أحمد رزق: أنتصر للدراما التي تعيش في وجدان الجمهور

الفنان المصري يؤكد أن أكثر ما يهمّه هو تقديم عمل فني مميّز يحمل قدرا كبيرا من الإبداع، إلى جانب أداء الدور بشكل جيد.
الاثنين 2019/09/30
فنان مغامر يؤمن بنجومية النص

يُحسب للفنان المصري أحمد رزق أنه يسعى خلال أعماله الفنية إلى تقديم أدوار استثنائية تعيش في وجدان المشاهد، بغضّ النظر عن نجاحها في جلب إيرادات كبيرة من عدمه. وهو يعتقد أن انشغال الفنان بحجز مكانه عند الجمهور أهم بكثير من البحث عن مقابل مادي أو تربعه على رأس الأعمال السينمائية والدرامية كل عام.

القاهرة – مثّل غياب اسم الفنان المصري أحمد رزق عن بطولة بعض الأعمال الفنية خلال الفترة الأخيرة محل تساؤل من الجمهور وبعض النقاد، وهو الذي اعتاد في الكثير من أعماله أن يكون بطلا رئيسيّا، في حين أصبح يقبل المشاركة بأدوار الصف الثاني، ومن هذه الأعمال فيلم “الكنز” بجزأيه الأول والثاني، وفيلم “الممر”، ومؤخرا مسلسل “بدل الحدوتة 3” الذي عُرض رمضان الماضي.

وقال رزق في حواره مع “العرب”، إنه يركّز على تقديم أعمال فنية تعيش وتظل راسخة في وجدان المشاهد، ووفق هذا التوجّه يقبل أو يرفض العمل الفني المعروض عليه، ولا يحسب الأمور وفق حجم الإيرادات.

ويؤكد رزق، أن أكثر ما يهمّه تقديم عمل فني مميّز يحمل قدرا كبيرا من الإبداع، إلى جانب أداء الدور بشكل جيد، بينما لعبة الإيرادات والتوزيع مسألة لا تشغل باله كثيرا، لأن عمله ينحصر في التمثيل، وكل شخص مسؤول عن الجانب الذي يفهمه.

النجاح للجميع

لأحمد رزق حسابات أخرى خاصة في مقاييس النجاح والإخفاق الفني، فهو يؤمن بأن تحقيق العمل السينمائي إيرادات معقولة في دور العرض، لا يعكس النجاح الكامل، فهناك أعمال لم تلق حظها في وقت عرضها بالدور، لكنها حقّقت نجاحا كبيرا بعد العرض في التلفزيون وعاشت لسنوات، بعكس أعمال أخرى حقّقت إيرادات ضخمة وانتهت فور رفعها من دور العرض السينمائي.

وأوضح أحمد رزق لـ”العرب”، أن الأمر لا يرتبط بتراجع نجوميته أو شعوره بالابتعاد عن الفن لذلك يقبل أعمالا لا ترقى للبطولة، والحقيقة يمكن اختصارها في طبيعة العمل الفني، هل يحظى بقبول الجمهور أم لا؟ وإلى أيّ درجة سيظل محفورا في الذاكرة؟ وهنا لا تُحسب البطولة لأحد، لأن النجاح سيعود على الكل، وليس على البطل وحده.

وبرهن رزق على كلامه، قائلا “نجاح السينما خلال الفترة الأخيرة ارتبط بالاعتماد على البطولة الجماعية، وهي حالة يلمسها الجمهور جيدا، وتراه يُقبل على نوعية الأعمال التي يتكاتف كل المشتركين فيها لنجاحها، دون أن يُنسب ذلك لفنان بعينه”.

ومن مزايا الفنان المصري أنه من الذين تستهويهم فكرة المجازفة والابتعاد عن النمطية ويفضّلون البحث عن كل جديد، ولا يمانعون السير عكس الاتجاه واقتحام دوائر فنية مغايرة، ربما تبدو غير مألوفة عند قطاع واسع من الجمهور، مثل الأعمال المرتبطة بالعصور القديمة، لأن المشاهد بطبعه يميل إلى الأحداث التي تناقش قضايا معاصرة، وتدور في فلك الكوميديا والتشويق والحركة.

واختار أحمد رزق الإبحار بعيدا عن هذه الدائرة، ليس بعمل واحد، بل باثنين، كان آخرهما الجزء الثاني من فيلم “الكنز” الذي يُعرض حاليا في دور السينما، ويجسد فيه شخصية عبدالعزيز النشار مدير مكتب وزير الداخلية المصري في حقبة الأربعينات من القرن الماضي، وهو استكمال لما بدأه في الجزء الأول الذي حقّق نجاحا مقبولا، وكان دوره أكثر جدية بعكس طبيعة أعماله التي تحمل أغلبها طابعا كوميديا.

أحمد رزق من الذين تستهويهم فكرة المجازفة والابتعاد عن النمطية ويفضلون البحث عن كل جديد في مشوارهم الفني

وفسّر ذلك لـ“العرب” بأن مصر لديها تاريخ ممتد، ما يجعلها مادة ثرية وجذّابة لأيّ فنان أو مبدع يريد أن ينسج العديد من القصص ويحوّلها لأعمال فنية، سواء سينمائية أو درامية، ومن هذه النقطة اجتمع المخرج شريف عرفة والمؤلف عبدالرحيم كمال لينسجا بإبداع شديد ثلاث مراحل من التاريخ المصري في عمل سينمائي يربط بينهم عدة عوامل أهمهما “الحب والمصير”.

ونجح رزق في نسج شخصية عبدالعزيز النشار باقتدار، هذا الرجل الذي تقوم علاقته برئيسه بشر الكتاتني رئيس القلم السياسي (الذي أصبح وزيرا للداخلية)، على السمع والطاعة والرضاء الدائم، ليظل متمسكا بهذه المبادئ حتى بعد وفاة الكتاتني، محتفظا بأسراره ورافضا الإفصاح عنها حتى لابنه، وهو نموذج صاغه المؤلف عبدالرحيم كمال بتميّز شديد.

وأضاف أن طبيعة الفيلم تبحث في تاريخ مصر بشكل عام من خلال عرض رشيق يميّز العمل ويجعله تجربة جديدة في السينما المصرية، على مستوى القصة وطريقة تناولها المختلفة عن باقي الأفلام، لأن العمل يتنقّل بين عدة عصور ما يجعل المشاهد شغوفا بمعرفة المزيد عن تاريخ بلده.

أثار طول الفترة بين عرض الجزء الأول من فيلم “الكنز” والثاني منه، استهجان بعض النقاد، وقالوا إن ثلاث سنوات فترة طويلة، لأنها تتسبّب في انفصال المشاهد عن التجربة، وكان من الأفضل أن يُطرح استكمال العمل الفني في العام التالي مباشرة.

وعن ذلك، دافع رزق، بقوله “إن التأخير جاء في صالح الفيلم، حيث زاد من لهفة الجمهور على العمل، وكان من المهمّ إعداد الجزء الثاني بشكل جيّد ليكون أقوى من الأول، لأن أحداثه حملت مفاجآت كثيرة، وبالتالي فإنّ كل شخص شاهد أحداث الجزء الأول من الفيلم لا بد أن يشاهد الثاني للوصول إلى الكنز الحقيقي في النهاية”.

توثيق سينمائي

استبعد البعض منطقية كلام أحمد رزق، وبرّر هؤلاء وجهة نظرهم بأن إيرادات الجزء الثاني تراجعت بشكل ملحوظ وبلغت خمسة ملايين جنيه (نحو 300 ألف دولار) فقط في 3 أسابيع، بعكس الجزء الأول الذي بلغت إيراداته نحو 25 مليون جنيه (حوالي 1.5 مليون دولار)، ما يشير إلى أن العمل لم ينجح بالشكل المطلوب، في الاستحواذ على اهتمام الجمهور.

ويصرّ رزق على مخاطبة وجدان الجمهور وليس البحث عن الإيرادات، ما يفسّر تركيزه على التوثيق السينمائي للتاريخ، فهو لم يتوقّف عند حدود فترة الأربعينات وما بعد ثورة يوليو 1952، لكنه شارك في فيلم “الممر”، وامتدت أعماله التي تحمل صبغة تاريخية إلى نكسة 1967 وما تلاها من انتصارات للجيش المصري، ما اعتبره البعض ثورة من جانبه لتغيير جلده وتقديم أعمال فنية جادة وهادفة.

وكانت مشاركة الفنان أحمد رزق في فيلم “الممر” استثنائية، وجاءت في وقت غابت عن السينما المصرية لسنوات طويلة الأفلام التي تتناول فكرة الحروب والتوثيق للأحداث العسكرية المهمة، وكثيرا ما طالب مثقفون ونقاد بتأريخ هذه الحقب، ورصد بطولات الجيش في أعمال سينمائية توثّق لها، وتُذكّر الأجيال الصاعدة بأهمية ما قام به أجدادهم لتكون حافزا لهم.

غير أن تخوّفات المنتجين كانت دائما ما توقف مثل هذه الأعمال، لأسباب ترتبط بالتكلفة المرتفعة، وأخرى تتعلّق بالنظرية الثابتة عند البعض بأن الجمهور يفضّل سينما الأكشن والكوميديا، قبل أن يقرّر المنتج هشام عبدالخالق خوض التجربة.

وبعد طرح “الممر” فوجئ صنّاع السينما بالإقبال الجماهيري الكبير، وتحقيق إيرادات وصلت إلى ما يقرب من 85 مليون جنيه (حوالي 5.2 مليون دولار) ويحتلّ المركز الرابع في قائمة الأعمال الفنية صاحبة الإيرادات الأعلى حاليا، بعد أفلام “الفيل الأزرق2” و“ولاد رزق2”، و“كازابلانكا”.

وأكد أحمد رزق لـ“العرب” أن الفيلم سوف يظل من أفضل وأهم الأعمال التي قدّمها طوال مشواره الفني، لما لمسه من ردود أفعال واسعة على المستويين الجماهيري والنقدي، وشعوره بتقديم عمل ذي مغزى وقيمة فكرية وثقافية وتاريخية لجيل لم يكن يعلم شيئا عن هذه الحقبة، ممّا يفتح باب النقاش حول الحقائق التاريخية الغائبة التي أصبحت معرفتها ضرورة حتمية.

17