أحمد سالم: النهضة والتقدم لا يتحققان بخطاب تسيطر عليه عقلية التآمر

الباحث المصري يرى أنه من غير المقبول أن يظل ابن حنبل وابن تيمية وابن قيم الجوزية يحكمون من مقابرهم، وأن سقوط الإخوان وحصارهم لن يؤديا إلى نهاية الأيديولوجيات الدينية.
الجمعة 2019/01/11
تنقيب عن المفيد والمواكب للعصر

الصمت من ذهب، حكمة عربية تحولت إلى فعل قسري يمارس لمواجهة كل دعوة إصلاحية من أجل مجابهة شيوع التكفير وسيادة التطرف على الفكر العربي والإسلامي، فكان المقابل تراجع قيم التسامح وسيادة خطاب يحتكم لنظرية المؤامرة، على الإسلام، عند كل مسعى لنفض الغبار عن تراث تحول إلى مقدس مع مرور الزمن واستمرار غلق باب الاجتهاد فيه. ويعتبر أحمد سالم، الباحث وأستاذ الفلسفة الإسلامية، أن هذا الوضع هو أساسا نكبة المسلمين وتأخرهم. ويشرح رؤيته، في حوار مع “العرب”، مؤكدا على أن فتح الباب للعقل البشري للاجتهاد والاختيار، وتجديد الخطاب الديني لم يعد يكفي، فلا يمكن تعزيز المساواة وتقبل الآخر دون صناعة خطاب جديد بالكامل.

القاهرة - تتخذ المعركة بين دعاة التجديد في الخطاب الديني والفقه الإسلامي وكتب التراث والمعارضين لذلك، منحى مصيريا وتصل أحيانا حد المغالاة من الطرفين، الأمر الذي يفقد البوصلة، أو يجعلها تميل ناحية المتشددين، خصوصا في مجتمعات استسهلت الارتكان إلى نظرية التآمر، وهو ما يؤكده أحمد سالم، الباحث في شؤون الخطاب الديني وأستاذ الفلسفة بجامعة طنطا، شمال القاهرة، في حوار مع “العرب”.

يؤكد سالم أن أهم الخطوات لاستعادة قيم التسامح وقبول الآخر تبدأ بجعل الشخصية العربية تتشرب ذلك عبر التربية والتعليم، لكن تسبقها خطوة أخرى هي تغيير الثقافة السائدة في المجتمع. ويرى أن بنية هذه الثقافة، تسيطر عليها “فكرة أنها خير أمة أخرجت للناس”، من جانبها الديني فقط، دون الأخذ في الاعتبار بضرورة أن يكون هذا التميز مرفوقا بتميز علمي وأدبي وثقافي.

ويستطرد سالم مشدّدا على ضرورة مقاومة سيادة “التفكير التآمري” لأنه يحد من التعامل مع المشكلات بفاعلية، فالشعوب التي آمنت بحقها في النهضة والتقدم، وبمدى فاعلية إرادتها هي الشعوب التي استطاعت أن تنجز في كافة المجالات، ونجحت في أن تضع نفسها على الخارطة. ويضيف قائلا إن “الثقافة القبلية حتى لو لم تكن واضحة في بعض المجتمعات، رسخت للتمايز والشرف بين البطون العربية التي تتباهى بأصولها، وكان التقادح بين العشائر جزءا من بنية الثقافة السائدة”.

نبذ الآخر

أحمد سالم: الفقه منتج تاريخي مشروط بزمانه وبيئته وتغيرت الظروف المحيطة به ما يعني ضرورة تغيره، ونحن بحاجة إلى فقه جديد يراعي طبيعة اللحظة التاريخية بمكوناتها المعقدة
أحمد سالم: الفقه منتج تاريخي مشروط بزمانه وبيئته وتغيرت الظروف المحيطة به ما يعني ضرورة تغيره، ونحن بحاجة إلى فقه جديد يراعي طبيعة اللحظة التاريخية بمكوناتها المعقدة

يركز أحمد سالم في أبحاثه على نقطة نبذ الآخر، وكيف تتكون هذه “العقدة” في نفوس الأجيال الشابة إلى درجة أنه كان من السهل انسياق عدد كبير من الشباب، المسلم، في الدول العربية والغربية، وراء الجماعات المتشددة. وقدّم سالم في هذا الموضوع للمكتبة العربية أربعة عشر مؤلفا، بينها “إقصاء الآخر.. قراءة في فكر أهل السنة”، و”صورة الآخر في الفكر العربي”، و”تجلي الإله”، و”الإسلام العقلاني”.

وفي مختلف قراءاته يرى الباحث أن الأزمة تكمن في التنشئة، فإلى اليوم ما زال “الطفل المسلم يتربى على أن دينه هو الدين الحق، والنصارى واليهود أصحاب أديان محرفة ومشوهة، والذي ينتمي إلى أهل السنة يتربى على أن مذهبه الحق وباقي المذاهب على خطأ”. ويضيف سالم أنه كي نُعلي من قيم التسامح “علينا أن نبرر الاختلاف والتعددية بأنهما سنة كونية، فالله يقر بأهمية التعدد والاختلاف بين البشر، وهو ما يؤكّد  حق الآخر في الاختلاف”.

ويكتسب التطرف، الذي تقرنه الجماعات المتشددة بالجهاد، خطورته من أنه يربط نفسه بالمقدس الديني، لذا فإن أول طريق لتفكيك الإرهاب يبدأ بتفكيك بنية العنف في الثقافة والفكر الديني السائد في حياتنا، الذي هو في الأساس نتاج فقه بشري خالص.

ويتابع سالم قائلا إن “هذا الفكر يرتكز على الادعاء بملكية الحقيقة المطلقة، والاستعلاء على البشر من منطق أننا أهل الإيمان والهداية، ونحن أفضل من أهل الكفر، ورسخ الفقه لهذه التوجهات العنيفة، حيث ذهب الفقه السني إلى أن المسلم لو قتل الذمي، فدى نفسه بدية، في حين أن الذمي لو قتل مسلما يقتل، باستثناء أبي حنيفة الذي ذهب إلى أن المسلم لو قتل ذميا يقتل”.

ويؤكد سالم أن الفقه، الذي لم يتطور ويواكب المتغيرات المرحلية، تسبب أيضا في عنف وتكفير متبادلين داخل الجماعة المسلمة نفسها، فأهل السنة يكفرون أهل الشيعة، والشيعة يكفرون أهل السنة. وخلص إلى أن الفقه البشري “جنى على الإسلام حين صنع دينا على دين، ومن المهم أن ننظر للفقه على أنه منتج تاريخي ظهر مشروطا بزمانه وبيئته، وتغيرت الظروف المحيطة به ما يعني ضرورة تغيره، ونحن بحاجة إلى فقه جديد يراعي طبيعة اللحظة التاريخية بمكوناتها المعقدة”. ويرى أنه “من غير المقبول أن يظل ابن حنبل وابن تيمية وابن قيم الجوزية يحكمون من مقابرهم”، وفي تصوره أن ذلك “لا يمكن اعتباره سوى استقالة للعقل لحساب السلف”.

تجديد الخطاب الديني

ضرورة مقاومة سيادة “التفكير التآمري”
ضرورة مقاومة سيادة “التفكير التآمري”

حول الدعوات السلطوية والنخبوية المتكررة إلى تجديد الخطاب الديني كأساس يُبنى عليه لمواجهة التطرف، يؤكد أحمد سالم “أننا لسنا في حاجة إلى تجديد الفكر الديني، بقدر ما نحن في حاجة إلى بناء خطاب ديني جديد بكامله، لأن صورة الإسلام في العالم مشوهة بالخطاب السائد، الذي يروج للعدوان، ويعجز عن مواكبة التطور في حركة الاجتماع الإنساني”.

ويلفت إلى “أنه يحق للمسلمين قراءة ديننا في ظل الشرط التاريخي والاجتماعي الذي نعيش فيه، ولا نغترب عن واقعنا ومشكلاته، ولا يحكم ماضينا حاضرنا، لأنه من الاستحالة أن نسجن تطور الحركة الزمنية والاجتماعية بقوالب دينية تاريخية جامدة”. ويشير إلى أن الأمة في حاجة إلى خطاب “يقرأ أصول الإسلام بروح العصر، ويرسخ لقيم التعايش والاختلاف ويحث على العمل والتنمية والعدالة والتقدم”.

ويرى سالم أن “سقوط الإخوان وحصارهم لن يؤديا حتما إلى نهاية الأيديولوجيات الدينية، وما صاحبها من أفكار لأن المحنة في الثقافة لا فقط في السياسة والخيط ممتد من أحمد بن حنبل إلى ابن تيمية إلى سيد قطب”.

ويؤكد أهمية مواجهة كل ما يسهم في تخليق الحركات الأصولية، ودون هذا الإجراء ستستمر حركات العنف في ممارسة حركتها، قائلا “للأسف فإن السلطات في مصر قاصرة عن الإجراء الأشمل وهو مواجهة العنف في أنظمة الثقافة والتعليم”.

الحل من وجهة نظره هو “تأسيس دولة علمانية في مصر مثلا، علمانية في مزاجها وفي مؤسساتها، فالدولة ومؤسسات الحكم مكون إنساني، مع ترسيخ الحرية في المجتمع، وأن يؤسس تطور حركة المجتمع على العقل والمصلحة”.

صورة الإسلام في العالم مشوهة بالخطاب السائد
صورة الإسلام في العالم مشوهة بالخطاب السائد

تطرح دائما التساؤلات حول أسباب عدم ظهور فلاسفة جُدد في الثقافة العربية، ويرى سالم أن الثقافة العربية قاومت وجود فلاسفة في عصور ازدهارها، وأحكم الفقهاء السيطرة على فضاءات الثقافة، وكانوا يكفرون الفلاسفة ويحاصرونهم، ولهذا لم تلمع الفلسفة في عصور الازدهار لأن تيارات النقل والمروي كانت هي السائدة والحاكمة، وتم حصار تيارات العقل والفلسفة، لأن السلطة كانت تدعم تيارات النص والنقل على حساب تيارات العقل باستثناء خلافة الخليفة المأمون في الدولة العباسية.

ويشير أحمد سالم لـ”العرب” إلى أن الفلسفة لا تنمو ولا تزدهر أبدا إلا في أرض الحرية والتسامح، وهذا غير متوفر في مجتمعاتنا العربية، وليس لدينا سوى مفكرين وأصحاب رؤى واجتهادات حرة، لكن هؤلاء المفكرين أنفسهم قد يكونون محاصرين من الرقابة السياسية والدينية.

ويستحضر بنبرة مُتحسرة بعض المفكرين الذين قتلوا مثل حسين مروة ومهدي عامل وفرج فودة، وهناك من هاجروا وأبعدوا مثل نصر حامد أبوزيد، لأن البعض يخشى غضب أصحاب العمائم، ويمكن التضحية بالعقول المفكرة لإرضاء مُحتكري الدين.

وكرد فعل على ذلك، فإن الفكر العربي الحديث عاجز عن تأسيس مناهج ونظريات مستنبطة من واقعنا الراهن، ولهذا لا بديل عن توظيف المناهج والنظريات الغربية في الاجتهادات الراهنة. ولذلك، أهم إبداعات الفكر العربي الحديث جاءت على أيدي مَن وظفوا المناهج الغربية في قراءة تراث الذات، أمثال محمد عابد الجابري ومحمد أركون وحسن حنفي وحسين مروة والطيب تيزيني، ونصر حامد أبوزيد، وكل أصحاب توجهات الحداثة في الفكر العربي.

12