أحمد العسيري ناطق إعلامي عسكري ومؤرخ درس في السوربون

الأحد 2015/04/26
قائد الخطاب الإعلامي العسكري السعودي الجديد

الحادي والعشرون من أبريل الجاري إعلانُ مرحلةٍ جديدةٍ في مسيرةِ التحالف العربي الذي يدير الأزمةَ اليمنيَّةَ، فبعدَ أن آتت عاصفةُ الحزمِ أُكُلَهَا تمَّ الإعلانُ عن طيِّ صفحتِها وبدء عاصفةِ الأمل وبعدَ أن أزالَت القوَّاتُ العسكريَّةُ العربيَّةُ كل الأخطار التي تشكِّلُ تهديداً لأمن دولِ مجلس التعاون أتت عاصفةُ الأمل لمنعِ ميليشيا الحوثي من التحرِّكِ داخل البلاد وضماناً لاستمرار فرضِ الحظر الجوي في الفضاء اليمني، ولكنَّ نهايةَ عاصفةِ الحزمِ التي أعلنها العميدُ أحمد العسيري لم تكن إلا نهايةَ مشهدٍ وبدايةَ مشهدٍ جديد في مسرح عمليّات عاصفة الأمل، وهنا سنحاولُ قراءةَ المقطعِ العرضيِّ للأحداث من لحظتِها الأولى.

الحزم والعزيمة

لم تكن الساعةُ الثانيةُ فجراً من يوم الخميس الموافق للسادس والعشرين من شهر مارس لهذا العام في المملكة العربية السعودية، ساعةً عاديَّةً، ففي تلك اللحظة الفاصلةِ كان التحرُّك الفوري في إعلان انطلاقِ عاصفةِ الحزم التي بدأت تُحقِّقُ أهدافَها المرجوَّة في أيامِها الأولى، عاصفةُ الحزم التي حمَلت معاني مقولةَ مؤسس المملكة الراحل عبدالعزيز آل سعود بأنَّ “الحزم أبو العزم، أبو الظفرات، والترك أبو الفرك، أبو الحسرات”، والتي أتت استجابةً لطلبِ الرئيس اليمني عبدربُّه منصور هادي في الرابع والعشرين من ذات الشهر من قادة مجلس التعاون الخليجي التدخُّل الفوري في بلاده فكانت المرحلة البدء بقصفٍ جويٍّ مكثَّفٍ لمسلَّحي الحوثي والقوَّاتُ العسكريَّةُ التابعةُ للمخلوع علي عبدالله صالح، تلك الضربات المركَّزةُ التي استطاعت فرضَ سيطرةِ التحالُف العربي على الأجواء اليمنيَّةِ وتدمير الدفاعات الجويَّةِ فيه وردعَ المنقلِبينَ على شرعيةِ هادي فضلاً عن إيقاف التغلغل الإيراني المفضوح والمكشوف علناً في الملف اليمني من خلال دعم عبدالملك الحوثي للانقلاب والسيطرة على العاصمة صنعاء، تطوُّرُ الملف العسكريِّ رافقَهُ إصرارٌ عسكري من قوات التحالف العربي على إعادة فرض المبادَرَةِ الخليجيَّة وترتيب البيت اليمني من جديد بما يضمن الاستقرار لجار الخليج العربي، وهذا ما كفلَهُ قرار العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز بحمايةِ حدود بلاده وذلكَ ما ترجَمَهُ على أرض الواقع وزير الدفاع السعودي الأمير محمد بن سلمان عبر خطَّةٍ عسكريَّةٍ محكمَة.

العسيري غير المعروف شعبيا قبل عاصفة الحزم كان حاضرا بقوة في الملف اليمني منذ عام 2009 حيث تولى مهمة إطلاعِ الصحفيين على مستجدات الحالة العسكرية خلال وجوده في السرب السادس من القوات الجوية الملكية التي يطلق على منتسبيها نمور القوات الجوية

مشهد بانورامي

الطلعاتُ الجويَّةُ العسكريةُ رافَقَها أداءُ سياسيٌّ عالي المستوى للدبلوماسيَّةِ السعودية التي قادت الجهود لتأسيس التحالف العربي لردع الحوثيين وإعادة الشرعيَّة الدستوريَّة لليمن، وكما كلُّ الحروب الحديثة أدركَ قادةُ التحالُف أهميَّة الإعلام كسلاحٍ فعَّال في المعركة فرأينا- كمراقبين- عملاً حثيثاً لا يقلُّ أهميَّةً عن العمل العسكري في الترويج الشعبي لضرورة استمرار عاصفة الحزم، الاستراتيجيَّةُ الإعلاميَّةُ السعوديَّةُ تقدَّمت إلى العالم أجمَع من خلال ظهور العميد أحمد العسيري الذي برز اسمهُ بشكلٍ واسعٍ مع انطلاق الغارات الأولى ليحتلَّ الشاشات راسماً المشهدَ من جديد في خطٍّ موازٍ للمسار العسكري لا يقلُّ عنهُ أهميَّة، ومع بروز اسم العسيري كمتحدِّثٍ يوميٍّ في الإيجاز الصحفي من غرفة قيادة العمليات العسكرية لقوَّات التحالُف، برزَ الحديثُ عن جيلٍ سعوديٍّ جديد أهمُّ ميزاتِهِ الديناميكيَّة والقدرة الفائقةِ على مجاراةِ التطوُّرات السريعة فضلاً عن اصرارٍ واضحٍ في تحمُّل المسؤوليات الكبيرة والمصيريَّة في آنٍ معاً، ففشلُ العسيري فيما لو وقعَ في ظهورِهِ الأوَّل كان يعني فشلاً ذريعاً للحملةِ العالمية التي قادتها السعودية عالمياً وعربيَّاً ممَّا كان من شأنِهِ ربَّما الإطاحةُ بكلِّ المنجزِ العسكري، ولكن هذا الطرح غير واقعي فالعميد أحمد العسيري استطاع ومنذ لحظةِ ظهورِهِ الأوَّل أن يكون محطَّ أنظار الجميع، وعندما نقول الجميع فإنَّنا نعني أعداءَ المملكةِ قبلَ حلفائِها ولا بدَّ أن نتذكّر خطاب أمين عام حزب الله حسن نصرالله الأخير الذي تطرَّقَ فيه للحديث عن العميد العسيري محاولاً إخراجَ المثالب من إيجازِهِ العسكري فظهرَ ارتباكُ الأمين العام لحزب الله دون خفاءٍ لمن يستطيعُ قراءة لغةِ الجسد.

نحنُ أمام شابٍّ استطاع بجهودِهِ الجبَّارة وبإصرار المملكة العربية السعودية على إظهار هذا الجيل أن يأخذَ مكانَهُ الذي يستحقه في قيادةِ الخطاب الإعلامي العسكري السعودي بعد أن مرَّ بمراحلَ عديدةً كانت كفيلةً بصقلِ تجربَتِهِ الطويلة ليكون كما هو اليوم، فالعميد أحمد بن حسن محمد العسيري وُلِدَ في السعودية في محافظة محايل عسير تلك التي تبعدُ عن ساحل البحر الأحمر ما يقارِب السبعين كيلومترا إلى الشمال الغربي من مدينةِ أبها السياحيَّة، تلك الجغرافية المتنوِّعة في مسقطِ رأسِهِ التي تطلُّ على سلسلةِ جبال عسير وتقتربُ من ساحل البحر وتمتدُّ عمقاً في صحراء العرب الذهبيَّة أعطت لشخصيَّتِهِ تلك المرونة والقدرة على التعامُلِ مع أقسى الظروف وأكثرُها سهولةً، فجغرافية الفكر عند العسيري واضحةُ التنوِّع من خلال قدراتِهِ اللغويَّة المتعدِّدة فهو يتحدَّثُ الإنكليزية والفرنسية بطلاقةٍ شديدة إلى جانب لغتِهِ العربية السليمة، بينما منحَهُ الموروثُ الشعبيُّ لتلك الجغرافية قدرةً على المناورة مع البقاء متوشِّحاً سلاحَهُ ضمن الصف المرصوص الواحد.

عاصفة الحزم أريد لها أن تحمل معاني مبدأ مؤسس السعودية الراحل الملك عبدالعزيز آل سعود الذي قال إن "الحزم أبو العزم، أبو الظفرات، والترك أبو الفرك، أبو الحسرات"، فجاءت الحملة استجابة لطلب الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي

الضابط المثقف

من تلكَ الخلفيَّةِ الثقافيَّةِ والاجتماعية انطلَقَ الجندي أحمد العسيري في ميدانِ الحياة، فكانت المعركةُ العسكريَّةُ الأولى التي خاضَها العسكري منذُ خمسةٍ وعشرين عاماً وتحديداً خلال حرب تحرير الكويت حيث كان مترجماً في قيادة القوَّات المشتركة للتحالف العالمي، ذلك التحالفُ الذي شاركت فيهِ ثلاث وأربعون دولةً كان العسيري فيه ضابطاً برتبةٍ صغيرةٍ يعكُفُ على ترجمةٍ مُتقَنَةٍ بين العربية والفرنسية، تلك الحربُ كانت الأولى ولكنَّ البدايةَ العسكرية كانت حينَ تخرَّجَ الطالبُ أحمد العسيري متفوِّقاً على كلِّ أقرانِهِ في كليَّةِ سان سير الفرنسية عام 1989 وهي إحدى أشهر وأهم كليَّات العلوم العسكرية في العالم، ليتبعها بدرجةِ الماجستير في العلوم العسكرية من كليَّةِ القيادةِ والأركان للقوَّاتِ المسلَّحة السعوديَّة ودرجةً في الماجستير أيضاً في دراسات الدفاع الوطني وأخرى في العلوم الإستراتيجية من فرنسا، وقبلَ كل هذا حصلَ على درجةِ البكالوريوس في التاريخ من جامعةِ السوربون العريقة وأنهى دراسةً جامعيَّةً أيضاً في العلاقات الدولية، فضلاً عن العشراتِ من الدورات العسكرية التي أتمَّها بتفوِّق ملحوظ، تلك المسيرةُ الأكاديميَّةُ، نراها اليوم مترجَمَةً في الدِّقَّةِ بالطرح والوضوح في الفكرة، فالمعرفةُ عند العسيري عمليَّةٌ تراكمية تعتمد البساطة والعمق في الطرح والقدرة على إدارةِ المواقف كما رأيناهُ في إيجازهِ الصحفي الذي وصلَ إلى مِنبَرِهِ بعد رحلةٍ طويلةٍ في العمل الميداني على أرضِ السعودية بمراكزَ قياديةٍ بوزارة الدفاعِ السعوديَّة أهمَّها دورُهُ في إنشاء كليَّةِ الحرب قبلَ أن يضطلِعَ بإدارةِ الاستشارات العسكريَّة بمكتب وزير الدفاع السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي تداولَ المغرِّدون السعوديون صورةً للعسيري برفقته في قلبِ مروحيَّةٍ عسكريَّةٍ خلال جولةٍ استطلاعيَّةٍ قبيلَ انطلاق عاصفةِ الحزم، حيثُ تابعَ العسيري منذ سنواتٍ الملفَّ اليمني ضمنَ وزارةِ الدفاع السعودية لذلك ربَّما لم يكن مفاجئاً الدفعُ بالعميد النشط تحت الأضواء خلال الأزمة الأخيرة التي أدارت ملفَّها الدبلوماسيَّةُ السعودية على ذات النسقِ مع الآليَّةِ العسكرية لتحقِّق النجاحات العديدة التي تتداولُها وسائلُ الإعلام عبر بياناتٍ يُطلِقُها العميد العسيري.

حضور العميد عسيري يبرز الحديث عن جيل سعودي جديد أهم ميزاته الديناميكية والقدرة الفائقة على مجاراة التطورات السريعة فضلا عن إصرار واضح في تحمل المسؤوليات الكبيرة والمصيرية في آن معا

الحرب الإعلامية

العميد أحمد العسيري استعادَ بهِ السعوديّون ومعهُم من تابعوا عاصفة الصحراء عام 1991 صورةَ العميد السعودي أحمد الربيعان الذي أدارَ البيانات العسكرية التي صدرَت عن مسرح العمليّات في التحالف الدولي، العسيري غير المعروف شعبيَّاً قبل عاصفة الحزم كانَ حاضراً بقوَّةٍ في الملف اليمني منذ عام 2009 حيثُ تولَّى مهمَّةَ إطلاعِ الصحفيين على مستجدّات الحالة العسكرية خلال وجودِهِ في السرب السادس من القوَّات الجويَّة الملكيَّة التي يُطلَقُ على منتسبيها نمورُ القوَّات الجويَّة، هذا الاطّلاع التام على تطوُّرات الملف اليمني وتفاصيلِهِ جعلَت العسيري عليماً هادئاً رصيناً في لغتِهِ ومُفرَداتِه قادراً على الردِّ بلغاتٍ عدَّة على كلِّ التفاصيل العسكريَّةِ والسياسيَّة الخاصَّة بذاك المسار وليسَ غريباً أن نقرأ عن أنواطٍ عسكريّةٍ عدَّةٍ محليَّةً وعربيَّةً وعالميَّةً حازَها، ربّما يختلِفُ العسيري عن سابِقيهِ من المتحدِّثين العسكريين بحيازتِهِ صورةَ القائد العسكريِّ المتسلِّح بالعلم والمعرفةِ والانفتاح على الجميع والقدرةِ على الاستماع لكل الأسئلةِ والردِّ عليها بتعاملٍ دقيقٍ مع سيرِ الحرب التي قادَها التحالُف العربي ليكونَ العسيري صانعَ الخطوط الرئيسةَ في عناوين الأخبار العربية والعالمية.

فلسفةُ الحرب الإعلاميَّة لا تقلُّ أهميَّةً عن الحرب العسكريَّةِ التي تدورُ رحاها بين فريقين يسعى كلٌّ منهما للانتصار على الآخر، تلك الحربُ تنتهي باتِّفاقٍ أو استسلام جهةٍ للأخرى بينما الحربُ الإعلامية العسكرية تعتمدُ في أسلحتِها على الصدقِ والدِّقَّةِ والوضوح والقدرةِ على الوصول إلى لبِّ المتابع لكل التفاصيل وذلك الجمهور الذي يكتفي بقراءةِ العناوين الرئيسة، فإن كان التحالفُ العربي انتصر في الحرب العسكريّةِ على الحوثي ونظام المخلوع علي عبدالله صالح فإنَّ العميد أحمد العسيري استطاع النفاذ إلى كل البيوت العربية ليكون نجماً في المجالس التي اعترَفَت بقدرتِهِ الفذّة على القيام بالمهمَّة المُوكَلَةِ إليه.

7