، وهي رسالة تشير في مضمونها إلى أن الشارع لا يريد تكرار نموذج البرلمان المنتهية ولايته، لم يتقدم باستجواب واحد للحكومة، أو طلب إحاطة حقيقي لوزير أو مسؤول.

وقد استثمرت الحكومة نجاح الشيشيني للتأكيد على نزاهة وشفافية الانتخابات، بدليل نجاح شاب صغير على حساب مرشح حزب مستقبل وطن وأباطرة المال، وهذه حقيقة منطقية، لكنها لم تدرس الحالة وتبحث وراء الخلفيات لتقف أمام الرسالة التي يريد الشارع توصيلها، وهي أن الناس قررت التغيير باختيار شخص يمثلهم.

وعندما كان هذا الشاب يتجول بين قرى ونجوع الدائرة الانتخابية، كانت تخرج معه العشرات من السيارات الخاصة التي يمتلكها مؤيدوه، ويحتشد الآلاف من الناس وراءه في كل تحركاته، حتى لافتات الدعاية جاءت بتبرعاتهم، وعندما ينظم مؤتمرا انتخابيا يشارك الكبير والصغير والرجل والمرأة والطفل، كأن الجميع اتفقوا على فرض واقعهم.

لفت الشيشيني الأنظار إلى أن وصول الشباب إلى مطبخ السلطة لم يعد معجزة، بشرط أن يؤمنوا بقدراتهم وتكون لديهم عزيمة ويحشدوا الناس حولهم ويقنعوهم بالفكرة والهدف بعيدا عن أي مطامع أو حسابات خاصة، وتكرار تجربة نجاح البسطاء في الانتخابات ليس مستحيلا، لكن تتوقف على مدى اقتناع الشارع بالمرشح وصدق نواياه، لأن الناس تتشوق لمن يتحدث عنهم، ويشعر بهم مهما كانت هويته.

الشباب والسلطة

أصغر أعضاء البرلمان الجدد، لا خلفيات سياسية له، فهو لم ينضم إلى أي حزب أو حركة لها نشاط، بل التحق منذ تخرجه بطابور العاطلين عن العمل
أصغر أعضاء البرلمان الجدد، لا خلفيات سياسية له، فهو لم ينضم إلى أي حزب أو حركة لها نشاط، بل التحق منذ تخرجه بطابور العاطلين عن العمل

تؤكد حكاية ابن كوم حمادة أن الشاب يجب أن يقف صامدا أمام محاولات الإقصاء من المشهد، فالشيشيني تعرض لحملة شرسة من السخرية والتنمر واتهامات بالانتماء إلى الإخوان، وهناك من سرب شائعة تلقيه تمويلات أجنبية من الخارج، والبعض قال إنه يعمل سائق توك توك، وعامل نظافة، على خلاف الحقيقة، للتشكيك في قدرته على التحدث مع وزراء ومسؤولين لأنه بلا خلفية سياسية. ولم يدرك كل هؤلاء، أن الشيشيني مارس السياسة التي يريدها أغلب الناس في الشارع بالفطرة، وهي السياسة التي لها أبعاد اجتماعية مباشرة.

لدى نائب الغلابة مفهوم عن السياسة قد لا يدركه البعض ممن يمارسونها في مصر، وهي المعارضة المنضبطة والعقلانية والمتزنة، “فليس كل معارض خائنا، ولا كل مؤيد للحكومة يطبّل لها، فهذا الرأي وذاك مطلوبان لضبط الميزان، أما المعارضة أو التأييد على طول الخط لن يحققا أي نتيجة، وطالما الكل في مركب واحد، يجب أن نستمع لجميع وجهات النظر”.

مشكلة نواب المعارضة في البرلمان، وإن كانت أعدادهم قليلة، أنهم وضعوا أنفسهم في خانة ضيقة من أجل المعارضة وكفى، فلم يخرج أحدهم يوما ليثني على تصرف إيجابي للحكومة، كذلك يعاني النواب المحسوبون على الحكومة من نفس الأزمة في دعمهم المطلق لكل شيء، وخلت تركيبة البرلمان من العضو المحايد في تصرفاته.

في نظر الشيشيني، لا يزال المصريون بحاجة إلى البرلماني صاحب الصوت الحر الذي يقول رأيه بحياد وموضوعية، ويمارس دوره الرقابي والتشريعي والخدمي بتعقل، ويحقق للناس حلم الحياة الكريمة بعلاقات بعيدة عن المصالح الشخصية.

8