أحمد زكي بدر وزير ديناميكي يسعى للخروج من جلباب أبيه

الأحد 2015/10/18
أحمد زكي بدر: سياستي هي الحزم

القاهرة - شخصية مثيرة للجدل دائما، بقراراته الحازمة التي لا تعرف المواءمة السياسية في كثير من الأحيان، ومواقفه الجريئة التي يصدم بها مؤيديه قبل معارضيه.

تلك الملامح جعلت أحمد زكي بدر وزير التربية والتعليم في أواخر عصر الرئيس المخلوع حسني مبارك أبرز نجوم حكومة شريف إسماعيل الجديدة في مصر، التي وصفت في كثير من الأوساط الإعلامية والشعبية المصرية بأنها حكومة الظل، نظرا للصمت المطبق الذي يلتزم به رئيسها المعروف بتجنّبه للإعلام.

أغلب حاملي الحقائب الوزارية فيها من الوجوه الجديدة غير المعروفة للعامة، بعكس بدر الذي تولى حقيبة التنمية المحلية التي وصف زكريا عزمي، أحد رموز عهد مبارك في تصريحات سابقة له، أن المؤسسات التابعة لهذه الوزارة “أصبح الفساد فيها للركب”، في إشارة إلى حجم التردي والتدهور الذي أصابها.

الوزير الغاضب

يتهمه كثيرون بأنه يعيش في جلباب أبيه اللواء زكي بدر الذي كان أشرس وزير للداخلية في عصر مبارك، قبل أن يقال من منصبه، بسبب موجة من السباب لعدد كبير من قيادات ورموز المجتمع المصري خلال مؤتمر جماهيري حضره في إحدى المحافظات دون أن يدرك بأن هناك صحافيا مغمورا في جريدة الشعب (توقفت عن الصدور) التابعة لحزب العمل المعارض والمتحالف مع جماعة الإخوان آنذاك، وضع تسجيلا رصد عليه كل سباب.

كما كان الوالد مثيراً للجدل، فإن الابن أصبح أكثر إثارة، منذ أن تولى وزارة التربية والتعليم في آخر تشكيل وزاري لحكومة أحمد نظيف قبل عام واحد من ثورة يناير 2011، ثم احتفظ بمنصبه في حكومة أحمد شفيق التي تشكلت في خضم الثورة، والتي استمرت أقل من شهر، قبل أن تطويه وتطويها الأحداث المتلاحقة

وينساه الناس تماما، فلا هو كان من بين المطلوبين للمحاكمات على جدول الثوار، ولا كان كذلك من الثائرين الذين يتطوّعون لتقديم خبراتهم الوزارية على نظام ما بعد الثورة.

ملامح الأب

من يرى الصورة من بعيد يجد الكثير من أوجه الشبه بين زكي بدر وزير الداخلية السابق الذي اشتهر بالصرامة والقوة، وأحمد الوحيد من أبنائه الذي دخل مجال العمل العام.

لكن الحقيقة أن الابن لم يحمل من أبيه سوى الوجه القاسي والقدرة على التصادم دون الكثير من التفاصيل أو السمات الشخصية التي تسمح له بالغوص سالما في بحر السياسة المليء بأسماك القرش.

عن ارتباطه الشديد بمنهج والده قال وزير التنمية المحلية “حذاء والدي فوق رأسي وفخر لا يضاهى أن أكون ابن زكي بدر، لكن ذلك لم ينعكس في تعاملاتي مع أحد منذ بدأت حياتي العملية، كما لم يحدث أن حاولت أو سعى والدي للاستفادة من نفوذه وعلاقاته في دعمي”.

التجربة العنيفة لأحمد زكي بدر في وزارة التربية والتعليم، تفيده على ما يبدو في إدراك طبيعة المرحلة الحالية التي تتطلب مزيدا من العمل بأقل درجة من الصدام مع المرؤوسين والرأي العام

ارتبط الابن، المولود أواسط الخمسينات، بأبيه رغب في ذلك أو لم يرغب، وكانت بداية الارتباط شائعات أثيرت عند تعيينه معيدا بكلية الهندسة في جامعة عين شمس الحكومية، بعد حصوله على بكالوريوس الهندسة الكهربائية منها، بترتيب وسط العشرة الأوائل.

غير أن كارهي وزير الداخلية السابق رددوا أن نفوذ والده كان وراء تعيينه، بعد أن تدخل لتعيين كل من سبقوه في الترتيب، وعن هذا يرد الابن قائلاً “عينت لكوني من أوائل دفعتي، وقرار تعييني معيدا جاء قبل تولي والدي منصب وزير الداخلية بثماني سنوات، وحصلت على الدكتوراه وعملت ثلاث سنوات ضمن طاقم المعهد القومي للهندسة بجرينوبل بفرنسا، ولا أعتقد أن العلماء الفرنسيين كانوا يخشون من نفوذ والدي، وبعد نحو ثلاثين عاما من البحث العلمي معهم، ما زال الكثير منهم يتذكرني ويشيد بكفاءتي، وهذا يثبت كذب أولاد الحرام الذين يروّجون الشائعات حول تعييني بالجامعة”.

حصل أحمد زكي بدر على الماجستير في هندسة الحاسبات والتحكم الآلي، ثم الدكتوراه في نفس المجال، ليعمل مدرساً بهندسة عين شمس، ومحاضراً فيما بعد بالجامعة الأميركية بالقاهرة، في قسم علوم الحاسب والتعليم المستمر، وعدد من الجامعات الفرنسية.

حاز على ثقة نظام مبارك ليعين في العام 2007 رئيساً لجامعة عين شمس بقرار جمهوري متجاوزا العديد من أساتذة يسبقونه في الأقدمية والدرجة الأكاديمية، وهو ما جلب الكثير من السخط الخفي وبعض الانتقادات العلنية، إلا أن الرد عليهم كان بأنّ تقلد رئاسة أيّ جامعة هو منصب سياسي للسلطة وحدها أن تقرر من يصلح لشغله.

ضباط شرطة في وزارة التعليم

جاء تولى بدر الابن مسؤولية وزارة التعليم، في العام الذي شهد ذروة الحديث عن فساد عهد مبارك، عندما تورط عدد من قيادات الحزب الوطني المنحل بقيادة أمينه العام وقتها أحمد عز في تزوير الانتخابات البرلمانية لصالحه عام 2010 التي قاطعتها كل أحزاب وأطياف المعارضة تقريبا، ليخرج برلمان يسيطر الحزب الحاكم على أكثر من 90 بالمئة من مقاعده، ما كرّس موجة السخط بين عوام الشعب، وهيأ المناخ أمام اندلاع ثورة شعبية عارمة في 25 يناير في العام التالي.

وسط هذه الظلال الداكنة من الإحباط واليأس، استطاع أحمد زكي بدر في بداية توليه مهامه وزيرا للتربية والتعليم تحريك المياه الراكدة وبث الأمل، خصوصا بعد أن نجح في أسر قلوب البسطاء الذين استشعروا رغبته في إصلاح الوضع المتردي لحال التعليم وقتها، من خلال زياراته المفاجئة للمدارس، واتخاذ إجراءات حاسمة ضد المتقاعسين، سواء من قيادات الوزارة أو مدراء المدارس والمدرسين، وإقدامه على نقل عدد من قيادات الوزارة وعقاب الطلاب مرتكبي المخالفات، بما جعل الكثيرون يصفونه بالوزير “الديناميكي” لسرعة حركته. لكن توالي القرارات التي تفتقد للمواءمة السياسية وإدراك التبعات السلبية لها على الرأي العام سرعان ما أفقد الوزير الجديد شعبيته ليتحول من ملاذ للباحثين عن الأمل إلى محطة تتجمع عندها المشكلات والأزمات وسخط الرأي العام.

أول الأزمات بدأت باستبداله عدداً من قيادات الوزارة بمستشارين من لواءات الشرطة والجيش المتقاعدين، ما دفع العاملين بالوزارة لاتهامه بمحاولة عسكرتها وإدارتها بمنطق وزير الداخلية، وهو ما عزز استحضار الصورة الذهنية لوالده، وبات متهماً بالعيش في جلبابه.

ثم توالت قرارات أحمد زكي بدر الصدامية، وبالتالي صراعاته المجانية مع العاملين في الوزارة والمواطنين خارجها، فعقب إصداره قرارا بنقل اثنين وثلاثين موظفا من قطاع الكتب إلى الإدارات التعليمية، تجرأ مئات الموظفين على تنظيم مظاهرة حاشدة داخل ديوان الوزارة في وقت لم يكن ذلك أمرا مستساغا في عزّ عنفوان نظام مبارك، احتجاجا على القرار ما دفعه للتراجع عنه، فكان ذلك أول مسمار في مسيرة كبريائه الوزاري.

بعدها اشتعلت أزمة أخرى عقب قرار الوزير بتحويل ست مدارس حكومية في الإسكندرية والسادس من أكتوبر إلى مدارس تجريبية، الأمر الذي أشعل ثورة الغضب لدى آلاف الطلاب وأولياء الأمور، الذين نظم المئات منهم مظاهرات أمام مدارسهم لما يرتبه القرار عليهم من أعباء.

البداية الجديدة والتنمية

التجربة العنيفة لأحمد زكي بدر في وزارة التربية والتعليم، أفادته على ما يبدو في إدراك طبيعة المرحلة الحالية التي تتطلب مزيدا من الجهد والعمل، بأقل درجة من الصدام مع المرؤوسين والرأي العام، فرغم توقعات البعض أن تولي بدر الابن حقيبة التنمية المحلية، سينتج عنه صدام سريع مع المحافظين، نتيجة ترهل العمل بالمحليات وانتشار الفساد.

إلا أن وزير التنمية المحلية بات أهدأ في التعامل مع الموقف متجنباً الصدام في الوقت الراهن، مبررا ذلك بأن دور وزارة التنمية المحلية التنسيق بين الوحدات المحلية بالمحافظات، والمحافظ بكل محافظة بدرجة وزير تحت رئاسة رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء، بينما دور وزير التنمية المحلية تنفيذي ويفوضه رئيس الوزراء في بعض الاختصاصات، والهدف العمل الجماعي لإحداث تنمية ملموسة يشعر بها المواطنون.

يعول الكثيرون على قوة بدر في ضبط المجالس المحلية، لا سيما خلال الانتخابات التي ستجرى فيها عقب الانتهاء من انتخابات مجلس الشعب، ويأملون في قدرة الوزير على منع تسلل أعضاء إليها من المنتمين إلى جماعة الإخوان أو سيطرتهم عليها كوسيلة للعودة للحياة السياسية، أو أداة لتعويق عمل الحكومة لما لها من ارتباط مباشر بالخدمات اليومية للجماهير، غير أن بدر وأجهزة الدولة تعي ذلك جيداً، إلى جانب الرفض الجماهيري للتنظيم الإرهابي والمنتمين له، فهل سيجدد البرلمان المقبل الثقة في الحكومة الحالية؟ وهل سيستمر بدر في مقعده إلى ما بعد انتخابات المحليات ؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام المقبلة.

زكي بدر وزير الداخلية المصري الأسبق الذي عرف بقسوته وصرامته

مواجهة مع الإخوان

الوزير أحمد زكي بدر ورث الحس الأمني عن والده، كذلك العداء لجماعة الإخوان، والقدرة على الصدام مع الآخرين، ففي نهاية استجواب تاريخي للواء زكي بدر في مجلس الشعب منتصف الثمانينات تطور إلى مشاجرة بالأيدي مع نائب من حزب الوفد، قال “إن كل المحاولات التي تستهدف الشرطة عقيمة وفاشلة، فلن ترتعش أيدينا ولن تتخاذل قراراتنا، فطالما نلتزم بالقانون فقوتنا حق وسلطتنا عدل، وإجراءاتنا هي ألزم الضرورات للحفاظ على جبهتنا الداخلية، وسلمنا الاجتماعي ووحدتنا الوطنية، وأقولها ما بقي فينا قلب يخفق وعرق ينبض، فلن تشيع الفوضى بديلا عن الأمن ولن تشيع النفعية والانتهازية عوضا عن النظام والشرعية، عاشت مصر وعاش الرئيس محمد حسني مبارك” ثم تلا آية قرآنية، لكنه سرعان ما أعقبها بوصلة سباب للنواب المعارضين.

تعامل أحمد زكي بدر رئيس الجامعة بحسم شديد مع الطلاب المتجاوزين، خاصة طلاب جماعة الإخوان الذين كانوا يحتكرون العمل الطلابي تقريبا أغلب سنوات حكم مبارك، واتخذ قرارات بالفصل ضد كل من يتورط في أعمال تخريب ما مكنه من فرض السيطرة على الجامعة التي كانت مجالا حيويا تعتمد عليه الجماعة المحظورة في استقطاب الشباب وتحريك المظاهرات المناوئة للنظام.

عقب نجاح ثورة 25 يناير ورحيل نظام مبارك، جرّت الجماعة وتيار الإسلام السياسي الوزير السابق إلى معركة جديدة، أحسنوا فيها استغلال توقيتها، حينما تحدوا سلطته كعميد لأكاديمية “أخبار اليوم” التابعة للمؤسسة الصحفية العريقة، ورفضوا قراره الحازم بمنع الطلاب متجاوزي نسب الغياب القانونية من دخول الامتحانات، وهو القرار الذي استغلته الجماعة لتصفية حساباتها القديمة مع الوزير الصدامي وقامت بتحريك مظاهرات مناهضة له بالأكاديمية رافعين شعارات “عاوزين عميد، مش وزير داخلية، أحمد زكي بدر لا يصلح للتعامل مع الطلاب بل يصلح للتعامل مع مجرمين”.

بدر نفى عن نفسه صفة الصدام المجاني، مبررا منهجه العنيف بأن هناك من يريد التسيب في العمل، و”أنا أعمل بمنهج الحزم في إطار القانون وأتحدى أن يأتيني شخص بقرار اتخذته ضد مرؤوسين كان مخالفا للقانون، وبالنسبة إلى فترة رئاستي لجامعة عين شمس، فقد كنت مسؤولا عن آلاف الطلاب، وهناك من كان يتعمد إثارة الشغب، فكان لا بد من التصدي لهم بكل قوة، للحفاظ على الجامعة وحق الطلاب في بيئة صالحة للعلم، والأيام أثبتت فيما بعد ماذا كانت تخطط تلك التنظيمات وماذا فعلت بالجامعة، ثم كنت أشارك الطلاب رحلاتهم وأنشطتهم وأنا بدرجة وزير، لإيماني بأن لكل مقام مقال”.

بنفس منطق والده الحاد استطرد الدكتور أحمد زكي بدر “سياستي هي الحزم، واتخاذ القرارات التي تفيد المواطن حتى وإن نتج عن الانضباط تضرره، فلا ينجح عمل دون ضوابط وقواعد ونظم، والبشر بطبيعتهم يكرهون الضوابط والالتزام، لكنهم يعلمون أن ذلك هو الذي يصل بهم إلى النتائج الصحيحة.

7