أحمد شفيق يقوّض حملته الانتخابية قبل أن تبدأ

أحمد شفيق الذي أراد باتهامه دولة الإمارات التي احتضنته منذ سنة 2012 بمنعه من السفر، تحقيق “خبطة انتخابية” سريعة وناجعة، وجد نفسه في مأزق مزدوج: أخلاقي بتنّكره لجميل مضيّفيه، وسياسي بدخوله في صراع غير متكافئ مع قوى الاعتدال ومناهضة الإسلام السياسي محلّيا وإقليميا.
الجمعة 2017/12/01
مرارة الرهان على الخيار الخطأ

القاهرة - حمل شريط مصور بثّه المرشح الرئاسي المصري المحتمل أحمد شفيق نظريا نهاية حملته الانتخابية قبل أن تبدأ بين صفوف المعادين لجماعات الإسلام السياسي، إذ مهّد الطريق أمام رؤية تعكس رغبته في التحالف مع قادة تنظيم الإخوان المسلمين للإطاحة بالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

وقال شفيق في الشريط المذكور إنّ الإمارات تمنعه من السفر، وإنّه لا يسمح بالتدخل في الشؤون الداخلية لبلاده.

وكان أقصر الطرق لمغازلة الإسلاميين هو مهاجمة الإمارات، التي قضى شفيق الخمسة أعوام الماضية في ضيافتها. ويكن الإسلاميون في المنطقة عداء للإمارات، التي تلعب دورا محوريا في تحالف عربي لقوى الاعتدال التقليدية في المنطقة، يهدف إلى وضع حد لفوضى عارمة تسببت بها تنظيمات الإسلام السياسي منذ انطلاق احتجاجات “الربيع العربي” في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا.

وأدت إذاعة بيان شفيق، الذي اتهم فيه السلطات الإماراتية الأربعاء بمنعه من مغادرة الإمارات، على قناة الجزيرة القطرية موجة تأييد واسعة من قبل نشطاء يؤيدون تنظيم الإخوان المسلمين على مواقع التواصل الاجتماعي.

ووعد شفيق، في شريط مصور أعلن فيه ترشحه للانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل المقبل، بـ”حكم ديمقراطي”، وهو خطاب ظن أنّه قادر على مداعبة مشاعر إسلاميين يضمرون العداء لنظام السيسي.

وتقول مصادر قريبة من نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، الذي تولى فيه شفيق رئاسة الوزراء قبل سقوطه عام 2011، إنّه كان من أشد المعادين لتلبية مُطالبة الملايين من المتظاهرين في مصر بـ”الحرية والعدالة الاجتماعية”، وبنظام ديمقراطي سيكون شعار حملته في الأيام المقبلة.

لكن مستشارين استراتيجيين يعملون مع شفيق يعتقدون أن تبني مثل هذا الخطاب اليوم قد يضم كتلة الإسلاميين إلى قوة تصويتية ضاربة تمثلها قاعدة المؤيدين لمبارك. كما يطمح مستشارو شفيق لكسب تعاطف مؤيدين سابقين للسيسي، أعربوا عن معارضتهم لسرعة تطبيق سياسات اقتصادية إصلاحية، ولخطة أمنية تبدو غير فعالة في الحرب على المتشددين في سيناء.

أنور قرقاش: شفيق لجأ إلى الإمارات وقدمنا له كل التسهيلات رغم تحفظنا على بعض مواقفه

وكان هذا هو المدخل لاختيار توقيت إعلان شفيق عن ترشحه، بالتزامن مع تعافي مصر من أكبر هجوم إرهابي في تاريخها الحديث. ووقع هذا الهجوم خلال صلاة الجمعة الماضية في مسجد قرية الروضة في منطقة بئر العبد بالقرب من العريش، وراح ضحيته أكثر من 300 شخص.

ويقول دبلوماسي مصري، رفض الكشف عن هويته، إنّ “هجوم شفيق على الإمارات كان آتيا لا محالة، بغض النظر عن السبب وراء ذلك”. وأضاف “شفيق يحاول أن يظهر بصورة المرشح المستقل”.

وبالفعل، نفت دينا عدلي حسين، محامية شفيق، لاحقا أن تكون السلطات الإماراتية قد منعته من مغادرة البلاد.

ويوضح النفي السريع من حسين حالة التسرع التي لجأ إليها شفيق في التعبير عن “استقلاليته”، إذ تحولت النتيجة النهائية إلى تناقض قد يقضي على مصداقيته في الشارع.

وبدأت تعليقات النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي تنهال على “خطأ أخلاقي” ارتكبه شفيق تجاه الإمارات، التي قالوا إنها “أنقذته” من الإخوان المسلمين بعد خسارته الانتخابات الرئاسية أمام مرشح التنظيم محمد مرسي عام 2012.

ورغم إجماع الملاحظين حول فشل شفيق في إلحاق أي أذى بسمعة الإمارات، إلاّ أنّ “انقلابه المفاجئ” على مضيفيه خلّف لدى دوائر إماراتية شعورا بالخيانة وبنكران الجميل عبّر عنه وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش في تغريدات على تويتر عبّر فيها عن أسف بلاده لـ”أن يرد الفريق أحمد شفيق الجميل بالنكران”، مذكّرا بأن الرجل “لجأ إلى الإمارات هاربا من مصر إثر إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2012، وقدمنا له كل التسهيلات وواجبات الضيافة الكريمة، رغم تحفظنا الشديد على بعض مواقفه”.

وأضاف “آثرت دولة الإمارات في تعاملها التمسك دوما بقيم الضيافة والرعاية حبا لمصر والمصريين الذين لهم في قلوبنا وتوجهنا كل التقدير والاحترام”.

كما نسف الوزير قرقاش ادعاء شفيق منعه من السفر، قائلا “تؤكد دولة الإمارات أنّه لا يوجد عائق لمغادرة الفريق أحمد شفيق الدولة”.

واختتم تغريداته بالقول “للأسف، وفي هذا الموقف الذي يكشف معادن الرجال، لا يسعني إلاّ أن أضيف مقولة المتنبي، شاعر العرب الكبير، إذا أنت أكرمت الكريم ملكته، وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا”.

وأثار سلوك شفيق حفيظة مؤسسات حساسة في مصر، بدأت تطرح تساؤلات حول ولائه السياسي للمؤسسة العسكرية التي كان ينتمي إليها.

وتصطدم مغازلة الإخوان المسلمين لكسب أصواتهم مع مبدأ علمانية الجيش، كما تتعارض مع رؤية أعمق تقودها أجهزة استخبارات قوية للصراع مع الإخوان المسلمين لسنوات مقبلة.

كما أثار شفيق انتباه محور الاعتدال الإقليمي، الذي يضم مصر والسعودية والإمارات والبحرين، والذي تمثل عودة الإخوان إلى المشهد السياسي في مصر بالنسبة إليه ضربة قاصمة لاستراتيجية طويلة المدى لإعادة الإسلاميين في المنطقة إلى حجمهم الطبيعي.

ويقول محللون في القاهرة إن شفيق ربما يكون ورقة ضغط غربية على نظام السيسي، في وقت أثار فيه مسؤولون أوروبيون وأميركيون معضلة تراجع الاستراتيجية المصرية لمواجهة فرع تنظيم داعش في سيناء.

3