أحمد المديني مغربيٌ جوال عارف بالحواضر والإنسان

السبت 2015/03/21
أحمد المديني ألهمته حكمة الروائي وجرأة الناقد وصدامية المثقف

بين المديني واسمه تواؤمٌ نادر، فهو المولع بالمدن، بمباهجها وتناقضاتها، بأسرارها ولعناتها، هو المفتون بما تحكيه الشوارع والساحات والمقاهي والمكتبات ودور السينما والمسارح، من أوجاع الناس وأحلامهم، وتوقهم الفطري إلى تعرف لغز الحياة.

وهو المسكون بقيم المدينة، التي ألهمته حكمة الروائي وجرأة الناقد وصدامية المثقف. هل أقول إن نسغ المدينة الذي استقر في ذاكرة الطفل الذي كانه هي التي حددت قدر الكاتب ومآله؟ ألم يقل ذات يوم “إذا كانت الرواية لا تستطيع أن تشيد المدينة وتقيم فضاءاتها إلا بالتخيل، فإن ظهور المدينة يبدو وكأنه شرط لا مناص منه لكتابة الرواية”.

مغربي في مدن المشرق

يختصر المديني زمنه وزمننا في مدنه الأثيرة، ينطقها، يشخصنها، يحولها إلى جماليات تختزل مسير الذات والوطن، من هنا تحول باريس، وبغداد، ودمشق، والرباط، والدار البيضاء، وغيرها من عواصم النور التي احتضنت تجواله، ووسمت ألفته واغترابه، إلى عتبات نصية تغدي فيه ولع الكتابة. لا جرم إذن أن يمثل المديني، كمجاز لفتنة الحواضر، وكشاهد على انصياع الجسد والحواس والبصيرة الإبداعية لسلطة الفضاء وجبلة السفر.

وأن يبدو بملامحه الداكنة المغرقة في الرصانة، وأناقته الكلاسيكية، وشهوته العارمة للخلاص من ضوضاء العالم، ككاتب بالفطرة وبالسجايا وبالأحوال، أكاد لا أعرف كاتبا مغربيا ربط مصيره بالكتابة كما فعل المديني، كانت كل المهن التي زاولها، فترات متقطعة -من تدريس وصحافة- مجرد تنويع على شغف راسخ، أو مجرد استراحة من مهام أصلية تمتزج فيها كل أشكال التعبير: الرواية بالقصة بالشعر بالتحليل النقدي بالتأمل النظري، لذا كان الأغزر والأكثر حضورا.

كتب المديني عن الذات والمنبت وعن القوم والآمال والخيبات، وعن الجمر وعن الرماد، وبدا في رواياته وقصصه وأشعاره ومقالاته وتنظيراته وتأملاته النقدية، وكأنما هو مشدود إلى نداء خفي لا أرض له، ولا هوية، ولا زمن، ولامنتهى.

لذا لم يكن غريبا أن يصدر مؤلفا فريدا عن “عمل الكاتب، الكاتب وهو يعمل”، حيث يقر بوضوح أن الكتابة فعل يومي، امتهان لولع يتجاوز الرغبة الذاتية اللاشعورية إلى الممارسة العقلانية، هي“حرفة أولا وأخيرا” و”عمل يتم وفق برنامج ونظام وبأدوات وخطط”، والتزام وجداني يبدأ كي لا ينتهي إلا بالانصهار الملتهب بين الوحدة وإرادة التحقق .

وردة الوقت

"كتاب الضفاف" يتحدث فيه المديني عن المدن والمرافئ والخلان؛ عن باريس والدار البيضاء وفاس والقاهرة وبغداد ودمشق، وعن المجاطي وعبدالرحمن منيف وخير الدين وجبرا ابراهيم جبرا وحتمل وآخرين

لم أصاحب المديني كثيرا، بقدر ما صاحبت شخصياته وأقنعته، أخذت دوما بتلك النبرة الحادة والمتخيل العنيف، منذ أن اطلعت في غضاضة الفتوة على “زمن بين الولادة والحلم” و”وردة للوقت المغربي”، لكني كنت دوما أحدس أن جبل الجليد لا يبدي إلا ذروته الضامرة، وأن الجنون الصامت الساكن في خلايا الدم، لن يلبث أن ينسكب في شرايين الحروف، هكذا ستتوالى هجائياته المريرة لمصير الوطن في “مدينة براقش” و“العجب العجاب” و“المخدوعون”، و“نصيبي من باريس” و“نصيبي من الشرق”، وفي عشرات التأملات والمقالات وسيدعم هذا الهوس الصدامي نفوره من الحجب المعنوية، قرينة المخاتلة، وانغراس مفرداته في قعر اللغة، فتبدو كلماته كبلورات يقلبها بافتتان صادق قبل أن يرسم بها وقائع الرأي الصريح. من هنا تلك الحرارة الممهورة بصيغ الاعتقاد، بنزعة من يعرف موقعه جيدا، ويجاهر بانحيازاته، وليس مهما بعد ذلك أن يصدم الكثيرين.

ذات يوم سأقرأ حوارا لمحمد شكري مع يوسف القعيد، عتب فيه على المديني لقسوته في تقييم شهرته، بعدها اطلعت على مقال كتبه عن وقائع اللحظات الأخيرة لمحمد زفزاف في مشفاه الباريسي، ذكر فيها دون تلعثم كيف نهر أحدهم وهو يهم بأخذ صورة بجوار الجسد العليل.

كان اللهيب المزدهر في الكلمات وفيا لحرارة الإحساس، لا أنسى كيف لم يدار صدمته وهو يتابع عنجهية كاتب كبير وكيف رثى بؤس تلك اللحظة قائلا “أي تبجح يدعو ذلك الكاتب ليعلن حقه في التفرد على عرش الرواية، وهل من الممكن للناس أن تسكت حين لا يقبل روائي أن يتحدث إلا بمفرده في ندوة مستقلة، خلافا لزملائه كافة، يجتمعون إلى جوار بعضهم بعضا، من الحامدين الشاكرين. هذا الروائي للتذكير هو سيدنا إبراهيم الكوني”، لم يقل المديني هذا الكلام في جلسة سمر إنما كتبه ونشره على الملأ.

في لحظة ملتبسة من فلتان الوعي اكتشفت محاذير الوقوع في مأزق المجابهة الأولى غير الممهد لها، اختبرت كيف يصدك اللحاء الخارجي الصلب، العازل، عن النفاذ إلى الداخل اللين، كنت أحدس دوما أن وراء القناع الرصاصي لصاحب “الجنازة” روحا طفولية متوفزة بالحياة، مقبلة على المباهج الصغيرة والكبيرة، لكني كنت عاجزا عن التقاطها مباشرة، احتجت دوما إلى وسائط التخييل.

تحس أحيانا وكأن المديني يحتاج إلى عمرين، لإراحة الذاكرة، وقول كل شيء، لذا يحتال بالتمثيل، والتضمين، والتكثيف، والاختزال، قبل بضع سنوات أصدر “كتاب الضفاف”، ليتحدث عن المدن والمرافئ والخلان؛ عن باريس والدار البيضاء وفاس والقاهرة وبغداد ودمشق، وعن المجاطي ومنيف وخير الدين وجبرا وحتمل، وغيرهم. وعبرهم عن “عمر الكتابة”.

لا يمكن أن نفهم عجلة المديني للانتهاء إلا ذريعة لمعانقة فتن الحياة ومحنها مجددا، نكاية في الموت والعزلة وضيق شرنقة الحرية، هي فسحة للتخزين والتأمل والعودة إلى الأهواء الأثيرة: التجوال بين المدن والآفاق، والغوص في تجارب العيش، والنهل من فتن القول

كان القصد هو الانتقاء الدال، فبدت المقاطع والفصول بطعم حريف، نابعة من باطن الوعي العميق حيث تتسربل هشاشة الذات بقناع من ملامح صارمة وقسمات مهيبة، بدا الاختزال المسيري تعرية لعوالم موحشة، ليس منها برء، ولوعات منذورة للبقاء والتغلغل.

في “نصيبي من باريس” يستعرض جوانب من صداقاته مع أولئك المثقفين العرب في العاصمة الفرنسية ويتساءل “أي تناقض غريب ومشاكس هذا الذي عشناه بل ما ننفك نحياه”، واصفا الغرب في المخيلة العربية ولدى كثير من العرب المقيمين فيه بأنه ملتبس.. فهو محبوب وفي الوقت نفسه مكروه.

ويبدأ المديني كتابه ببيت شعر للمتنبي يقول “نصيبك في حياتك من حبيب/ نصيبك في منامك من خيال” ثم يصف باريس بأنها تتراوح بين “الحقيقة والخيال، بين الواقع والاستيهام، بين التاريخ الموثق والصورة المبتدعة يطرزها كل فرد أو جيل حسب هواه“.

وكانت باريس في الستينات تمثل له ولكثير من أبناء جيله حلما ولا تكتمل رؤيتهم للحياة دون زيارتها، ويستكمل وصفه للمدينة العالمية متابعاً ما بدأه مفكرون وأدباء عرب في القرنين التاسع عشر والعشرين ومنهم رفاعة الطهطاوي ومصطفى عبدالرازق وطه حسين وزكي مبارك ويحيى حقي وأحمد فارس الشدياق وعبدالهادي التازي وسهيل إدريس ومحمد باهي.

يقول المديني إن القادم إلى باريس يتخيلها في “صورة ذهبية موروثة لم ينج منها جيل، المرأة تملأ عيون وخيال القادمين إلى أوروبا مشوشة عليهم إقامة علاقة عادية طبيعية، وهي امرأة متخيلة متوهمة، تنسجها الرغبة واللهفة والاغترار”.

أما الباحثون عن المعرفة من العرب فيصفهم بالقول “يدركون أنهم ينتقلون إلى زمن آخر إلا أن كثيرا منهم يحاولون العيش في زمنهم السابق، زمنهم العربي، نادرا ما تسمعهم يتكلمون الفرنسية مستعملين المفردات والعبارات ذاتهــا التي جلبوها من صباهم وأحيائهم العتيقــة بلى يفعلون ذلك بإمعــان ليثبــت كل واحــد لذاتــه ولسامعـه أنه باق على العهــد ولا تنال منه بلاد النصارى”.

يقول المديني عن مواطنه محمد عابد الجابري “لم أعرف مفكرا ولا أديبا دخل قالبا ولم يخرج منه مثل الجابري. كل هذا وهو متحرر وتقدمي وديمقراطي كبير. وفوق هذا هو ابن رشد العرب في العصر الحديث” ويرى أن من فضائل الجابري وهو “أستاذهم بلا منازع” أنه لم يكن ينصب نفسه أستاذا ولا وصيا على أحد.

المديني يدون على ظهر غلاف روايته «رجال ظهر المهراز»: لا أعلم بالضبط ما الذي يدفعني إلى إنجاز هذا المشروع، غير أني أعي ضرورته بالنسبة إلي، ولا أخفيك فقد يكون آخر رواية، أريد أن أنتهي من هذا كله

قال المديني يوما إن “بائع كرعين” اشترى منه رواية “ممر الصفصاف” مقابل صحنين من الكرعين، بعدما لم يشتر أحد روايته التي وضعها عند بائع الجرائد لمدة ثلاثة أشهر، وكان يتحدث على هامش الندوة الصحفية للإعلان عن القائمة القصيرة المرشحة لنيل الجائزة العالمية للرواية العربية للعام 2015، والتي حصل عليها لاحقاً، أن هذا الترشيح هو تتويج للأدب والرواية المغربية والأدب العربي، مؤكدا أن بلادنا قادرة على إعطاء المواهب والطاقات، ودعا المسؤولين المغاربة للالتفات أكثر إلى الكتاب المغاربة والأدب والثقافة المغربية، وكذا الناشرين. كان المديني يريد الإشارة إلى أوضاع الكتاب من غير رعاية المؤسسات، وانعدام السوق الحقيقية للكتاب، وغياب الدور الراعي للدولة في أزمنة مضت.

المديني يراوغ النهم

قبلها بسنوات سيكتب المديني على ظهر غلاف روايته (رجال ظهر المهراز) “لا أعلم بالضبط ما الذي يدفعني لإنجاز هذا المشروع، غير أني أعي ضرورته بالنسبة إلي، ولا أخفيك فقد يكون آخر رواية، أريد أن أنتهي من هذا كله”.

أحسب أن المديني، كرر هذا القول بينه وبين نفسه عشرات المرات، وإزاء كل نص هم به، أو انتهى منه، ولم يثبته على ظهر روايته الشهيرة إلا كمراوغة عابرة، ثمة باستمرار نهم لترميم الذاكرة، ولملمة أوجاعها، وإيقاظ المنسي فيها، وتشوف للتطهر من أحاسيس الرزء، وسعي لامتلاك الماضي ومنحه وهم الخلود، والاستمرار في التأثير.

على هذا النحو أتفهم ذلك المخاض الذي يتعجل تحويل الصور والخيالات والاسترجاعات الملتبسة إلى حكايات وتخطيطات مجازية تغدو تمائم للروح، تمنح الكاتب القدرة على مكابدة العيش، والاطمئنان إلى أن فسحة الحياة لم تنفلت من ساعة الرمل، وإنما هي حاضرة، “مستقرة” على بياض خالد.

لا يمكن أن نفهم عجلة المديني للانتهاء إلا ذريعة لمعانقة فتن الحياة ومحنها مجددا، نكاية في الموت والعزلة وضيق شرنقة الحرية، لا نصدق أن أي نص هو آخر النصوص، فقط هي فسحة للتخزين والتأمل والعودة إلى الأهواء الأثيرة؛ التجوال بين المدن والآفاق، والغوص في تجارب العيش، والنهل من فتن القول.

13