أحمد الكبيسي ومواجهة الخصمين الإيراني والداعشي

الأحد 2014/08/24
الكبيسي يرى أن العالم يعاقب العراق والعراقيين لأنهم بناة الحضارات الأوائل

مع أنها ليست المرة الأولى والوحيدة التي يقول فيها رأيه في الحركات الإسلامية المختلفة، إلا أن ضجة كبيرة أثارها مؤخراً الشيخ العراقي السني أحمد الكبيسي، الذي يرفض أن يقال عنه إنه “سنّي”، ويصرّ على أن الإسلام واحد، فقد جاءت تصريحاته الصارخة ضد إيران وذيولها من جهة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” من جهة أخرى، لتكملها تصريحاتها عن الوهابية وعن أن مؤسسها الشيخ محمد بن عبدالوهاب صنيعة يهودية، لتجعل منه مادة للتناول على وكالات الأنباء، ومواقع التواصل الاجتماعي، وتدفع ببعض المحامين إلى المطالبة بمحاكمته بناء على ما صدر عنه من أقوال.

يعدّ الكبيسي قيمة عراقية رفيعة، تتمظهر فيه التعددية العراقية وقوة الرؤية والخطاب، عاش سنواته الماضية ويعيش اليوم في الإمارات، ظل طيلة الوقت بعيداً عن فكرة تجزيئ الإسلام إلى فرق وحركات وطوائف وأحزاب، ولم يؤمن يوماً بأن الإسلام السياسي والتنظيمات الجهادية مجرد نشاط عادي، بل طالما نسبه إلى الصهيونية وقال إنه تم تأسيس تلك التنظيمات من أجل أهداف واضحة تم تحقيق بعضها والبقية ستأتي “حين سيمنعون المسلمين من دخول الجوامع".

اشتهر الكبيسي بدعوته المتفائلة إلى سماحة الإسلام واتساع روحه، وفاجأ كثيرين بمواقفه المنفتحة تجاه القضايا الاجتماعية التي تشغل بال المسلمين، وتحليله لكل الظواهر التي تحيط بحياة الناس، دون أن ينسى التعريض المستمر بالإخوان والتشيع المرتبط بالصفويين، مع دفاعه الشديد عن آل البيت من السادة العرب، ونقضه لمفاهيم اعتبرها باطلة وسخيفة، مع اعتداده بأصوله العربية وأن الله عرف كيف يختار لرسالته الأسمى مكاناً ينزلها فيه، فأنزلها على نبيّ من العرب.


ابن الأنبار الإشكالي


ولد الشيخ أحمد الكبيسي في الأنبار في العام 1934، ويتحدر من أصول عشائرية تعود به إلى عشيرة الكبيس، ودرس في العراق العلوم الشرعية، ليحصل على البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في الشريعة الإسلامية، ليؤسس فيما بعد وتحديدا عام 2003 في العراق حركة سياسية أطلق عليها اسم “الحركة الوطنية” صدرت عنها جريدة “الساعة”، غير أنه ما لبث أن فقد إيمانه بالتجمعات والأحزاب والحركات، واشتهرت خطبته التي ألقاها من على منبر جامع الإمام الأعظم في الأعظمية، والتي ضمت عشرات الآلاف من الشيعة والسنة، ثم تحولت إلى مظاهرة رددت الهتاف الشهير “إخوان سنة وشيعة.. هذا الوطن ما نبيعه”.

بدأ صراعه مع الواقع مبكراً، وعرف ذلك الصراع أشكالاً متعددة، فلم يقف مع “حلف بغداد” وناصر القومية العربية، فتم اعتقاله، ووقف ضد المدّ الشيوعي، كما يصفه، والذي قام بتحويل الملكيين إلى شيوعيين، فتم اعتقاله من جديد، وعندما وصل البعث إلى السلطة واصل الشيخ الكبيسي رفع صوته ضد البعث وأفكاره، فاعتقل من جديد.

في عهد صدام حسين، تابع الكبيسي مسيرته، وانتقل للعمل في الإعلام، وتم استدعاؤه للقاء رئيس الجمهورية، فتحدث عن هذا اللقاء باختصار وحزم في أكثر من مناسبة، وقال إن الرئيس العراقي كان قد عرض عليه تولي منصب وزير الأوقاف، فاعتذر عن قبول هذا التكليف، وينحدر الكبيسي من عائلة محافظة كما كل المناطق العراقية في النصف الأول من القرن العشرين.

أصدر الكبيسي عدداً كبيراً من المؤلفات منها “الكلمة وأخواتها في القرآن” و”فلسفة نظام الأسرة في الإسلام” و”القضاء في الإسلام”، وتم تكليفه بمنصب رئيس قسم الشريعة بجامعة بغداد، ورئيس قسم الدراسات العليا فيها، وبقي في العراق حتى العام 2000 واختار الخروج من بلاده بعد تدهور الأوضاع فيها، وبدء ما يسميها بالفتن، فرحل إلى اليمن ثم إلى الإمارات ليبقى هناك بضيافة كبار الشخصيات في الدولة، وليتابع طريقه العلمي والنقدي أيضاً من خلال برامج تلفزيونية أسبوعية كثيرة، ثم أصبح رئيس قسم الدراسات الإسلامية في جامعة الإمارات، وعضواً في المجامع العلمية الإسلامية في الخليج.

وقبل انهيار نظام صدام حسين، وبدء الاحتلال الأميركي للعراق، عمل الكبيسي على مساعدة الشعب من خلال إرسال المعونات الغذائية التي قاوم بها العراقيون الحصار الشديد الذي فرض على الدولة والشعب، وحين بدأت العملية السياسية في العراق تنحو منحى طائفياً، اختار الكبيسي من جديد الموقف النقدي الحاد تجاهها، وكان يرى أن “الإسلام مختطف من جماعات صارت عبئاً على الإسلام، مصنوعة كغيرها مما ذهب إلى مزبلة التاريخ، ليس هذا هو الإسلام، الله ينظفه الآن بهذا الذي يجري، بينما الإسلام واضح وضوح الشمس، ومن ثوابت هذا الدين أن من كفّر مسلماً فقد كفر، ومن ثوابت هذا الدين أن من قال لا إله إلا الله فقد حفظ دمه ودينه".

بقي الشيخ الكبيسي على موقفه المنتقد لكل الحركات والتيارات الإسلامية طيلة السنوات الماضية، ولم يوفر أحدا من هجومه العنيف، واعتبر نفسه مسلما فقط لا سنياً ولا شيعيا

فانتقد الشيعة والسنة، وصرخ مع هؤلاء ومع هؤلاء في كل منعطف، وقال إن الشيعة الصفويين غير الشيعة العرب، وأن لهؤلاء من العرب من أهل البيت مستقبل في جمع كلمة الأمة الإسلامية، وسمّى من يدافع عن معاوية بن أبي سفيان بالناصبي، كما سمّى شيعة إيران بالروافض، وطالب بترك الفتن كلّها وكل ما يمزّق جسد الإسلام.


الخلافة


يؤمن الكبيسي بأن الخلافة انتهت منذ زمن بعيد، ويستند في هذا إلى قول النبي: “الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تعود ملكاً عضوضاً”، ويعتبر أن حكم الفرد سبب تمزّق الأمة، ولا يقبل فكرة أن الخلافة كانت دينية في عهد الخلفاء الراشدين، ولكنه يصفها بالمدنية، ولا يقبل تسمية “الجمهورية الإسلامية” أو “الدولة الإسلامية”، فكيف يمكن أن تكون الدولة دينية ولديك اليهود والنصارى والصابئة؟ وما هو النظام الحياتي والإنساني الذي يمكن تطبيقه في تلك الدولة الإسلامية هل هو عهد الراشدين أم عهد الأمويين أم عهد العباسيين؟ كل قضايا الدنيا أنت الذي تضع لها الضوابط وليس النصوص الدينية ولن نمسك القرآن كل لحظة لنعرف هل يطابقه هذا الحكم أم ذاك.


فلسفة الحكم


"الحكم له رجاله” هكذا يعتقد الكبيسي، ولا يؤمن بأن المتدينين يصلحون للحكم، فيروي أن عمر بن الخطاب اشتكى من حكم العراقيين، فقال له المغيرة بن شعبة وهو من حكماء الأمة: “يا أمير المؤمنين لأن ترسل لهم رجلاً يصلحهم ويفسد نفسه، خيرٌ من أن ترسل لهم رجلاً يفسدهم ويصلح نفسه”، فاقتنع عمر بن الخطاب، فكلّف المغيرة بولاية العراق، وذهب الأخير على الفور، وفرض حظراً للتجوال في البصرة، ثم خرج ليتجوّل في المدينة ويتأكد من تطبيق ما أمر به، ولكنّ رجلاً من البادية جاء على حصانه من البعيد، فسأله المغيرة: “لماذا عصيت أمري وخرجت من بيتك؟” فقال الرجل: “والله ما عرفت بهذا وقد كنت في البادية ووصلت منذ قليل كما ترى” فقال المغيرة: “أعلم أنك بريء ولكن في قتلك صلاح هؤلاء، اقتلوه”. استدلّ الكبيسي من هذا على أن للحكم رجاله، وأن دولة علي بن أبي طالب لم تكن لتقوم، وأن ضبط الدولة كان يتطلب معاوية، مع أنه جرّمه بتهمة إيذاء وسبّ علي وآل البيت وسلب الخلافة منهم.

ولذلك فالكبيسي يعتبر أن الدولة الدينية “ضحك على الذقون” ويعترف بأنه كان واحداً ممن دعوا إليها يوماً، ولكن منعطفاً كبيراً بفهمه جعله يغير رأيه بعد إدراكه للمعاني التاريخية والسياسية والاجتماعية التي مثّلها قول النبي “أنتم أدرى بشؤون دنياكم”، فالدين الذي يفرض عليك كيف تتنفس وكيف تفعل وكيف لا تفعل، هذا ليس ديناً ولا علاقة له بالإسلام.

يتهم الكبيسي العمائم البيضاء والسوداء بأنها هي من خرّبت العلاقات السنية الشيعية، ولكنه يرى أن هذا الذي تمر به الأمة زائل دون شك


التيارات الإسلامية


يقول الكبيسي إن التيارات الإسلامية لا تستطيع أن تخدم الإسلام، فالدين موجود في كل العالم، وبكل صورة، في الكنائس والجوامع والمعابد، ويعتبر أن نواحي الحياة الإسلامية متكاملة من الأسماء إلى الحدود، وأن من دخل تلك التيارات دخلها بحسن نية، ثم تورّط فيها، وأن الأصل في الدين اليسر وأنه فعلاً “المعاملة” وليس التحكّم في كل دقائق حياة الإنسان، وينسب الكبيسي إلى الغرب تأسيس تلك التيارات الإسلامية، التي فكّكت المجتمعات العربية.

عاد الكبيسي إلى العراق، وفي الرمادي ألقى خطبة في جامع الشيخ عبدالجليل، وقيل إنه أثناء خطبته مرّت قافلة عسكرية أميركية، فهتف الكبيسي ضد الاحتلال الأميركي وهتف معه المصلون، وقذفوا بأحذيتهم نحو القوات الأميركية.

ثم ناشد العراقيين مقاومة الحكم الطائفي الذي جاء بعد سقوط بغداد، وانتقد بشدّة المجازر والإبادة التي تعرّض لها السنة في العراق، وقارن بين ضحايا العهود السابقة وضحايا حكم المالكي في العراق، قائلاً: “كم قتلت العهود الماضية؟ ولكننا لم نر فيها كل تلك الإبادة والسجون ومئات الآلاف والتفجيرات".

وقف الشيخ الكبيسي مع انتفاضة العراقيين العرب السنة، الذين اعتبرهم مهمشين، “وقع عليهم ضيم غير طبيعي، وحصل في السجون ما لا يصدقه العقل، ولو كانوا بيد اليهود أو غيرهم لما وقع عليهم ما وقع″، ويرى أن العراق أعظم من “لعب الأطفال” الذي يجري اليوم، وهو “من حكمة الله كي يقول للعراقيين إني قادر على فعل هذا بكم، والعراق أكثر أصالة من كل هذا".


ضد داعش

وفيما يخص مقاومة “داعش” قال إنه: “يتحدى الحكومة أن تذكر واحداً من أولئك الذين يفجرون السيارات في بغداد والموصل والمحافظات العراقية، وهم لا يقولون إلا إرهابيين، ولا إرهاب إلا هم”، قال الكبيسي: “قريباً سيعلم العالم كلّه أن هذه مؤامرة، وأنها تخطيط خبيث لتدمير المدن السنيّة العراقية، فالله شهد للعراق والعراقيين عندما قال (جعلت في العراق خزائن علمي ومعرفتي)، إياكم أن يكتب عنكم التاريخ هذه الصفحة القذرة السوداء، لقد هانت النفوس وهانت الحياة، وعلى كل عراقي يصاب بهذا الذل أن يأخذ حقه فقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى، إن عدوكم لا يخاف الله، ومن يقصف النساء والرجال بالطائرات لا يخاف الله، وهو ليس حكومة، ولا انتماء لهم إلى هذا الوطن".

وكانت نظرة الكبيسي لما يحدث في العالم العربي الآن واضحة، فهو يردّ كل ذلك إلى التعصّب المشترك ما بين الأطراف المتصارعة، فالحشد المذهبي بين السنة والشيعة، تصاعد أكثر بعد مواقف إيران وحلفائها المناهضة لثورة الشعب السوري، وتأييدها لبشار الأسد الذي يعتبره سفاحاً.

وصف الكبيسي زعيم تنظيم “داعش” أبا بكر البغدادي بأنه أسوأ من شمر اللعين قاتل الحسين، وقال إن هذا التيار لا علاقة له بالإسلام، ولم يقبل تصنيفه بأنه معبّر عن السنة.

يباهي الكبيسي بأن الشعب العراقي هو أول شعب صنع الحضارات في التاريخ في نينوى وما حولها ويرى أن الله والتاريخ سينصفان هذا الشعب حتما


أزمة السنة

يقول الكبيسي إن المسلمين السنّة يعانون إشكالاً كبيراً يمتازون به عن غيرهم من الشعوب والأديان والمذاهب، فهو يرجع أزمات السنة إلى أنهم من غير مرجعية، ولذلك تجدهم مرة سائرين في الفكر القومي أو الفكر السلفي أو الفكر الشيوعي أو غيره، بينما يتمتع الشيعة بالمرجعية لضبط ووضع معايير المواقف العامة، وإن أصل إشكال السنة هو “الجهل” وانعدام “القراءة” ولذلك انغلقوا على أنفسهم وصارت ثقافتهم دينية فقهية وحسب. وضرب مثلاً عن مصر، وقال إن الإخوان يقولون إنهم منتخبون، ولكن من أجل هذا يقومون بتخريب الدولة، بينما نعرف أن المسلمين يعتبرون أن الحكم ليس غاية، والولاية لا تولّى لمن طلبها، ولو لم يكن الإخوان حزباً سياسياً لما تعصبوا لرأيهم.


آخر العالم


الكبيسي الذي انتقد الجميع، ودافع عن الإسلام وحده، دافع أيضاً عن آل البيت وقال إن العالم لن ينتهي قبل أن يصل آل البيت من العرب إلى الحكم، فيعيدوا مجد دمشق وبغداد، رافضاً التعصّب الذي سمّاه بالصفوي والذي يمارسه زعماء الشيعة اليوم، مذكراً العراقيين بأن من بين مرجعيات الشيعة العرب في العراق اليوم من هم خير من السنة، ولا ينسى الكبيسي دور الكرد، فيرى أن قائداً منهم سيقود المعركة النهائية التي تنهي الاحتلال الإسرائيلي، وأنهم سيحكمون العرب كما حكمهم صلاح الدين الأيوبي يوماً ما، الذي كان “كردياً وكاكا بسيطاً إمام مسجد تحدى الأوروبيين ووحّد الأمة".

يُشنّ هجوم على الكبيسي اليوم، على الرغم من أنه حافظ على مواقفه تلك من كل الجهات التي انتقدها خلال السنوات الماضية، ولكنه أوغل هذه المرة في نقد “داعش” وتحدى أعضاءها إن كانوا يريدون قتله أن يأتوا ويقتلوه، قال الكبيسي: “أؤمن بالمهدي المنتظر، ولكنه ليس المهدي المنتَظر، بل هو المنتظِر، لأنه ينتظرنا نحن كي نتخلص من الشقاق والنفاق”.

8