أحمد الغصين: مفاجأة كبرى ما وقع لي في فينيسيا

المخرج اللبناني يهتف: لم أصدق أنني سأحصل على جائزة فكيف بثلاث جوائز؟
الأحد 2019/09/22
مشهد من الفيلم حيث اجتمعت شخصيات من خلفيات متباينة في قبو بيت في ظل الحرب

في سابقة أولى في تاريخ السينما العربيّة، وفي تاريخ مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، فاز فيلم المخرج اللبناني أحمد الغُصَيْن بثلاث من جوائز مسابقة «جائزة أسبوع النقّاد» عن فيلمه الروائي الأول «جدار الصوت»، الذي عُرض ضمن هذه المسابقة الهامّة التي تُقام ضمن إطار مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي منذ أربعةٍ وثلاثين عاما، فبالإضافة إلى الفوز بالجائزة الكبرى، فقد حمل الغُصين معه إلى بيروت جائزتي الجمهور، الذي صوّت لفيلمه بحشدٍ كبير من التفضيلات، وجائزة «أفضل إسهام تقنيّ»، إذْ استطاعت الفنّانة اللبنانية المبدعة رنا عيد، كما جاء في تبرير الجائزة، «تحويل الصوت في الفيلم إلى بطلٍ أساسيٍّ سادسٍ إلى جانب أبطال الفيلم الخمسة»، الذين حُوصروا داخل منزلٍ في الجنوب اللبناني المهدّم بفعل عمليات القصف والمواجهة خلال حرب 2006 الإسرائيليّة ضد لبنان.

فينيسيا – في بداية حديثنا معه يشيد المخرج بالجهد الذي بذلته عيد في إطار الصوت ويقول “ثمة في الفيلم مستويان، أو بالأحرى فيلمان، أحدهما ما يراه المتفرّج مُجسّدا من قبل الممثلين الخمسة، والآخر عبر الصوت القادم من الخارج، ومن الطابق العلوي بالذات، وقد قالت لي رنا إنّ هذا الفيلم هو «حلم أي تقني صوت في السينما»، وعبر عملها معي في الفيلم أكّدت لي رنا، مرّة أُخرى، مقدار شغفها بعملها وحبّها له، لذا لم يكن للفيلم إلّا ليخرج من تحت أناملها متكاملا”.

 ويكشف أحمد الغصين عن مقدار القلق الذي كان يعيشه خلال المراحل الأولى وشكوكه في ما يتعلق بقدرة أصوات الجنود الإسرائيليين القادمة من الطابق العلوي على الإسهام في شحن الأحداث وتوتير الشخصيات إلى الدرجة المناسبة مع ما كان يرمي إليه، ويتابع “أعتقد إنّ الجائزة التي مُنحت إلى هذه الجزئية الأساسية في الفيلم، أكّدت على مقدار تمكّن رنا عيد من تحقيق ما أردناه”.

جهة الجنوب

تدور أحداث الفيلم في ضيعة بالجنوب اللبناني اضطُرّ ساكنوها، إلى هجرها، ولم يبقَ منهم إلّا عدد ضئيل من السكان وحيواناتهم الداجنة، ومن بين هؤلاء كَهْلان رفضا المغادرة واعتصما بالطابق الأرضي من منزل أحدهما؛ في غضون ذلك يُقرّر الشاب مروان، المستعدّ للهجرة إلى كندا برفقة زوجته، أن يستغلّ فُسحة صغيرة من وقف إطلاق النار ليتوجّه إلى الجنوب كي يُعيد إلى بيروت والده العجوز المحاصر في الضيعة.

 يرفض مروان إلحاح زوجته الشابّة والآخرين من أفراد عائلته في النكوص عن الفكرة ويتّجه بسيّارته إلى الجنوب، ليجد نفسه، بعد حينٍ، مُحاصرا هو الآخر في ذلك الطابق السُفلي من المنزل، وينضم إلى هؤلاء المحاصرين الثلاثة رجلٌ كهلٌ آخر برفقة زوجته الشابّة، وقد عجزا عن العبور بسبب انهيار وقف إطلاق النار وعودة الاشتباكات، التي تدفع ثُلّة من الجنود الإسرائيليين إلى الاحتماء بالطابق العلوي من المنزل لدرء هجمات المقاتلين اللبنانيّين، دون أن يعلم أفرادها بوجود المحاصرين الخمسة في الطابق الأرضي.

 الأشخاص الخمسة الذين اختار أحمد الغصين وضعهم داخل ذلك المنزل يمثّلون خلفيات ومشارب وثقافات وانتماءات اجتماعية وسياسيّة متعدّدة، وهناك أيضا ثمة الخيبات والإخفاقات، وكذلك توجد المرأة أيضا، وكلٌّ من هذه الشخصيات يمكن أن يكون أنموذجا عن حالةٍ من حالات لبنان أو أي بلد آخر يجتاز أزمات وصراعاتٍ وحروبٍ مثل لبنان. الكلّ حاضرون، لكن الحضور الأقوى في ذلك المكان، رُغم غيابه الجسدي، هو والد مروان، الأب الذي جاء الشاب ليُقنعه بالعودة معه إلى بيروت،

إقصاء الأب

تدور أحداث الفيلم في ضيعة بالجنوب اللبناني اضطُرّ ساكنوها، إلى هجرها، ولم يبقَ منهم إلّا عدد ضئيل من السكان وحيواناتهم الداجنة
تدور أحداث الفيلم في ضيعة بالجنوب اللبناني اضطُرّ ساكنوها، إلى هجرها، ولم يبقَ منهم إلّا عدد ضئيل من السكان وحيواناتهم الداجنة

وحول ما سعى المخرج إلى قوله من خلال هذا العمل.. عبر عن أمله في أن يصل ما يتطلع إليه إلى المشاهد، وفي هذا السياق يقول “صار محظورا علينا أن نحيا حياة طبيعيّة، والتي تعني، بشكلٍ من الأشكال التواجه، في مرحلةٍ عمريّة ما، مع فكرة «إقصاء الأب»، أو ما يُسمّيه علم الاجتماع بـ«قتل الأب»، بالمعنى الفلسفي بالطبع، وليس بالفعل، فكلّ إنسانٍ يجد نفسه في لحظة ما من حياته عند مفترق طريقين، فإمّا أن يظلّ مُنصاعا لسلطة وسطوة الأب، أو يتحرّر من تلك السطوة ويجد طريقه، الذي سيعني أيضا العثور على حريّته، بكلّ ما يعنيه هذا المفهوم من معانٍ.

لكن يبدو أنّ حتى هذا الحق صار ممنوعا علينا، في لبنان، ففي كل مرحلةٍ يمكن أن تتحقّق فيها تلك الحريّة، يحدث أمرٌ ما يُرجئ الخطوة الأخيرة والأساسية ويُحيلها إلى زمنٍ لاحق، أو إلى اللازمن، أوضّح ما أقول، وأنا هنا أتحدث الآن عن وضعنا في لبنان تحديدا: في كلّ مرّة يُحظر عليك أن تمارس حياتك الطبيعيّة، إذْ أنّ هناك دائما ما يأتي ليقطع التواصل، كحربٍ كبيرة، أو حدث ضخم، على سبيل المثال”.

 أحمد الغصين، الذي أنجز فيلما كاملا عن الذين يرفضون مبارحة أرضهم ومنازلهم المقصوفة والمدمّرة، يتساءل عن السبب الذي يدفع هؤلاء الناس، ووالده الحقيقي أيضا، إلى عدم هجر منازلهم. يقول “هذا سؤال أردّده على نفسي، ويردّده الكثيرون، بالضبط كما رفض رجال

غسّان كنفاني المحبوسون داخل خزّان الشاحنة تحت الشمس الحارقة في الحدود ما بين العراق والكويت، ويموتون داخله، فيما كان يكفي أن يطرقوا على جدران الخزّان ليُنقذوا؟”.

 ويضيف “القضيّة في حالة الجنوبيين أبعد من المنزل نفسه أو عن جدرانه، وهو الإحساس بالخسران، فنحن خاسرون إن نجونا بجلدنا، وخاسرون إذا ما مكثنا في منازلنا، وما بين الخُسْرانَيْن، يفضّل الكثير من الجنوبيّين البقاء في الجنوب وعدم الرحيل عنه؛ وفي حالة الأشخاص المحاصرين داخل المنزل، يُصبح اللاقرار هو القرار الأكثر انسجاما مع ما يفكّرون فيه، بمن فيهم مروان الذي جاء ليحمل والده معه، وهو لن يتحرّك من المكان دون أن يكون ذلك الأب الغائب/ الحاضر برفقته، ويُصبح ذلك الحصار في مكان ضيّق ومُغلق فرصة ذهبيّة لمروان كي يتعرّف على والده، وأن يكتشف خفايا عن حياته لم يكن ليعلم بها أبدا لو أنّه بقي في بيروت أو غادر إلى كندا برفقة زوجته”.

الدهشة الجميلة

إذا لم تكن دهشة المصوّتين لشريط أحمد الغُصين كبيرة للنجاح الكبير الذي حقّقه الفيلم، لدى النقّاد والجمهور والمختصين، فقد كانت دهشة المخرج توازي مقدار حيرته بكيفية حمل الجوائز الثلاث معا أمام كاميرات المصوّرين، يقول “لا أزال غير مُصدّقٍ لما يحدُث، بمُجرّد انفضاض الحفل والمحتفين به. قلت: يا زَلَمَة! ثلاث جوائز؟! أنا كنت سأرضى حتى بمجرّد التواجد في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي بعملي الروائي الأول، فهو، إلى جانب مهرجان كان، المحطّة التي يطمح إلى بلوغها أيّ سينمائي. أنا فرِحٌ فرِحٌ فرِح! وسعيد لكلّ من عمل معي في إنجاز هذا العمل غير اليسير، على الإطلاق!”.

 ويُضيف الغُصين، مُلمّحا إلى ضرورة تواجد الفيلم في محافل سينمائيّة هامّة كهذه المهرجانات والجوائز التي ينالها، على مستقبل الفيلم ذاته وعلى إمكانيات وصوله إلى الجمهور الواسع ويقول “غريبٌ جدّا، كيف تتغيّر نظرة النقد والجمهور إزاء الفيلم لمجرّد هذه المشاركة أو الحصول على جائزة أو حتى على إشادة، وكأنّ ذلك الحضور وتلك الجوائز تمنح الفيلم وصاحبه «الشرعية» و«بطاقة العبور»، لذا ترى الجميع، ترانا، جالسين بانتظار إعلان المشاركة ومن ثمّ انتظار إعلان الجوائز”.

دهشة المخرج توازي مقدار حيرته بكيفية حمل الجوائز الثلاث معا أمام كاميرات المصوّرين
دهشة المخرج توازي مقدار حيرته بكيفية حمل الجوائز الثلاث معا أمام كاميرات المصوّرين

ويتابع “حقيقة لا أعلم ما الذي ستكون عليه حياة هذا الفيلم لو لمْ يحضر المهرجان، ولو لم ينَلْ هذه الجوائز! لذا أرى أن التواجد في مهرجانٍ مثل فينيسيا ليس ترفا احتفاليّا، بل ضرورة من ضرورات استمرار حياة الفيلم في عالمٍ إنتاجي وتوزيعي حافل بالعناوين وبالإنتاجات العالمية الغنيّة وكبيرة الميزانيّات”.

ويعتبر أحمد الغُصين مشاركته في مسابقة “أسبوع النقّاد” بمثابة «امتحان التخصّص»، ويقول “كان مهمّا لي أن يتواجد عملي الروائي الأول في هذا المعترك، لأنّ قبول النقّاد بالعمل يعني بالنسبة إلي أنّني أجدْتُ الإنجاز على صُعُدٍ فيلميّة كثيرة”.

الفيلم الأول

 يُقال دائما إن الفيلم الأول، رُغم صعوبات ميلاده، هو أقلّ عُسرا من العمل الثاني، لكنّ أحمد الغُصين اختار البدء بعملٍ عسير منذ الخطوة الأولى، ويقول “نصحني كثيرون بإرجاء هذا العمل، وعدم البدء فيه لصعوبته وعُسر إنجازه إخراجيّا، ولهذا السبب تأخرتُ كثيرا في كتابته، إذْ لم يكن من هم حولي مقتنعين بإمكان تحقّقه، وبرغم الجهد الجبّار الذي يبذله جورج شقير وشركة آبّوط لإنجاز أعمالٍ لبنانية هامّة، وبرغم اقتناعه التام بالعمل، فقد ناقشني وساجلني طويلا قبل البدء بالإنجاز، بالذات لأن الشخصيات التي اخترتها بعيدةٌ كل البعد عن الشخصيات النمطيّة، وهي شخصيات اعتيادية يمكن أن تتواجد في أي مكان، وقد تواجدت في تلك اللحظة تحت ذلك السقف واضطرّت على التعايش فترة من الزمن”.

 ويضيف الغصين “لقد كان إنجاز الفيلم عسيرا في البدء وأتمنّى أن تتمهّد الطرق أمامه للوصول إلى الجمهور في لبنان وفي البلاد العربيّة”، ويؤكّد على أنّ منتجي الفيلم يسعون إلى الاستفادة من الزخم الإعلامي والنجاح الذي حقّقه الفيلم في مهرجان فينيسيا، لترتيب العروض العامّة في الصالات اللبنانيّة، وعدم الانتظار لفترة طويلة «يُبْرمْ فيها الفيلم»، على حد تعبيره، في المهرجانات العربية والدوليّة.

 ويُشير المخرج اللبناني أخيرا إلى مكامن العُسر في إنجاز لفيلم، بالذات على صعيد الأداء، فباستثناء معلّم المسرح عادل شاهين، الذي أدّى شخصية الرجل العجوز المصاب بالربو، فإنّ جميع الذين أدّوا الأدوار لم يسبق لهم التمثيل في السابق، ولسوء الحظ، لم يتمكّن صديقنا عادل شاهين من مشاهدة الفيلم، لأنّه توفّي قبل الإنجاز بوقت قصير. لم يُسعفه الحظ ليرى نفسه على الشاشة بعد ثلاثين سنة من آخر ظهور له في فيلم.

15