أحمد جاريد فنان يسبح في برزخ بين ابن عربي وسي تومبلي

الأحد 2016/01/10
أحمد جاريد محيلا روائحه المغربية إلى كائنات ملهمة

ستوكهولم - وصفه أحد النقاد بالمتصوف الأنيق في استعارة واضحة من الشاعر عبدالطيف اللعبي. لا بسبب الثياب البيضاء التي يرتديها بأناقة لافتة تهبه مظهر ملاك مستفهم، بل لأن فنه مسكون بأجنحة خفية تحلق بها لغته التي تتميز برشاقتها وخفة مفرداتها.

مغامرته التجريبية في الرسم تنطوي على قدر لافت من التماهي مع لغة المتصوفة وهي تسعى إلى تدريب العين على أن تسمع ما ينزلق على اللسان من إيقاعات لا تسمع بالأذن.

ثقة بالرسم

يرسم كما لو أنه يكتب يومياته في مخطوطة كانت قد كتبت على هيئة طبقات من الكتابة والمحو المتداخلين. طبقات تقفز بينها الرسوم في محاولة من الرسام لإنقاذ ما يتبقى بين يده منها.

حين تعرفت عليه أخبرته أننا تأخرنا ثلاثة عقود على الأقل في صداقتنا. وكنت أقصد أننا كنا طوال تلك العقود نفعل الشيء نفسه. فإذا ما كنت في الكتابة قد أهملت السطر الأول فإن جاريد لم يقف في انتظار أن تكون كائناته مستعدة للظهور قبل أن يرسم.

ثقته بالرسم جعلته يرسم من النقطة التي لن تكون العودة منها ممكنة. يذهب إلى محترفه يوميا لكي يرسم لا لكي يجلس منتظرا الإلهام. يهبه العمل اليومي المستمر القدرة على أن يستحضر كائناته الملهمة التي لا تفارقه. تبدو نزهته على السطوح البيضاء، في ثناياها، بين طرق متاهاتها كما لو أنها نوع من استعادة لغة طفل صامت.

المثقف المنحاز إلى الجمال

ولد أحمد جاريد في الدار البيضاء عام 1954. بعد دراسته العليا في جامعة محمد الخامس بالرباط عين أستاذا للفلسفة وفيما بعد كلف بإلقاء دروس في علم الجمال بمدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء.

كان نشاطه في مجال التنمية الثقافية لافتا، وهو ما ظهر من خلال تأسيسه لجمعية محترفات الفنانين عام 1997. بعدها عمل مستشارا في وزارة الثقافة ثم مديرا لديوان وزير الثقافة حتى عام 2005.

أسس برفقة الشاعر محمد الأشعري المعرض الوطني للفنون التشكيلية عام 2004. إلى جوار تلك السيرة العملية كان الرسام يؤسس لسيرته الفنية من خلال معارض شخصية أقامها في المغرب وعروض شارك فيها في مناطق مختلفة من العالم، كان آخرها معرضه الشخصي المشترك برفقة الرسام السوداني راشد ذياب في الكويت “قاعة بوشهري”.

معادلة الرسام المثقف يمكن أن تكون مضمونة النتائج مع جاريد على مستوى انحيازها إلى الجمال الخالص. فمع أن جاريد لا يكترث كثيرا بالمفكر الذي يسكنه فإنه لا يقلل في الوقت نفسه من قدرته الساحرة على تفكيك الألغاز وهو يرسم

معادلة الرسام المثقف يمكن أن تكون مضمونة النتائج مع جاريد على مستوى انحيازها إلى الجمال الخالص. فمع أن جاريد لا يكترث كثيرا بالمفكر الذي يسكنه فإنه لا يقلل في الوقت نفسه من قدرته الساحرة على تفكيك الألغاز وهو يرسم. متعة أن تراه وهو يرسم لا تفوقها أيّ متعة أخرى. وهو ما اختبرته شخصيا.

غير مرة رأيته يرسم. وكنت أخشى الاقتراب منه لكي لا أكسر زجاج عزلته. كمن يتبعد كان يتأمل لوحته ليستخرج من أعماقها ما تتكرم بتقديمه من هبات باذخة في كرمها. كان منفيا في الـ”هناك” التي هي ليست استمرارا للـ”الهنا” التي تجمعنا به كائنا يصلح للصداقة.

رسم جاريد بطريقة تمتع العين ولا تحملها تبعات أسئلة لم يجب عليها أحد. كان لديه من الانحياز إلى الرسم الخالص قدر يكفي للدفاع عن تلك المتعة البريئة.

أخلص جاريد إلى صوت المتصوفة الخفيض مثلما خلص إلى الرسم التقليلي. كانت ريبته بالعالم الواقعي هي نفسها في الحالين.

ثراء خزانته اللغوية لم يعبّر عن نفسه عن طريق بلاغة متحذلقة وإنشاءات مرسلة. كانت قوته في الاقتضاب هي مصدر سلطته التي يمارسها على الفكرة وعلى تجلياتها اللاشكلية.

على هذا المستوى كانت المزواجة ممكنة بين عوالم الحلاج وابن عربي وعمر الخيام والنفّري وبين عوالم تابيس ومارك روثكو وسي تومبلي. ما أنجزه جاريد تقنيا متأثرا بعمالقة الرسم الصفائي كان قد وجده متاحا في فكر المتصوفة.

أحمد جاريد هو فقيه جمال غائب
وهو ما يسّر عليه أن يهب الخشن ملمسا ناعما. وكان ذلك التحايل مدخلا لعالم تكون فيه المواد النباتية والتراب ومساحيق الصخور والمعادن ونشارة الخشب بمثابة العتبة التي تمهد للانتقال إليه باعتباره ضالة وجود تصويري.

بمعنى أوضح فإن جاريد لم يسع إلى التوفيق بين ما نشأ عليه فكريا وبين ما شغف به فنيا، بقدر ما كان موهوبا في اكتشاف الخيط السري الذي يصل فكر المتصوفة وجوهر التجريد في الرسم. بحيث كان من الممكن رؤية سي تومبلي باعتباره ابن عربي منتحلا أو معاصرا. بالنسبة إلى جاريد فإن كل شيء يظل مقيما في حقيقته ما دام فعل الرسم مقيما في توتره الذي يستلهم قوته من مواد الطبيعة.

مغربيا بطبعه كان جاريد. الروائح في رسومه تصل قبل الأصوات. لن تصل الكائنات. ولكن أيّ كائنات تلك التي نتساءل عن وصولها؟

أعتقد أن جاريد كان قد حسم أمره واقعيا في وقت مبكر من ممارسته للرسم. الرسام المثقف ينظر إلى العالم باعتباره متاهة من الكتب التي لا تزال في حالة كتابة وهو ما جعله يجرؤ على اعتبار رسومه تمرينات لرسم لم يكتمل بعد. ولأنه يكره الجماليات المتاحة فقد كان على جاريد أن يبقي المفتاح في باب لوحته في انتظار مَن يفقه ما تخفّى من جمالها. فأحمد جاريد هو فقيه جمال غائب.

يوم من أجل لا أحد

تعدنا رسوم جاريد بفتح روحي، قد لا يكون قريبا على المستوى المادي. ولكنّ عالما تلتقطه تلك الرسوم من بين تفاصيل صوره المشاعة سيضعنا في قلب مغرب، لن نملّ من إعادة صياغة أشكاله التي يصدمنا تغيرها بما لا نتوقع من مشاعر.

ما يقع على سطوح رسوم جاريد هو عبارة عن جدل بين ما هو طبيعي وما هو ثقافي في إطار البحث عن صيغة جمالية، يشكل الرسم من خلالها عالمه الذي يزخر بالمسلّيات. ما لم يره المرء في رسوم جاريد سيكون مصدر سرور له. شيء من متعة الرسم سيكون مفاجئا، وهو ما يعول عليه الرسام.
الروائح في رسوم جاريد تصل قبل الأصوات

لن يكون الرسام مهتما بسؤال أحد. لكنّ أحدا لن يكون معنيا في البحث عن الرسام في رسومه. وهو ما سيضعه الرسام في الاعتبار وهو يكتب دفاتره. “هناك يوم كان قد مر من غير أن ينتبه أحد” يقول جاريد.

يستخرج الرسام المغربي من ذلك اليوم الغائب فراشات وسناجب وطيورا ونساء وأقنعة وأشجارا وزهورا وبحيرات وكتبا وطرقا وأرائك ومنتظرين ورفيف أجنحة وأصواتا تصل بعد أن تختفي وجوه مَن أطلقوها. تهذب رسوم جاريد خطواتنا ونحن ندخل إلى عالم لم نألفه من قبل.

درس عظيم في الرسم

برسوم من نوع رسوم أحمد جاريد يمكننا أن نراهن على رسم لا يدير ظهره إلى الماضي بقدر ما يستأنف حيويته من اللحظة التي توقف عندها ذلك الماضي متأملاً معجزاته.

بالنسبة إلى جاريد فإن التقنية ليست كل شيء، غير أنها تقع في صميم تجربته. في كل سنتيمتر من لوحته هناك إتقان مدرسي، هو بمثابة إشارة إلى شكل عالجه الرسام قبل أن يخفيه.

ما انتهى إليه جاريد من خلاصات بصرية هو متاع سفر طويل بين الأشياء، مرسومة ومحكية وما لا يمكن النظر إليها إلا في سياق خرافتها الرمزية.
إنه يسلّينا من أجل أن نكون مستعدين للقاء غد، تكون فيه المعاني متحررة من أشكالها الثقيلة. وهي المعاني ذاتها التي سيكون على الرسام الاستغناء عنها من أجل أن تخلص الحياة إلى صفائها. يسلمنا أحمد جاريد إلى عالم تخدمه المعاني من غير أن تتحكم بمصيره.

أن نتحرر من الرسم هو ما نتعلمه من جاريد. وهو واحد من الدروس العظيمة. من أجل أن أصل إليه قضيت ثلاثة عقود وأنا أشم روائح رسومه.

10