أحمد شبرين الذي مزج الحرف العربي بطين أفريقيا

الأحد 2015/07/12
أحمد شبرين فنان رائد كان رسولا بين ثقافتين

سيكون الفن أفريقيا دائما لكن بطريقة مختلفة مع الثنائي الفريد من نوعه في تاريخ الفن التشكيلي السوداني. أبراهيم الصلحي وأحمد شبرين. جمعتهما نزعة حداثوية استطاعا من خلالها أن يقيما جسرا بين ما هو عربي وما هو أفريقي. في المقابل فقد فرّق بينهما الأسلوب. كان لكل واحد منهما أسلوبه الشكلي في التعبير.

استلهم من عروبته أعز ما لديها

كان الصلحي قريبا من المدرسة الواقعية التعبيرية التي أضفى عليها طابعا سحريا مستلهما من الحكايات والأساطير الأفريقية. أما أحمد شبرين فقد كان حروفيا منذ عام 1961 وبقي مخلصا لهذا التيار الأسلوبي في مختلف مراحل حياته الفنية.

اختلافهما الأسلوبي لا يغير من حقيقة كونهما قد شكلا في ستينات القرن الماضي طرفي المعادلة التي أقيمت على أساسها مدرسة الخرطوم الفنية، التي كان لها الفضل في ترسيخ عناصر ومقومات وشروط الرسم الحديث في السودان.

غادر الصلحي السودان إلى بريطانيا لأسباب سياسية، ليقيم في مدينة أوكسفورد في حين فضّل شبرين البقاء في بلده ليمارس عمله معلما لأجيال من الرسامين الذين اكتسبوا منه خبرات لافتة في فن الحفر الطباعي.

سيرة شبرين هي سيرة تحولاته الأسلوبية وقلقه الخلاق، فالرجل الذي علم أكثر مما تعلم كان قد استمد طاقته الروحية من تعلق صوفي قديم بحروف القرآن، يوم تعلم القراءة والكتابة في مدرسة دينية. وهو ما دفعه في ما بعد إلى أن يُدخل الحرف العربي في متاهة جمالية لا تذكّر بالخط العربي التقليدي، بل تنحو بالحرف في اتجاه ذاكرة بصرية ترى صورتها في مرآة الخيال الأفريقي.

أخذ شبرين من عروبته أعزّ ما لديها، الحرف ليكون من خلاله ذلك العربي الأفريقي الذي لا تقلقه هويته المزدوجة. ولد أحمد شبرين عام 1931 في مدينة بربر. درس الفن في الخرطوم، ثم انتقل إلى لندن منهيا دراسته فيها عام 1960. يومها انخرط في التعليم الجامعي، الذي استطاع من خلاله عبر عقود من الزمن أن ينشئ أجيالا من الفنانين، تربت على الفكرة الساحرة التي بشرت بها مدرسة الخرطوم. أن تكون فنانا سودانيا فذلك معناه أن تكون قادرا على المزج بين حضارتين، حضارة وهبتك لغتها هي الحضارة العربية وحضارة عجنتك بخيال سحرتها هي الحضارة الأفريقية.

لم يكن الأمر يسيرا في البداية. كانت المسافة النفسية هائلة بين الحضارتين. فالقبول بإحداهما يعني التخلي عن الأخرى. فالمحيط الأفريقي لم يكن في ظل انتشار حركات التحرر الوطني في مرحلة الستينات من القرن الماضي مستعدا للقبول بما يمكن أن يجره خارج حدوده العرقية والثقافية كما أن مثقفي السودان يومها لم يكن يسعدهم أن ينكفئوا على ثقافتهم العربية في خيانة واضحة لجغرافيا هي جزء من تراثهم الخيالي الذي وإن كان شفاهيا فإنه يشكل مرجعية ثقافية لا براء منها.

شبرين يهب الحرف العربي جمالا أفريقيا، جمالا لم يكن يتوقع شيخ الحروفية شاكر حسن آل سعيد وجوده، وإن كان لا يخفي التطلع إليه، لكن شبرين مزج الحرف العربي بالطبيعة الافريقية، فكان ذلك المزج عنوانا لأنسنة، ستكون بمثابة بداية لحروفية آخرى

لهذا شكل ظهور مدرسة الخرطوم لحظة مقاومة لتيارين فكريين كانا في طريقهما إلى التصادم. لقد أنسنت تلك اللحظة توحش التيارين، فصار ممكنا من خلال ما طرحته من مقتربات أن يكون الرسام السوداني عربيا من أفريقيا.

كانت رسوم شبرين قد مهدت بعناد لذلك المنجز التاريخي، فالرجل الذي سحره صوت وشكل الحرف العربي منذ الطفولة نجح بموهبة لافتة في أن يمزج بين سحر تلك الأصوات وقدرتها على أن تتجسد من خلال أشكال توحي بأشباح لآلهة وثنية. ولم يكن ذلك الإجراء الشكلي مفتعلا، بل انبعث من صميم الصلة العرفانية التي كان شبرين يقيمها مع الحرف العربي، باعتباره همزة وصل صوفية.

هوية تقطعت بها الأسباب

ولكن لتاريخ الفن أسئلته المختلفة عن أسئلة التاريخ الثقافي العام. فإذا كان أحمد شبرين حروفيا، فكيف يمكن تقييم تجربته الحروفية في سياق سيرة المدرسة الحروفية العربية الحديثة؟ هنا ترد أسماء كبيرة من مثل العراقي شاكر حسن آل سعيد والمصري حامد عبدالله واللبنانية إيتيل عدنان. هل يمكننا أن نضم شبرين إليهم أم أنه يقف بخبرته الأفريقية في مكان آخر؟

أعتقد أن شبرين أضاف إلى الحروفية العربية أكثر مما أخذ منها، فالرجل انفتح بالحروفية على قارة. قارة صارت بسببه تعرف ما جماليات الحرف العربي. وهو ما لم يفعله أحد من الحروفيين الكبار الذي نجل دورهم في التغيير الفني. شبرين وحده كان رسولا للحرف العربي إلى حضارة كانت تجهله. بالنسبة إلى مؤرخي الفن العربي التقليديين فإن حكما نقديا من ذلك النوع سيسبب لهم قلقا عميقا، إذا لم يزعجهم.

رسوم شبرين مهدت بعناد للمنجز التاريخي

شبرين لم يكن رساما حروفيا عاديا، يمكن ضمه إلى سلالة الحروفيين لينعم برضا المؤرخين والنقاد. كان مبشرا بالحرف العربي باعتباره رمزا لحضارة قررت أن تمتزج بحضارة أخرى. وهو ما أضفى على الحروفية هالة، لم تكن منها. كان الرجل قد زج بالحرف العربي في مختبر كوني، لم يكن أحد من الحروفيين العرب قد فكر فيه.

بهذا لن يكون شبرين حروفيا مختلفا، بقدر ما تكون حروفيته مختلفة. فإذا كانت جماليات الحرف العربي في سياق التجربة الحروفية العربية قد قدمت إلى متلق عربي من أجل متعته البصرية فإنها لدى شبرين لم تكن كذلك. لقد كانت تجسيدا لهوية تقطعت بها السبل. كان شبرين عن طريق الحروفية رسول ثقافة إلى ثقافة أخرى. كان الآخر الذي لم يستغن عن عاطفته الأولية.

يمكنني القول إن أحمد شبرين كان قد اكتشف عروبته وأفريقيته في الوقت نفسه عن طريق الحرف العربي. لن يكون صعبا عليه أن يهتدي إلى السحر ما دام الحرف هو مادة التمائم والتعاويذ والأدعية التقليدية، فعن طريق خرافة الحرف يمكن أن تحل الكثير من العقد الخرافية. كانت الحكايات هي الأخرى تصل بين ما هو تلقائي عميق وبين ما هو مجرّب كما لو أنه وصفة ثابتة. وهو ما جربه شبرين بغنائية عذبة. سيكون في إمكانه دائما أن يقول “كنت هناك” وهو صادق. هويته المزدوجة تتيح له اللعب بالمسافات والانتقال من حبل إلى آخر. فالرجل الذي يجهر بعروبته من خلال الحرف يمكنه أن يكون أفريقيا من خلال الأشكال الوثنية التي تتخذها تلك الحروف حين تظهر على سطح اللوحة.

رجل السهل الممتنع

رجل السهل الممتنع هو. أمن غيره ستكون الحروفية في وضع أفضل؟ هناك مَن يفضّل الحروفية العربية من غير أحمد شبرين. ذلك لأن شبرين كان قد مزج الحروفية بطين السودان. فكانت حروفيته أفريقية أكثر من كونها عربية. وهو قول فيه الكثير من الافتراء على تجربة رجل كان يضع التاريخ والجغرافيا على كفتي ميزان عادل، انتصر من خلاله إلى حروفية، لم تكن مناسبة بالنسبة لقياسات الآخرين، ولكنها كانت مناسبة لمقاساته.

شبرين العربي في أفريقيا، الأفريقي بلسان عربي، المبادر باعتباره رسول أمّة إلى أمّة أخرى كان أكثر من رسام. لقد حرر الحرف العربي من طابعه المقدس ليزج به في متاهات طقوس وثنية، اكتسب من خلالها الكثير من السحر. لقد وهب شبرين الحرف العربي جمالا أفريقيا، جمالا لم يكن يتوقع شيخ الحروفية آل سعيد وجوده، وإن كان لا يخفي التطلع إليه. مزج شبرين الحرف العربي بالطبيعة الأفريقية، فكان ذلك المزج عنوانا لأنسنة، ستكون بمثابة بداية لحروفية أخرى.

10