أحمد رضا خسروي طيار إيراني منشق يهدد النظام في طهران

الأحد 2016/04/24
القدرات العسكرية الجوية الإيرانية وهم أم خطر حقيقي

بروكسل - في أحد أيام شهر مارس من العام الماضي، كان العقيد الطيار الإيراني أحمد رضا خسروي يقطع الفيافي بين إيران وتركيا، عابراً الجبال المقفرة بين حدودين ومعلناً في الآن ذاته قطيعته النهائية مع النظام الإيراني.

"رفضاً لأخلاقيات النظام الحاكم في طهران، وخلافاً مع أيديولوجيته القائمة على الخداع والنفاق والكذب"، هكذا استهل الطيار الإيراني حديثه لمفوضية اللجوء في تركيا عندما قدّم طلب لجوئه هناك. ذلك القرار الذي وصل له خسروي بعد رحلة عذاب مريرة استمرت ما يقارب عقدين من الزمان، خضع خلالها الضابط المنشق للقانون العسكري الإيراني، منتهزاً الفرصة تلو الأخرى لتقديم استقالته من ذلك البناء الهرمي الذي يقوده المرشد الأعلى لما يعرف في إيران بالثورة الإسلامية. استقالات كانت تأتي مُذيّلة بالرفض دائماً، فعقيدة النظام الإيراني تخاف من انكشاف أسرارها الدفينة للآخرين.

خسروي والخميني

أحمد رضا خسروي ولد عام 1977 في مدينة خمين مسقط رأس الخميني المرشد الأول للثورة الإيرانية، الذي حكم طهران بين عامي 1979-1989. خمين تبعد عن قم ما يقارب 160 كيلومتراً، وعن طهران العاصمة ما يقارب 300 كيلومتر. من تلك المدينة التي تقع في مقاطعة محافظة المركزي في قلب إيران، بدأ خسروي مراحل حياته التي عاش طفولتها مع سقوط الشاه رضا بهلوي واستلام الخميني السلطة.

فتشرّب الشاب حينها تعاليم الثورة الجديدة التي سرعان ما اكتشف زيفها وقيامها على مبدأ التصدير إلى الخارج بالدرجة الأولى. لكنه تحت شظف العيش في ظل الحكم الخارج من جولات الحرب مع العراق، انضوى في السلك العسكري، حيث التحق بأكاديمية الشرطة، وانضم بعد تخرجه إلى وحدة المروحيات في أجهزة الأمن الإيرانية.

قصة أحمد خسروي امتدت في صفوف وحدات طيران الأمن لتسع عشرة سنةً كاملة قبل أن يجد طريقاً للخلاص. قاده القدر عبر خطوات وعرة من طهران إلى الحدود الإيرانية التركية منتحلاً صفة رجل آخر خوفاً من دوريات الطرق التي تنتشر بين المدن الإيرانية التي تنام على زلزال بشري سينفجر في أيّ لحظة.

وفي رحلة ولوجه إلى تركيا استعان الضابط المنشق بأساليب غير شرعية لعبور المنطقة الشائكة بين بلدين. وما إن خطت قدماه على الأرض التركية حتى أعلن انشقاقه عن سلطة المرشد والنظام الإيراني، ليكون بذلك أول ضابط ينشق وهو على رأس عمله في تاريخ الدولة الحديث.

إيران تمتلك كحلفائها تماما خطابين أحدهما للداخل يقوم على فكرة المؤامرة التي تريد الإطاحة بكل منجزات ما تسميه بالثورة الإسلامية، والثاني للخارج يقوم على وسطية النظام واستعداده لخوض الحروب ضد الراديكاليين المتطرفين باعتبارهم البديل الحيوي عنه في حال انهياره

الانشقاق المحرج للنظام

أجهزة الأمن الإيرانية التي تقوم في صورتها الحالية على فكرة الولاء في العقيدة القتالية والسمع والطاعة للمرشد، لم تتحمّل الصفعة التي وجهها خسروي بانشقاقه. فسارعت إلى اعتقال زوجته وابنه اللذين بقيا في مدينة خمين، وبدأت رحلة الضغط على الضابط الطيار كي يعود تحت تأثير العاطفة الأبوية.

إلا أن الرجل لم ينصع لكل تلك المحاولات الأمنية، بل راح يهدد النظام الحاكم باستخدام كل الوسائل الممكنة لمقاومته وحشد الرأي ضده. ممّا دفع العقول الاستخباراتية في طهران لترتيب عملية أمنية داخل الأراضي التركية. تلك العملية تقوم على خيارَين، إما اختطاف الرجل من مدينة “وان” شرقي تركيا، أو اغتياله في مكان إقامته في المدينة السياحية ذات الغالبية الكردية.

ولهذا الغرض قامت أجهزة الأمن الإيرانية في يونيو من العام 2015 بتجنيد عبدالسلام تاتاري ومحمد محمديان وتكليفهما بالعملية مقابل 10 مليون تومان إيراني، بحسب إفادةِ الرجلَين عقب الإيقاع بهما بعد متابعتهما من قبل أجهزة الأمن التركية التي وجّهت لهما تهمة التجسس والضلوع في محاولة اغتيال الضابط المنشق، لتحكم عليهما المحكمة في يوليو الماضي بالسجن لمدة ست سنوات وثمانية أشهر.

خسروي المقلّ في ظهوره الإعلامي، وصف للحالة التي يعيشها الضباط الإيرانيون اليوم في ظل سلطة تزج بهم للقتال في داخل وخارج الجغرافية الإيرانية، وتشتغل سراً وعلانية بمنطق العداء للجميع مع تحلّيها المُطلَق بالصبر على كل الظروف. هذه الحالة يمثل نتاجها اليوم العقيد المنشق عن تلك السلطة بصورة آخرين ما يزالون يترقبون الفرصة للخروج من عباءة المرشد بحسب قوله.

المتتبع لسياسة إيران في المنطقة لا يجد غرابة في حديث الضابط الطيار، فالدولة التي تقوم في جذورها على فكرة التوسع واستعادة أساطير التاريخ القديمة، تستخدم في سبيل ذلك كل الطرق وكل السبل الممكنة ولنا في مفاوضاتها الماراثونية مع الولايات المتحدة والغرب الأوروبي في جنيف السويسرية خير مثال على مشروع طهران التي قد تتحالف مع “الشيطان” لجعله واقعاً على الأرض.

السعودية ودول الخليج تمكنت من بناء أكثر الجيوش كفاءة على مستوى العالم

سلاح الطيران الإيراني

تعود قصة تأسيس سلاح الطيران الإيراني تاريخياً إلى العام 1923 أي عصر الشاهنشاهية، حيث بدأ المشروع بوصف إيران كانت ستلعب دور شرطي الخليج آنذاك. لكن ذلك الدور سرعان ما انحسر عقب الحرب السوفييتية البريطانية على طهران عام 1941.

ومع تولي محمد رضا شاه مقاليد الحكم في إيران بدأت عملية إعادة بناء الأسطول الجوي حيث بلغت تلك الخطة ذروتها عام 1979 أي قبل اندلاع الثورة التي أطاحت بحكم الشاه. حينها كانت طهران تعتمد على طائرات الفانتوم الألمانية وبعض الطائرات الأميركية من طراز “إف5”، “إف14”، “إف4”، “كوبرا”، “سي 130”، والتي تم تسليمها للشاه مع مطلع الستينات والسبعينات من القرن العشرين.

بعد دخول البلاد في عباءة حكم المرشد الأعلى، تم فرض عقوبات أوروبية وأميركية على استيراد الطائرات وقطع غيارها، ورغم هذه القيود استطاعت طهران الحصول على بعض قطع الغيار من البرازيل والصين في أوقات متفاوتة.

وبحسب المصادر فإن سلاح الجو الإيراني اليوم يقوم على ما يقارب 52 ألف جندي بينهم 4 آلاف طيار يمارسون مهامهم من خلال 500 طائرة مقاتلة ومتعددة المهام. حيث تملك إيران اليوم 4 أسراب من طراز “إف 14” بحيث يتألف كل سرب من 12 طائرة، و11 سربا من طراز “إف5”، و12 سرب فانتوم، و100 طائرة نقل يتم استخدامها للشحن والمظليين.

فضلاً عن وجود 250 مروحية تتنوع مهامها بين حراسة الحدود والطلعات البحرية، إضافة إلى 143 طائرة عراقية أودعتها بغداد لدى الحكومة الإيرانية عقب الانسحاب العراقي من الكويت، لتتحفّظ طهران على تلك الوديعة وترفض تسليمها حيث صادرت طائرات عراقية مقاتلة من طراز ميغ 29، ميغ 25، سيخوي 25، ميراج1، سيخوي 22، طائرة الأواكس العراقية “عدنان”.

الميزان العسكري وعديد الطائرات الحربية يضعان السعودية في المرتبة الأولى من حيث التسليح بين دول الخليج العربي ويشمل أيضا الضفة الشرقية له حيث إيران، ويضم سلاح الجو السعودي 675 طائرة مقاتلة، تليها دولة الإمارات بـ497، ثم الكويت بـ106، والبحرين بـ104، فعمان بـ103، وتأتي قطر في الترتيب الأخير بـ72 طائرة

وبالرغم من أن القدرات العسكرية الإيرانية تخضع لرقابة كثير من الأطراف، إلا أن طهران لا تلبث بين الفينة والأخرى أن تفاجئ الجميع بإعلانها عن صناعة عسكرية جديدة. كثيرون يقولون إن هذا الأمر هدفه فقط الحضور الإعلامي وابتزاز الأطراف الدولية ذات الصلة. خاصة عندما أعلن الإيرانيون عن تصنيع طائرات “صاعقة” في مناورات الولاية 91، و طائرات “قاهر 313” التي تطير على ارتفاعات مختلفة بحيث تكون خارج إطار الالتقاط الراداري. وقد اكتشف خبراء مختصون بأن الطائرة الأخيرة لم تكن سوى مجسم كرتوني فقط اعتمد الإيرانيون في ترويجه عبر الإعلام على تقنية الفوتوشوب.

توازن وسباق

أمامنا كذلك، المشروع الإيراني في اليمن الذي أوقفته عاصفة الحزم التي شنّها التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، بينما تتغلغل فصائل الحرس الثوري الإيراني مدعومة بميليشيات طائفية لبنانية وعراقية في مختلف المدن السورية اليوم، خدمة للمشروع الإيراني في منطقة الشرق الأوسط والذي لم يعد خافياً على أحد.

تقول مراكز الأبحاث الاستراتيجية والعسكرية، إن السعودية، ودول الخليج معها، تمكنت من بناء جيش من أكثر الجيوش كفاءة على مستوى العالم. وهي تتبع العقيدة الغربية في استخدام الطيران في الدفاع عن أراضيها بخلاف جميع الدول المحيطة التي تستخدم العقيدة الشرقية متمثلة في الدروع والترسانة الصاروخية، ولهذا تبرز أهمية سلاح الطيران بالنسبة إلى دول الخليج العربي.

الدولة في إيران تقوم على فكرة التوسع واستعادة الاساطير

الميزان العسكري وعديد الطائرات الحربية يضعان السعودية في المرتبة الأولى من حيث التسليح بين دول الخليج العربي ويشمل أيضا الضفة الشرقية له حيث إيران، ويضم سلاح الجو السعودي 675 طائرة مقاتلة، تليها دولة الإمارات بـ497، ثم الكويت بـ106، والبحرين بـ104، فعمان بـ103، وتأتي قطر في الترتيب الأخير بـ72 طائرة. وفقاً لدارسة نشرها موقع الخليج أون لاين.

وأمام حالة التقارب الإيراني الأميركي الأوروبي اليوم، والحلف الروسي الإيراني من جهة أخرى في ما يتعلق بالجغرافية العراقية أولاً ثم السورية تالياً، تبرز أمامنا العديد من الأسئلة عن تورط هذه الدول في دعم المشروع الإيراني في منطقة الشرق الأوسط.

المقصود هنا هو الدعم السياسي لهذا المشروع فطهران تمتلك “بروباغندا” إعلامية للترويج لمشروعها العسكري الذي سبَق وأعلنت مراراً عن دخولها نادي الدول القليلة في العالم التي تقوم بتخصيب اليورانيوم المُشع.

خطاب متناقض يجعل من العقيدة العسكرية الإيرانية عقيدة مخلخلة، فمرة مذهبية شيعية، ومرة متحالفة مع الشيطان الأميركي. فمن خلال المشهد العبثي للخطاب الإيراني بين الداخل والخارج، بدأ ضباط الأسلحة العسكرية المختلفة بالتململ، وإن كان أحمد خسروي أول الغيث الذي فضَح المنظومة الداخلية الهشة بين صفوف الضباط الباحثين عن فرصة للخروج من المستنقع الإيراني.

طهران التي تمتلك كحلفائها تماماً صوتين أحدهما للداخل يقوم على فكرة المؤامرة التي تريد الإطاحة بكل منجزات الثورة الإسلامية، والثاني للخارج يقوم على وسطية النظام واستعداده لخوض الحروب ضد الراديكاليين المتطرفين باعتبارهم البديل الحيوي عنه في حال انهياره، هكذا يدير النظام الإيراني لعبة السياسة بقالب عسكري، والعسكرةَ بقالب سياسي لتكون النتيجة زيادة في القمع الداخلي وانهيارا في مستوى المعيشة للمواطن على كل الأصعدة.

حالة أحمد خسروي لم تكن طارئة، فانشقاقه واستعداده لخوض المواجهة كاملة مع نظام الولي الفقيه ما هو إلا دليل على خوف النظام الإيراني من انهيار منظومته العسكرية البشرية، ولولا هذا لما قامت إيران بإرسال عملائها نحو الأراضي التركية لمحاولة خطف خسروي وإعادته وتعليقه على رافعة كما هو المشهد المتكرر تحت سلطة النظام الدكتاتوري في إيران.

7