أحمد زكي عابدين شيخ المحافظين الذي لا ينسى له الشعب رفضه "أخونة الدولة"

الأحد 2017/10/29
جنرال لكل العصور يحلم بسنغافورة مصرية

القاهرة – متغيرات كبيرة عصفت بمصر خلال السنوات القليلة الماضية. بدأت بثورة 25 يناير عام 2011، التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك، ومن بعده تتالت أحداث مختلفة انتهت بعزل الرئيس المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي في يوليو 2013 وانتخاب عبدالفتاح السيسي رئيسا جديدا. ورغم الاختلافات الكبيرة بين الأنظمة الثلاثة، فإن اللواء أحمد زكي عابدين بقي طرفا مشتركا.

وعلى الرغم من اختلاف تلك العهود التي مرت على مصر فقد اتفق ثلاثة رؤساء جمهورية على اختيار رجل واحد مسؤولا في حكوماتهم، بداية من عمله محافظا مع مبارك ووزيرا مع مرسي وحتى انتهى به الحال باختياره مسؤولا عن العاصمة الإدارية الجديدة، أهم مشروعات الرئيس السيسي.

ويثير اللواء أحمد زكي عابدين تساؤلات عديدة، إن كان اختياره الدائم نابعا من كفاءة عالية في الإدارة أم تطلّع دائم لاعتلاء مناصب وبروزه كوجه آخر للمؤسسة العسكرية.

لم يكن التداخل والتشابك في اختيار أشخاص بعينهم مثل عابدين دليلا على تسامح أو تصالح مع القوى السياسية، لكنه يدل على قدرة بعض الأشخاص على التأقلم والتكيف سريعا مع التطورات، أو الرغبة في استثمار الكفاءات بصرف النظر عن الانتماءات الأيديولوجية.

بفعل التعقيدات التي تعتري الحياة السياسية في مصر توارت الانتقادات التي كانت توجه لهذه النوعية من الأشخاص، وربما ساعدتها حنكتها ومؤهلاتها الشخصية على الوصول إلى مراكز صناعة القرار.

العاصمة الجديدة

لم يجد النظام المصري أزمة مع الرأي العام عند اختيار عابدين لرئاسة مجلس إدارة العاصمة الإدارية الجديدة (شرق القاهرة) التي أصبح يُنظر إليها على أنها المشروع القومي الأهم من قبل الرئيس السيسي، ولا تقل أهمية عن قناة السويس، ويتم التعويل عليها لإحداث نقلة عمرانية وحضارية في مصر.

ومع أن عابدين من الشخصيات التي عملت مع نظامي حسني مبارك والإخوان المسلمين، إلا أنه يظل بالنسبة إلى البعض شخصية مغايرة تحتفظ بقدر من الاستقلالية، ما جعله يتمتع برصيد جيد عند قطاع كبير من المصريين.

يعد الرجل من المسؤولين الذين لم يفتش معارضو الحكومة في دفاترهم القديمة كثيرا لكشف سوءاتهم والطعن في تاريخهم ومهاجمة النظام على اختيارهم. بل مضى قرار تعيينه في هدوء واكتفى الناس بنقده من زاوية أنه “جنرال وكفى”.

عابدين شخصية عسكرية بامتياز، وهناك معالم قوية تؤكد زيادة الاعتماد على العسكريين في مناصب مدنية، لكن جديته وعمله وخبرته وتفوّقه قد تكون من العوامل التي أجبرت قوى المعارضة على أن تلتزم الصمت أمام عودته إلى المشهد من جديد، ولا ينتقد الرجل أو يهاجم لأنه شغل منصب المحافظ، أعلى منصب إقليمي بالبلاد في محافظتي بني سويف وكفرالشيخ خلال عصر حسني مبارك، أو لأنه كان وزيرًا للتنمية المحلية في حكومة هشام قنديل أثناء فترة الرئيس الإخواني محمد مرسي.

لم تغب عن الرئيس السيسي كل هذه المعلومات لكنه غض الطرف عنها، لأن مشروع إنشاء عاصمة إدارية لمصر يمثل نقطة تحول كبيرة للاقتصاد ويتخطّى العائد المنتظر منه وهو 25 مليار دولار، نتيجة بيع الأراضي والعقارات لمستثمرين محليين وأجانب.

القفز من سفينة الإخوان

يعتقد السيسي أن تكليف شخصية معروف عنها الحسم والحزم والصرامة ومواجهة الصعاب التي تواجه مشروع العاصمة الإدارية الجديدة أمر لا مفرّ منه، ويبدو أن الرئيس المصري وجد ما يبحث عنه في زكي عابدين ليحقق طموحه في إنجاز مشروع العاصمة الإدارية.

شخصية عابدين تثير الكثير من الجدل بسبب طبيعته الحادة والصارمة في التعامل سواء مع المحافظين أثناء توليه منصب وزير التنمية المحلية أو مع الوزراء في الوقت الحالي رئيسا لمشروع العاصمة الجديدة

ويبدو عابدين من الشخصيات القليلة التي تجمع بين أهل الثقة وأهل الكفاءة، فهو ابن المؤسسة العسكرية المسؤولة عن المشروعات التنموية الكبرى، وعلى رأسها العاصمة الإدارية، والتي يعتبرها السيسي أهم الأعمدة التي حصّنت الاقتصاد المصري من الانهيار وقت الأزمات التي عصفت بالبلاد خلال السنوات الأخيرة.

كثيرا ما أثارت شخصية عابدين الجدل بسبب طبيعته الحادة والصارمة في التعامل سواء مع المحافظين أثناء توليه منصب وزير التنمية المحلية أو مع الوزراء في الوقت الحالي رئيسا لمشروع العاصمة الجديدة.

ظهر طابعه الحاد كثيرا خلال مقابلات إعلامية، ولعل أشهرها عندما أغلق الهاتف في وجه الإعلامية ريم ماجد قبل أن يهاجمها قائلا “لما تكلّميني كويّس أبقى أكلمك كويس مع السلامة.. مع السلامة”، بسبب سؤاله حول جدوى إجبار أصحاب المتاجر على الإغلاق بعد الساعة العاشرة مساء.

ورغم ما يظهر على الرجل من تقلبات سياسية لكنه كان يغلّب الجانب المهني والاحترافي، فلم يسبق أن خرجت ضده مظاهرة أثناء توليه منصب المحافظ في عهد مبارك أو كوزير في حكومة الإخوان، واستطاع تكوين علاقة خاصة مع المواطنين الذين تعامل معهم عن قرب، لأن منصبه، كمحافظ، حتّم عليه الانخراط المباشر مع الجماهير.

ويحسب له أنه كان من الأوائل الذين طالبوا باختيار المحافظين بالانتخاب والدعوة لتولّي المرأة منصب المحافظ.

لا ينسى له أنصار 30 يونيو أنه استقال من حكومة الإخوان كوزير للتنمية المحلية المسؤولة عن المحافظين رافضًا سياسة “أخونة أجهزة الدولة”، حتى أنه هاجم نظام محمد مرسي بضراوة واصفًا إياه بأنه يريد هدم المؤسسات وتسريح الموظفين ليحلّ مكانهم الإخوان.

يُنظر إليه على أنه من أوائل الشخصيات التي كشفت مخطط الإخوان مبكّرًا ورفض أن يستمر في مركبهم، ودعا الناس إلى الخروج على الجماعة وتخليص البلاد من خطرهم، وحظي ذلك وقتها بمزيد من التأييد والدعم في وقت كان يسارع فيه الكثير من السياسيين للتقرب من الإخوان بذريعة أنهم مستمرّون في الحكم لسنوات.

ربما يكون هذا الموقف هو الذي أنقذ عابدين من تهمة التواطؤ مع الإخوان وقبول منصب وزير في عهدهم، ومكّنه من العودة مرة أخرى ليحتل منصبا مهما مثل رئيس العاصمة الإدارية، وتجاهل الناس تعاونه الوثيق مع نظام مبارك وعضويته في الحكومة الإخوانية، وتذكروا له محاسنه في البساطة والصرامة.

عابدين من أوائل الضابط المصريين الذين عبروا قناة السويس في 6 أكتوبر 1973، والمثير أنه عبر إلى الضفة الأخرى للقناة سابحًا ليضع العلم المصري، وكان قائدا لسريّة الفدائيين التي نفذت عدة مهام قتالية خلف خطوط العدو.

وتخرّج في الكلية الفنية العسكرية وعمل ضابطًا مهندسًا بالقوات المسلحة، وتولّى منصب الملحق العسكري بالسفارة المصرية في واشنطن، ثم تولّى قيادة سلاح المهندسين في الفترة من 1995 إلى 1997 حتى تم تعيينه رئيسًا لدار الهيئة الهندسية بالقوات المسلحة في الفترة بين 1997 و2000.

وبدأ مسؤولياته المدنية عام 2001 بتولي رئاسة الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، ثم رئيساً لهيئة تعاونيات البناء، وبعدها شغل منصب محافظ بنى سويف ثم محافظا لكفر الشيخ، وعرف في الأوساط العامة بلقب “شيخ المحافظين”.

عابدين يترأس مجلس إدارة العاصمة الإدارية الجديدة (شرق القاهرة) التي أصبح يُنظر إليها على أنها المشروع القومي الأهم من قبل الرئيس السيسي، ولا تقل أهمية عن قناة السويس

مهندس العاصمة الجديدة

بعد أن أصبح عابدين في مهمة مغايرة وهي بناء عاصمة حضارية ومنفتحة لمصر، على غرار سنغافورة، تغيّرت نظرة قطاع كبير من المصريين للرجل الذي اختاره السيسي ليقود هذه النقلة التي يراهن عليها لإحداث طفرة اقتصادية كبيرة، فهل يستطيع أن يضع بصمات واضحة في هذا المضمار، أم أن انتسابه للمؤسسة العسكرية هو الذي مكّنه من الجلوس على هذا المقعد؟

الرافضون لما يجري في العاصمة الإدارية الجديدة توقفوا عند تفاصيل دقيقة، أبرزها ما يتعلق بكثافة الدور الذي تقوم به المؤسسة العسكرية في الحياة المدنية، لكن المؤيدين فسروا ذلك برغبة السيسي في الإنجاز السريع ورغبته في الوفاء بوعوده لافتتاح المرحلة الأولى منها في يوليو المقبل.

والطريقة التي يدار بها تشييد العاصمة الإدارية تعكس الاتجاه العام الذي يتباه النظام حاليا والذي لا يميل إلى إدخال إصلاحات حقيقية في هياكل والبنى التحتية للدولة، ويفضل البناء الجديد، فعندما يتأكد الناس أن القاهرة شاخت وضاقت بسكانها ومبانيها يتم اللجوء إلى بناء عاصمة أخرى، وعندما يشكو الناس من الإعلام الرسمي يتم الاتجاه نحو تشجيع الإعلام الخاص كبديل.

هذه المسألة لها مدلولات سياسية دقيقة، فهي لا تعبّر عن الرغبة في التطور بقدر ما تشي بالميل نحو الاستسهال الذي يمكن أن يكون مقبولا بالنسبة إلى بعض المؤسسات لكن في مشروع مثل العاصمة الإدارية تتجاوز تكاليفه الـ60 مليار دولار، أضحى الموقف يثير الاستغراب لأنه ينطوي على رغبة في الهروب للأمام دون الاعتداد بالخطوة التالية، أو ربط المواطنين بمشروعات قد تمنحهم الأمل والصبر والانتظار إلى حين يأتي أوان جني الثمار.

وارتفاع قناعات قطاع كبير من المصريين بأن الأمور لا تتسم بقدر كبير من الحكمة والحنكة في مشروعات قومية مثل العاصمة الإدارية من أهم الأدوات التي يمكن أن ترخي بظلال سلبية على دور زكي عابدين، ففشله في تحقيق ما هو مطلوب منه، وهو صعب للغاية، قد يضعه في مأزق يضطر أمامه صناع القرار للتضحية به وإسناد أيّ إخفاق له.

ويخشى أصدقاء عابدين قبل أعدائه هجماته اللاذعة واتهاماته للآخرين بالتقصير، وهو ما ظهر مؤخرا عندما اتهم عددا من الوزراء أمام الرئيس السيسي بأنهم لا يتعاونون بشكل كاف، الأمر الذي أعاق عملية التقدم في تشييد البنى التحتية والخدمات في العاصمة الإدارية الجديدة.

وكان الأمر مفاجئًا للرأي العام أن يشير الجنرال عابدين إلى وزراء في الحكومة بالاسم بأنهم لا يتعاونون بالقدر المطلوب معه، لكن ما جرى يبدو أنه كان على هوى السيسي، لأنه اعتاد أن يعنف المسؤولين على الهواء، لذلك أطلق على عابدين “الجريء والأمين”.

كانت هذه رسالة حادة يهدف من ورائها عابدين للفوز بمزيد من ثقة الرئيس السيسي، والضغط على الوزراء والمسؤولين لحثّهم على عدم التهاون في التعاون معه، وأنه مفوّض بهذه المهمة ومن الضروري عدم التراخي في استكمالها من أيّ جهة.

الرافضون لما يجري في العاصمة الإدارية الجديدة يتوقفون عند تفاصيل دقيقة أبرزها ما يتعلق بكثافة الدور الذي تقوم به المؤسسة العسكرية في الحياة المدنية

ويدرك جيدا أنه تحت المجهر طوال الوقت وأن أصوات المعارضة التي تتعالى وتجأر ضد إنفاق مليارات الدولارات على العاصمة الجديدة لن تتسامح معه ما لم يحقق إنجازات ملموسة في الفترة القصيرة المطلوبة.

ورقة الفوز

المؤسسة العسكرية لا تريد أن يخفق أحد جنرالاتها في المهمة الصعبة التي تتولى هيئاتها المختلفة غالبية المهام، وما لم تحقق الأغراض الاستثمارية المرجوة منها سوف يتجاوز الفشل حدود عابدين ليمسّ هيبة المؤسسة العريقة والنظام برمته الذي يأمل تدشين مرحلة جديدة من الإنجازات تحسب له، وتوقف زحف الانتقادات التي تتوالى مع اقتراب الانتخابات الرئاسية منتصف العام المقبل.

الانتخابات هي عنصر الضغط على كل من الرئيس السيسي وعابدين معا، فالأول سوف يكون مطلوبا منه تقديم كشف حساب قبل ترشحه لفترة رئاسية ثانية، والثاني عليه أن يوفي بوعود الرئيس وينتهي من وضع اللبنات الرئيسية للعاصمة الجديدة لتبدأ الوزارات والهيئات الحكومية الانتقال إليها وممارسة أنشطتها من هناك، وفتح الطريق للسفارات أيضا.

إلقاء كل هذه الأعباء على كاهل عابدين وضعه في مأزق مزدوج، فهو مطالب بتقديم عمل على درجة عالية من الكفاءة، ويجب أن ينجزه خلال مدة قصيرة، أو على الأقل يقدّم كشف حساب محدّد لأن ارتفاع رهان السيسي على هذا المشروع وضعه في بؤرة اهتمام المصريين لقياس مدى الجدية التي تعمل بها الحكومة والمؤسسات المختلفة، ولأن القضية هي قضية قومية وليس دغدغة مشاعر الناس بمشروعات فقيرة الجدوى الاقتصادية والاجتماعية.

القريبون منه يقولون عنه إنه “شخصية عنيدة وتهوى السباحة عكس التيار، ويحصل على ما يريده بهدوء شديد وابتسامة لا تفارقه في أشد لحظات الغضب”، ولا تثور إلا إذا كان الأمر يتعلق بإهانة شخصية.

للجنرال عابدين دستور خاص قال عنه في أحد لقاءاته الحوارية أنه سبب نجاحه، ولن يتنازل عن تطبيقه، وتتمثل بنوده في الانضباط والالتزام وعدم الخداع والشفافية واحترام عقلية الناس ومحاسبة المقصرين والاعتراف بالخطأ والرحيل عن المنصب في حال التوقف عن العطاء.

9