أحمد بوزفور شيخ القصاصين الذي يطل من وراء حجاب

بوزفور يحيك بأسلوب مبتكر كل سلوكات شخصيات قصصه بين المدينة والبادية، ولم يتورع عن الاعتراف بأن دخوله المدينة أفقده حريته.
السبت 2020/04/04
صائغ مغربي استثنائي مهووس بالدقة

خُيِّل له أنه بدأ يكتب القصة منذ وُلد، وبلهجة ساخرة، يقول إنه غامر بالهجرة إلى القصة بعدما فشل في أن يكون شاعرا بالرغم من أنه يقرأ الشعر باستمرار، ولأنه تأثر بتجارب أنطون تشيخوف وإرنست هيمنغواي وبورخيس ويوسف إدريس وزفزاف، ويبدو أنه تأثر أكثر بأعمال الكاتب المغربي زفزاف فهو الرائد والأستاذ وقصصه أجمل وأعمق من رواياته، تأثرا جارفا جعل طموحه كبيرا كي يخرج كل ما في جعبته من مواهب السرد القصصي ويترجمه في “يسألونك عن القتل” أول عمل قصصي نشر له سنة 1971.

كانت أول صرخة يطلقها أحمد بوزفور، سنة 1945 بقبيلة البرانس القريبة من مدينة تازة الواقعة شرق المغرب، منذ تلك اللحظة سيطرت على حواس الطفل الذي سيصبح قاصا وكاتبا، كل علامات التشبث بعوالم القرية، أكواخها، وأشجارها ووديانها وجبالها وناسها وحيواناتها، حتى أعمامه حضروا هم كذلك والجدة التي يناديها “نانّا”، كانت ضمن قوافي قصصه.

يعتبر نفسه قارئا أكثر منه كاتبا، ومنذ أن دخل الكُتاب ليحفظ ما تيسر من القرآن الكريم، كباقي أبناء جيله، لم يترك محفظة كتبه وأقلامه لينتقل بعدها إلى مدينة فاس حيث نال العديد من الشواهد الدراسية بعدما احتضنته جامعة القرويين، ثم تلقى تعليما أكاديميا في كلية الأدب بجامعة محمد بن عبدالله فحصل على شهادة الإجازة في الأدب العربي.

صياد النعام

[ الكتابة عند بوزفور شديدة الحساسيّة بالجوّ العام، ولا بد أن تعكسه، وعندما يتحدث عن تجربته الناقد أحمد المديني، فهو يحدد البدايات بدقة بالقول إنه انتقل من رصد الواقع بواسطة واقعيات وتبنّي قضية الجماعة إلى حيازة الصوت الخاص.
[ الكتابة عند بوزفور شديدة الحساسيّة بالجوّ العام، ولا بد أن تعكسه، وعندما يتحدث عن تجربته الناقد أحمد المديني، فهو يحدد البدايات بدقة بالقول إنه انتقل من رصد الواقع بواسطة واقعيات وتبنّي قضية الجماعة إلى حيازة الصوت الخاص.

بعد سنوات طويلة من الدراسة والتدريس جلس شيخ القصة القصيرة بقبعته ونظارته الطبية وروحه المرحة، مستقبلا زوار رواق دار توبقال للنشر، بالمعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء في دورة العام الحالي، لتوقيع مجموعته القصصية الجديدة، “إني رأيتكما معا” مع توزيع الكلمات الطيبة وصور للذكرى، وهي خاتمة المجموعات التي دشنها بـ”النظر في الوجه العزيز”، ولا علم لنا كم مرة قام بمراجعة نصوصها وتنقيحها وما الذي قرر هدمه وإعادة بنائه.

فبين صدور مجموعته الأولى، والمجموعة الأخيرة، يكون بوزفور قد أكمل سبعا وثلاثين سنة من النشر دون احتساب سنوات التجريب قبلها عندما مزق أوائل الستينات نصوصا كثيرة لم يرض عنها. وبين التاريخين خَلُصَ إلى أن القصة فن يتحول وهو يُكتب، وهي تفاجئ الكاتب قبل القارئ، وارتباطه بهذا الفن الأزلي راجع إلى المزاج، وبهذه النفسية أخرج للوجود “الغابر الظاهر”، و”صياد النعام”، و”ققنس”، و”نافذة على الداخل”، و”النظر إلى بحيرة القلب”.

يصنف بوزفور من كتاب جيل السبعينات، وأن تكتب القصة آنذاك فهي مغامرة غير محسوبة العواقب، لكنه دخل بجرأة عوالمها الفياضة، تلك القصة التي استطاعت أن تمارس ثورة على المجتمع واكتشفته بالنفاذ إليه من الداخل، كما حاولت تثوير اللغة القصصية، ومعها حاول كتاب السبعينات خلق لغة أخرى أكثر نصوصية لنخبة المهابيل.

بوزفور يصر على أن الأديب حين يكون قاصا، فمعنى ذلك أن يكون فردا ولسان فرد وليس جماعة، وأن يختلف وينتفض​ ويشك

والواقع أن هؤلاء الكتاب الثوار على اللغة والعادات والحالمين بغد آخر لم يَحْمِلوا أي مشروع، فكل كاتب يعمل لوحده ولم يجمعهم فكر واحد، لهذا يصر بوزفور وهو منهم، على أنك حين تكون قاصا، فمعنى ذلك أن تكون فردا ولسان فرد وليس جماعة، أن تختلف وأن تنتفض​ وأن تشك، أن تكتفي بكتابة القصة فقط والجمال قصة.

كُتاب الألفية الجديدة يكتبون نصوصا لافتة، وهذا ما أغرى بوزفور بأن يكون معهم، رغم أنه يعترف بأن ما يخيفه هو القصص القصيرة جدا، والتي يرى أنها تفتقد إلى العمق، وردا على من قالوا إنه كتب القصة الأيديولوجية في السبعينات، رد بحسم بأنه ينتمي إلى كتاب جيل لم يكتبوا الأيديولوجيا، رغم أنهم انتموا إلى اليسار وناضلوا في حزب سياسي، معترفا بأن في إبداعاتنا كنا نكتب الفن.

عندما حضر بوزفور ليوقع مجموعته الجديدة، تحلق الكل حوله لأخذ صورة للذكرى والتباهي، فكل إصدار جديد له شهقة إبداعية تبعث فينا روح الأمل من جديد، هكذا علق القاص المغربي، فؤاد زويريق، على الحدث، موردا أن بوزفور من الكتاب الاستثنائيين والمبدعين العرب القلائل الذين نسعد بجديدهم في عالم الكتابة والإبداع.

كل هذا الاحتفاء من طرف زملاء المجال وآخرين يعشقون القص، لم يعف بوزفور أن يصنف كاتب القصة كحَمَل وديع لا يؤذي الناس ولا يصدم توقعاتهم، فيأكلونه في النهاية، لينتهي ويذوب، وذئب يبتعد باستمرار عن الجماهير ليحافظ على حريته وفرادته، وهو مضطرب بين الحمل والذئب، رغم أنه أشار إلى أنه يصعب الجمع بين الماء والنار في يد واحدة، لأنه يحب الناس، مثلما يحب حريته أيضا.

واقع متغير

[ سنوات طويلة من الدراسة والتدريس تسبق اللحظة التي جلس فيها بوزفور، مستقبلا زواره بالمعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء مؤخراً، لتوقيع مجموعته القصصية الجديدة.
سنوات طويلة من الدراسة والتدريس تسبق اللحظة التي جلس فيها بوزفور، مستقبلا زواره بالمعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء مؤخراً، لتوقيع مجموعته القصصية الجديدة.

السبك الجيد والأسلوب المتقن والتدقيق الكامل والمخيلة الواسعة في كتابته القصصية جعلت منه مقلاّ في الإنتاج مقارنة مع كتاب جيله، لهذا كلما أصدر مجموعة جديدة تجد إقبالا منقطع النظير كما حدث مع مجموعته الأخيرة والتي صدرت بموازة المعرض الدولي للكتاب الأخير بالدار البيضاء.

وبوزفور مقلّ جدا رغم أن عوالمه في التخيل متفردة، وما ذلك إلا لأنه صائغ يتوخّى الدقة والصنعة المتقنة والبضاعة الفخمةَ واطِّراحَ العاديِّ، ونبذ المبتذل، وقنص الشارد أما الوارد فمبذول، هكذا يفسر لنا الناقد والروائي أحمد المديني، ما استشكل في فهم هذه الوضعية، إذ أن للصائغ أدوات يشحذها، أولاها اللغة، الأسلوب، الإيقاع، وكيفية استخدام الخيال، لا الخيال ذاته.

 بين المدينة والبادية يحيك بوزفور بأسلوب مبتكر كل سلوكات شخصيات قصصه يعرف عن تصرفاتها الشيء الكثير، ويعبر عن مواقفها المعلنة وتلك المستورة عن العيون الفضولية، لم يتورع عن الاعتراف بأن دخوله المدينة أفقده حريته، وأن البادية التي ولد وترعرع فيها كانت مجالا خصبا للحرية والحلم ولو بقي هناك لأصبح شاعرا، ونحن كقراء كنا سنضيع فيه قاصا بارعا أما الشعراء فكثير منهم يودون لو عرفوا طريقا سالكا للقص. أحب الأدب الذي به يتم امتصاص رحيق الحياة وتنال هي أيضا تجددها، ورغم أنه تنقل بين فاس والدار البيضاء وغيرهما من المدن، إلا أنه ظل وفيا لقريته ولم يكنّ أي مودة للمدينة حيث وجد الشر والألم أما الخير فصعب.

شهدت مدينته الدار البيضاء التي لا يستطيع مفارقتها أكثر من أسبوع واحد منذ عام 1970، رحلته مع السرد القصصي حيث ابتكر وجدد وجرب في الصياغات والأساليب فاستطاع توليد نصوص قصصية ضاجة بالحياة ومفعمة بالحيوية، من هذه المدينة ودروبها ومقاهيها رصد بدقة من وراء نظارته كل حركات الناس وسلوكاتهم وأحس بتحركاتهم ولمس نبض حياتهم اليومية، فاستطاع بجمالية أخاذة أن يعيد رسمها بتؤدة وصبر على ورق صقيل.

 لم يقم بوزفور برحلات كثيرة، رغم أنه أحب السندباد ووسم إحدى مجموعاته بـ”ديوان السندباد”، وبين القرية التي ولد بها وطبعته بهدوئها وسكونها، والمدينة التي عاش فيها شبابه وكهولته وشيخوخته وعاجلته بتمردها على كل ما هو ساكن ويقيني وثابت، صار قاصا زاهدا في الظهور وغير معني بانتشار نصوصه، الأمر الذي ساعده في إنضاج منتوجه القصصي.

هواجس الفكر

اطمأن بحسه المرهف وحاسته الإبداعية وتجربته الطويلة، إلى أن الكتابة القصصية وغيرها من الإبداعات لا تغيّر الواقع بسرعة وحسم، بل تأخذ وقتها في التأثير بالمشاعر والأفكار حسب ظروف المتلقي، حتى الكاتب لكي يمارس سلطة التغيير لا بد أن يمشي في الأسواق ويأكل الطعام ويحتك بالناس في كل المواقع والأماكن ويناضل من أجله وأجلهم، والرجل لا يلغي دورة الحياة الطبيعية فبعد حوالي نصف قرن من ممارسة الكتابة، يبدو له أنّ الواقع قد تغيّر كثيرا، وتغيّرنا نحن معه.

القصة فن يتحول وهو يُكتب
القصة فن يتحول وهو يُكتب

الحكمة ضالة المؤمن بها، أنّى وجدها من حقه أن ينهل من نبعها، وهذا ما قاد بوزفور إلى البحث عن ماهية الخير كوجه من وجوه الحكمة وسبل تحقيقه إلى القصة القصيرة، باعتبارها الجنس الأدبي القادر على التعبير عن الألم والشر والقبح، ليثبت أنه يجمع صفات المثقف العضوي، والمبدع والمربي، إلى جانب المواطن الغيور، والإنسان النبيل، وحرية التعبير عنده حيوية في الإبداع والكتابة، وهنا رأيه حاسم في أن مهمّة الكاتب أن يخلق الجديد الجميل، ولن يكون جميلا إذا راعى النماذج والسلطة والرّقابة بكل تجلياتها الذاتية والخارجية.

قبل ثماني عشرة سنة، رفض بوزفور، جائزة قدمتها له وزارة الثقافة المغربية، تبلغ قيمتها نحو سبعة آلاف دولار، ولو أن هناك جائزة مغربيّة مستقلّة للقصّة القصيرة مُسمّاة على اسمه، وذلك احتجاجا على ما وصفه بتردي الأوضاع السياسية والاقتصادية في ظل تفاوت طبقي هائل وتدني الأجور، وتدهور ثقافي بسبب تفشي نسبة الأمية وانخفاض نسبة القراءة، مع رفضه معاناة أصدقائه وزملائه الكتاب المغاربة الذين يعانون من الإهمال. ومنذ ذلك الحين، أراد توجيه من سيأتي بعده بنصيحة مليئة بالحكمة المعتقة، حيث طالب الكتّاب بأن يخففوا من تكريم أنفسهم، وأن يركزوا على القصة.

كانت الأشهر الثلاثة التي قضاها بالسجن في العام 1966 بسبب نشاطه السياسي، بمثابة تجربة فاصلة تركزت في شخصيته كل قيم الأنسنة، ما جعله في قصصه وحياته اليومية معنيا بهموم الآخرين، ومنفتحا على كافة الإمكانات والاحتمالات.

من الأيديولوجيا إلى الجمال

 الكتابة عند بوزفور شديدة الحساسيّة بالجوّ العام، ولا بد أن تعكسه، وعندما يتحدث عن تجربته الناقد أحمد المديني، فهو يحدد البدايات بدقة بالقول إنه انتقل من رصد الواقع بواسطة واقعيات وتبنّي قضية الجماعة إلى حيازة الصوت الخاص، في موقع مستجد تؤول فيه البطولة والإحساس والموقف إلى ضمير المتكلم بعينين، واحدة ترنو إلى محفل المجتمع بغية التضامن مع المعذبين في الأرض، وثانية تنكفئ إلى الداخل، أجواء الباطني ولواعج الذاتي وهواجس الفكر، لتقول إحساسها بعبارة الاستيهام.

قال لنفسه ”إن الشعر شيء عظيم“، وأحس بالذنب لأنه لم يفكر في ترجمة طاغور إلى العربية، الوقت الآن فات، ربما كان آخرون قد قاموا بالترجمة، ولكنه غير واثق من قيمة ما يفعله المترجمون، إنهم يشوهون وجه الفن، هذا مقتطف من قصة “عودة تبن أبيض”، لذلك انظر عندما يتم إدماج رأيه في عنصري الشعر والترجمة، فهو يجمع بين توقه إلى الشعر كحالة وجدانية لم يستطع ممارسته، وارتباطه العملي بالترجمة. الشّعر هو دم الكتابة وجوهرها، كما يعتقد ولا يمكن إلا أن يكون بوزفور، الذي في يوم واحد قرأ شعرا سويديا وعربيا قديما ومغربيا حديثا، وسمع موسيقى فارسية، ورأى صورة ممثلة هندية جميلة، وقرأ رسالة من صديقة بعيدة في فيسبوك.

سمع حكايات كثيرة من غيره، لكنه لم يستثمرها، بينما أشعله بيت شعر في مرات عديدة، فهو لم ينظر إلى الشعر في القصة كأبيات تتخلل السرد، بل حاول أن ينظر إليه كحركة بين أطراف القصة، كهرباء بين قطبيها، وتوظيفه مكر وخديعة وخروج صبياني عن الأنظمة والولع المرضي بالفوضى والنشاز والنقص، أما الترجمة من لغة إلى أخرى فهي عنده الثقافة التي تكسي النص قيمته الإبداعية والفكرية.  

 تجربته مع الترجمة تمشي بموازاة ما أبدعه طيلة حياته من نصوص سردية دون أن يكون الشعر ضمنها، ومع ذلك فالترجمة قنطرة ضرورية للعبور من حضارة إلى أخرى مع نسبية فهمها للنص الأصلي، ودون خلفية معرفية وازنة تصبح الترجمة فارغة إن لم تكن مستحيلة.

ولا يمكن الحديث عن الترجمة دون معيار السياقات التاريخية والأنماط الثقافية التي تتحكم في المترجم والمتلقي معا، أثناء وبعد إنجاز تلك العملية المعقدة، وبخبرته في المجال يفيدنا بخصوص ترجمة الكتاب المقدس، العهد القديم والعهد الجديد، حيث تتسم الترجمات التي أنجزت في القرن التاسع عشر بجودة لغوية عالية، عكس الترجمات التي أنجزت حديثا بلغة ركيكة.

وباعتباره قارئا للشعر متذوقا له، ينعكس رأيه في الترجمات التي خصصت للشعر والشعراء العالميين، مثل ترجمة أشعار الشيلي بابلو نيرودا الشعرية، وهو الذي يقول إن الترجمات القديمة المثقلة بالأيديولوجية الاشتراكية هي التي  كان حضورها قويا في الساحة الدولية في ستينات القرن الماضي، أما حاليا فالوقت وقت الجمالية لا الخطاب الأيديولوجي.

12