أحمد العلواني سلاما فأنت حي في النفوس ولو شنقوك

الخميس 2014/11/27

لو كان القانون يسود العراق اليوم، فإن رئيس الحكومة السابق نوري المالكي مكانه في قفص الاتهام أمام محكمة رصينة تحاكمه على الكم الهائل من الانتهاكات والجرائم التي اقترفها، عمدا مع سبق الإصرار، ضد فئات واسعة من العراقيين يأتي في مقدمتهم السنة العرب الذين استخدم ضدهم جميع وسائل البطش الطائفي من تنكيل وتقتيل ومجازر جماعية تشكل وصمة عار في سجل حزب الدعوة الغارق في مستنقع الخيانة للوطن والعمالة للعدو الإيراني منذ ظهوره على سطح الأحداث قبل ثلاثة وأربعين عاما.

ورغم أن المالكي قد تعرض إلى سقوط مدوّ وراحت عليه الولاية الثالثة وخرج عليه رفاقه في الحزب ودفعوه إلى الخلف، ثم عطفوا عليه وعينـوه نائبا لرئيس الجمهورية عسى أن يتعظ، إلا أنه ما زال يتشبث بالسلطة ويستغل أتباعه الذين أسند إليهم في مراحل سابقة مواقع رفيعة ووظائف عالية بلا استحقاق، ويأمرهم بتنفيذ رغباته المجنونة وآخرها قرار إعدام النائب السابق أحمد العلواني، وهو قرار يتسم بظلم وإجحاف لا نظير لهما في تاريخ المحاكم العراقية، خصوصا وأن وقائع القضية تثبت أن قوات “سوات” الحكومية سيئة الصيت والسمعة داهمت منزل العلواني في الرمادي بلا أمر قضائي، وانتهكت حصانته النيابية وأطلقت النار على شقيقه الشيخ علي وقتلته في الحال، وأصابت ثلاثة من أفراد عائلته من بينهم سيدة توفيت لاحقا، واعتقلته وكبلته ونقلته إلى بغداد حيث أودع، وما زال، في سجن خاص في المنطقة الخضراء، وهذه الإجراءات من الناحية القانونية تندرج ضمن سياقات القمع والاضطهاد وتشكل انتهاكا سافرا لحقوق الإنسان.

ولعلها من المفارقات الغريبة أن يصدر قرار المحكمة الجنائية بإعدام العلواني متزامناً مع استقبال الرئيس فؤاد معصوم لوفد من عشائر الدليم في محافظة الأنبار بناء على رغبته للبحث في إجراء مصالحة وطنية كما أشار بيان رسمي، ويتردد بهذا الصدد أن موظفي الرئاسة فوجئوا عند سماعهم بقرار المحكمة من وسائل الإعلام وحرصوا على التكتم عليه لئلا يتسرب إلى الرئيس وهو يجتمع مع ضيوفه ومن بينهم شيخ عشيرة البو علوان الذي سمع كلاما طيبا من رئيس الجمهورية عندما تناول الحديث قضية النائب العلواني المعتقل.

وكان رئيس الحكومة حيدر العبادي قد لمّح في جلسة جمعته مع نواب محافظة الأنبار في الشهر الماضي بأنه سيسعى إلى إغلاق قضية العلواني والإفراج عنه، ومما قاله أنه يعرف أحمد جيدا وقد زامله في اللجنة الاقتصادية النيابية لمدة أربع سنوات (2006 - 2010)، فهو عصبي المزاج ولكنه صاحب قلب أبيض، مضيفا أنه مقتنع ببراءته من التهم المسندة إليه، ومشددا في الوقت نفسه على عزمه الإفراج عنه في أقرب وقت.

ومن تابع لقاء العبادي مع رئيس مجلس القضاء الأعلى وأعضائه قبل أسبوعين، لابد أنه لاحظ أنه شدد في حديثه معهم على ضرورة اعتماد المعايير القانونية في المحاكم والتزام أصول المرافعات القضائية واعتبار المتهم بريئا حتى تثبت إدانته، وجميعها تلميحات واضحة تنتقد بشكل مباشر الإجراءات المعمول بها في المحاكم العراقية التي تحولت في عهد المالكي إلى ساحات جلد وانتقام وتعذيب وإعدام، كما أشارت إلى ذلك بيانات صادرة من هيئات قانونية وإنسانية أبرزها منظمة العفو الدولية.

وفي محاكمة العلواني ظهرت عدة مؤشرات دللت على أن النية مبيتة لإعدامه من بينها، منع محاميه الأول بديع عارف من مناقشة شهود الإثبات وجميعهم من ضباط قوات “سوات” التي داهمت منزل العلواني وقتلت شقيقه واعتقلته، وتبع ذلك رفض المحكمة استدعاء شهود عيان كانوا في مكان الحادث وقت وقوعه بحجة أنهم من أقارب العلواني، والأغرب من ذلك أن شخصيين شهدا ضد العلواني عرّفتهما المحكمة بأنهما من ذوي جنود أصيبوا بالحادث ولما تساءل المحامي لماذا لم يحضر المصابون ليشهدوا بأنفسهم في المحكمة؟ رد رئيس المحكمة القاضي بليغ حمدي بجواب أخرق نصه: إنهم في جبهة القتال ضد الإرهابيين ولا وقت لديهم للحضور وتقديم إفاداتهم!

وما جرى بعد الجلسة الأولى للمحاكمة معروف ومعلن، فقد تم اختطاف المحامي بديع عارف من أمام مقر بعثة الأمم المتحدة بالقرب من ساحة الشواف، ونقل إلى آمرية لواء بغداد المسؤول عن حماية المنطقة الخضراء، وأخضع إلى تحقيق قاس وتعذيب نفسي كانت نتيجتهما أنه اضطر إلى الانسحاب من القضية خصوصا بعد أن خذله موظفو البعثة الدولية الذين اتصلوا به للقائه ولم يتدخلوا عند خطفه أمام أنظارهم.

أما في جلسات محاكمة العلواني الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة على امتداد خمسة شهور متلاحقة، فكانت تتضمن كل جلسة المناداة عليه وإدخاله إلى قفص الاتهام وسؤاله عن اسمه ومهنته وعنوانه فقط، ويعلن رئيس المحكمة تأجيل الجلسة إلى موعد آخر بعد شهر، في مسرحية يقصد بها إلحاق الأذى النفسي بالمتهم والإضرار به.

وصحيح أن قرار إعدام العلواني قابل للتمييز ولكن الصحيح أيضا من يضمن أن تكون محكمة التمييز منصفة وتعيد الحق إلى نصابه؟ خاصة وأنها برئاسة مدحت محمود النعل بند الذي يتولى أيضا رئاستي مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية في سابقة يندر وجودها في أي دولة أخرى لا سابقا ولا حاليا، والنعل بند الذي بلغ من العمر 86 عاما هو أحد أزلام المالكي الذي ظل يمدد له منذ عام 2006.

سلاما.. يا أحمد العلواني، فقد أديت واجبك ببسالة وواجهت المالكي وجلاوزته بشجاعة، وحتى لو شنقوك فأنت الحي وأعداؤك ميتون.


كاتب سياسي عراقي

8