أحمد طعمة طبيب الأسنان.. هل يداوي أوجاع سوريا؟

الجمعة 2013/09/20
أحمد طعمة سجين سياسي سابق وأحد مؤسسي "إعلان دمشق" عام2005

سوريا ـ وسط تجاذبات دولية معقدة سببها أزمة سورية استعصت على الحل وأرّقت المجتمع الدولي، تم مؤخرا انتخاب الإسلامي المعتدل أحمد طعمة رئيسا للحكومة المؤقتة من قبل أعضاء الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة. ابن مدينة دير الزور جاء خلفا لغسان هيتو الذي عجز عن تشكيل حكومة واضطر إلى الاستقالة.

وقد حصل طعمة على 75 صوتا من جملة 97 هو عدد أعضاء الائتلاف. طبيب الأسنان الذي جيء به في هذه الظروف العصيبة أمامه جملة من التحديات وتنتظره الكثير من المهام، ولعل أهم رسالة يمكن أن تنجزها المعارضة هي أن تعزز من خلال طعمة مصداقيتها في العالم، في هذا الوقت بالذات الذي بدأت فيه ملامح الحل الناعم تظهر للعلن بعد الاتفاق الروسي الأميركي حول الترسانة الكيميائية للأسد.

اتفاق رأت فيه المعارضة ضربة موجعة لها ولطموحاتها بعد أن كانت تمني النفس بضربة عسكرية غربية تساعدها على التخلص من نظام ألحق بها خسائر عديدة بأسلحته الثقيلة والخفيفة.

لكن الأمل بدا أكبر مع قدوم أحمد طعمة الطبيب الذي قد يفلح في اقتلاع أضراس النظام المتجذرة في أرض سوريا ويداوي بذلك جراح السوريين الذين يعانون لسنتين ونصف السنة من آلة قتل تهدم البيوت على رؤوسهم وتذيقهم ألوانا من العذاب. وللأهمية التي يمثلها مجيء طعمة إلى رئاسة حكومة المنفى نعود هنا للتعرف على تفاصيل من حياته وعلى الأدوار التي يمكن أن يقوم بها والمهام التي تنتظره.

"لا تتوقعوا تغير المناطق المحررة بين عشية وضحاها، المعارضة تتعرض إلى ضغوط دولية لتعزيز مصداقيتها، والهدف هو أن يصبح الائتلاف أشبه ببرلمان بينما تعمل الحكومة كسلطة تنفيذية" . بهذا الكلام لخص مساعد طعمة الوضع السوري بصفة عامة والدور المهم للائتلاف في هذه المرحلة الدقيقة.

لكن أحمد طعمة تحدث عن أكثر من ذلك وطرح جملة من القضايا والمهام التي عليه القيام بها، ذاك ما جعلنا نبحث عن المسارات الثقافية والفكرية والسياسية التي أنتجت شخصية بهذا الإصرار والتحدي. فمن يكون طعمة؟

ولد الدكتور أحمد طعمة طبيب الأسنان، والسجين السياسي السابق، وأحد مؤسسي "إعلان دمشق" عام2005، في محافظة دير الزور عام 1965، وعاش معظم سنوات حياته فيها، باستثناء خمس سنوات قضاها في المملكة العربية السعودية، حيث كان والده مدرسا هناك.

انخرط طعمة، في العمل السياسي في العام 1992 مع مجموعة من الأصدقاء والباحثين في مدينة دير الزور، وأسسوا مجموعتين، إحداها فكرية تعنى بـ"إعادة النظر في الميراث الفكري الإسلامي وتصحيح العديد من المفاهيم الخاطئة التي تسببت في تخلفنا الحضاري". ومجموعة أخرى تبنت منهج اللاعنف والمقاومة السلمية ورفض التنظيمات السرية على الصعيد السياسي.

في عام 1997 بدأ بمخاطبة الناس من خلال خطب الجمعة، إلا أن تجربته لم تدم أكثر من سنتين، بعد قيام النظام بعزله من الخطابة بسبب أفكاره، ورفضه الوقوف دقيقة صمت على روح باسل الأسد في إحدى المناسبات. ثم انضم عام 2001 إلى لجان "إحياء المجتمع المدني"، مناديا بـ"زيادة الهامش الديمقراطي في سوريا، والإفراج عن سجناء الرأي، والانتقال بالبلاد من حالة الديكتاتورية إلى الديمقراطية، وحماية حقوق الإنسان".

كما شارك في المنتديات السياسية التي تشكلت في سوريا، بعد خطاب القسم للرئيس السوري بشار الأسد، ومن أهمها منتدى الأتاسي في دمشق.

شارك طعمة في تأسيس ما يعرف بـ"إعلان دمشق" عام 2005، الذي كان يدعو إلى "التغيير السلمي المتدرج الآمن في سوريا"، ثم انتخب أمينا للسر، إلا أنه لم يتمكن من قيادة المجلس الوطني لإعلان دمشق. فقد اعتقل بعد أسبوع واحد من انتخابه، مع 11 من زملائه تم تقديمهم للمحاكمة، والحكم عليهم جميعا بالسجن مدة عامين ونصف العام مع التجريد من الحقوق المدنية والفصل من الوظيفة.

في يونيو عام 2010 أفرج عن طعمة، الذي عاد إلى النشاط السياسي، خصوصا عام 2011 مع بداية الثورة السورية. فاعتقل مجددا في يوليو 2011 لأكثر من شهر، وبعد خروجه شارك في العمل الإغاثي في مدينة دير الزور، ثم أصبح عضوا في المجلس الوطني السوري عند تشكيله تحت اسم مستعار، كونه مقيما داخل الأراضي السورية، ثم ترك عضوية المجلس الوطني السوري لعدم قدرته على حضور اجتماعاته والمشاركة فيه بفعالية.

أواخر العام 2012 اعتقل أحمد طعمة مجددا، ثم بعد الإعلان عن تشكيل المجالس المحلية وعقد مؤتمرها في اسطنبول في الأسبوع الأخير من شهر يناير، أصبح مستشارا للمكتب التنفيذي للمجلس المحلي في محافظة دير الزور، وعمل مع رئيس المجلس المحلي على ترتيب المجالس المحلية في المحافظة، ثم أصبح رئيسا لمجلس السلم الأهلي في دير الزور، ثم رئيسا للحكومة السورية المؤقتة.

يذكر أن طعمة يتعاون بشكل وثيق مع الليبراليين والإسلاميين على حد سواء بمن فيهم رياض الترك الشخصية السياسية الرئيسية في إعلان دمشق، والذي مازال يعمل في الخفاء بسوريا، وهو في الثانية والثمانين من عمره رغم قضائه لـ 25 عاما وراء القضبان باعتباره سجينا سياسيا.


الدور والمهام

كما وقعت الاشارة إلى ذلك فإن المرحلة التي تمر بها سوريا تتطلب الكثير من الجهود لإيقاف القتل والدمار اللذين يخربان البلد، خاصة إذا أرادت المعارضة أن يكون لها الدور الفاعل في المستقبل القريب. وذاك ما أكد عليه أحمد طعمة الذي يعتقد أن هناك واجبات عاجلة تنتظره مع جماعة الائتلاف والتي على رأسها إيقاف القتل والتدمير والعدوان. فالدور الأساسي حسب رأيه هو خدمة أهل سوريا من خلال المساعدات الإنسانية. وذلك لن يكون إلا من خلال خطة استراتيجية لإدارة المرحلة المقبلة.

كما أن هناك مهمة لا تقل أهمية عن المساعدات الإنسانية وتتمثل في الحد من خطورة الجماعات التي تقاتل في سوريا وفق أجندة القاعدة، خاصة في ظل سقوط أجزاء من محافظة الرقة شرق سوريا في قبضة جماعات مرتبطة بها، إلى جانب عدد من البلدات في محافظة حلب المجاورة، ومحافظة إدلب

من أقواله
* إن المعارضة يجب أن تواجه القاعدة فكريا، بالتأكيد على أن الديمقراطية لا تتنافى مع تعاليم الإسلام، كما يتعين عليها الحد من شعبية التنظيم، باستعادة الخدمات العامة في المناطق التي يسيطر عليها مقاتلو المعارضة.

* فوق ما عاناه الناس من النظام من قتل وتشريد ودمار، يعانون من سلوكيات أفراد التنظيم، وتصرفاتهم ومحاولة إجبار الناس على أفكارهم وطروحاتهم. الشعب خرج من أجل فكرة جوهرية أساسية وهي فكرة الحرية.

* نحن نسعى إلى نشر ثقافة الديمقراطية بشكل واسع لصالحنا ومصلحة والشعب، إذا أردنا أن نقيم دولة تعددية ديمقراطية مستوعبة لجميع أبنائها، لابد من نشر الديمقراطية على شكل واسع.

* المعارضة تواجه التحدي الفكري لإقناع الكثيرين ممن انضموا إلى القاعدة بترك هذا التنظيم، نحن لدينا هذا التحدي الفكري والشعبي لإقناع أكبر قدر منهم بالتخلي عن هذه الأفكار المتشددة لصالح الوطن.

* نحن نؤمن بالحوار ولكن إن أبوا فإن الحكومة سوف تبحث عن كل الوسائل الممكنة لتضمن أمن الناس ومعيشتهم وعيشهم الكريم.

* الكثيرون في صفوف التابعين للقاعدة في سوريا، لا تربطهم علاقة قوية بالتنظيم، وانضموا إليه لأنه يمدهم بالأسلحة اللازمة لمحاربة قوات الأسد، ويوفر الخبز والسلع الأساسية للسكان المحليين وحاولت إقناع بعض المقربين منهم بأن ما يفعلونه خطأ فكري.

* أنا وجميع الوزراء مشاريع شهادة من أجل هذا الوطن. نحن خرجنا من أجل الحرية، نريد أن نعيش تحت شجرة الحرية الوارفة.

وكل الإخوة الذين استشهدوا من أجل حريتنا لا نقبل إلا أن نشاركهم هذه الشهادة.

.لذلك فإن طعمة يرى أن من ضمن أولويات حكومته هو الحد من خطورة تلك الجماعات على أمن المواطنين، وكذلك إعادة الاستقرار إلى المناطق المحررة إضافة إلى تحسين ظروفها المعيشية.

فكر القاعدة وممارستها داخل التراب السوري هو ما وجه له أحمد طعمة الانتقاد واتهم التنظيم بأنه استغل عجز المعارضة عن ملء الفراغ الذي أحدثه انهيار سلطة الأسد في كثير من أنحاء البلاد ودعا إلى مواجهة هذا التنظيم والحد من نفوذه .

طعمة الذي نهل من معين القراءة المنفتحة والمعتدلة للإسلام يعتبر أن هناك إمكانية لمواجهة القاعدة فكريا بالتأكيد على أن الديمقراطية لا تتنافى مع تعاليم الإسلام، وكذلك الحد من شعبية التنظيم، باستعادة الخدمات العامة في المناطق التي يسيطر عليها مقاتلو المعارضة.

ويرى طعمة أن الناس تعاني من ممارسات النظام القمعية من قتل وتشريد ودمار فلا يجب أن يعانوا أيضا من سلوكيات أفراد التنظيم، وتصرفاتهم ومحاولة إجبار الناس على أفكارهم وطروحاتهم. فالشعب خرج من أجل فكرة جوهرية أساسية وهي فكرة الحرية، فكيف يمكن أن يقبل بتسلط أكبر، سؤال يطرحه طعمة على كل من يحاول إعادة إنتاج الاستبداد حتى ولو لبس لبوسا دينيا.

فالمهمة الأساسية التي يجب على المعارضة التمسك بها، خاصة وهي تمر بسياق ثوري، هي التأكيد على الحرية ونشر ثقافة الديمقراطية بشكل واسع، إذا أرادت أن تقيم دولة تعددية ديمقراطية مستوعبة لجميع أبنائها.

لكن ورغم ذلك فإن الإسلامي المعتدل يقر أن المعارضة تواجه تحديا فكريا لإقناع الكثيرين ممن انضموا إلى القاعدة بترك هذا التنظيم والتخلي عن أفكاره المتشددة لصالح الوطن ومستقبله. ذلك أن كثيرا من السوريين ليس لهم ارتباط قوي بالقاعدة بل الانضمام كان لغاية مصلحية من بينها التزود بالسلاح لمحاربة النظام وتوفير السلع الأساسية.

فقيمة الحرية في فكر طعمة أساسية ومركزية ولا يجب المساس بها تحت أي عنوان، فالسوريون متعطشون لها ويريدون العيش تحت شجرتها الوارفة. ومن أجل ذلك فإن جهود المعارضة يجب أن تتضافر لتنفيذ هدف واحد، وهي ماضية -أي المعارضة- حتى تحقيق الاستقلال الثاني، وقيام جمهورية جديدة لا مكان فيها للقتلة والمجرمين كما يذهب إلى ذلك رئيس حكومة المنفى.

كما أن سوريا ستكون جمهورية جديدة لكل السوريين، هي جمهورية الإنسان دون تمييز، تعمل على بناء جيش وطني يصد العدوان ولا يصوب سلاحه نحو المواطنين السوريين.

ومن المهام التي تنتظر الحكومة الجديدة هي وضع الأسس لبناء مؤسسات وطنية فاعلة تسعى لضبط الأمن وبسط السيادة الوطنية وإعادة إطلاق العجلة الاقتصادية. وذلك لن يتم إلا تحت سقف الوحدة لا العمل كقوى متنافرة. ويرسم طعمة صورة لسوريا الجديدة التي تريدها المعارضة فرأى أنها ستقوم فيها جمهورية جديدة لكل السوريين، جمهورية الانسان لا مكان فيها للقتلة والمجرمين، كما ستقوم بترسيخ قيم الثورة العظيمة وتحقيق المساواة بين المواطنين. ولن يكون هناك محروم من حقوقه المدنية ولا سجين من دون وجه حق.

مطالب طعمة تنسجم تماما مع مطالب الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية الذي يصر على حظر استخدام الأسلحة الكيميائية التي أدت إلى خسائر في الأرواح بأكثر من 1400 مدني سوري، وإلى حظر استخدام القوة الجوية والأسلحة الباليستية على المراكز السكنية.

ويرى أن الاقتراحات الروسية تشجع النظام على الاستمرار في سلوكه العدواني داخل سوريا، وتعطيه الحيز السياسي الذي يحتاج إليه لتصعيد حملته العسكرية. وأن تأمين الأسلحة الكيميائية يجب ألا يكون على حساب السعي لتحقيق العدالة وتقديم مرتكبي الهجمات بالأسلحة الكيميائية إلى المحكمة الدولية.

ويجب التعامل مع المبادرة الروسية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لمنع تملص النظام وإجباره على الانضمام إلى اتفاق حظر استخدام الأسلحة الكيميائية في الصراعات المسلحة والحروب. رئيس حكومة المنفى مقتنع كامل الاقتناع بهذه المطالب ذلك أن النظام السوري يحاول ربح الوقت من خلال المبادرة الروسية أملا في إيجاد مخرج له يجنبه السيناريو الليبي.

وكما ذهب إلى ذلك العديد من المراقبين للمشهد السياسي السوري، فإن المهام التي سيتولاها طعمة لن تكون سهلة وأن الطريق أمامه لن تكون دون مطبات خاصة مع تبدل ملحوظ في الموقف الاميركي تجاه الكيفية التي ستعالج بها الأزمة السورية.


التحديات المنتظرة

إضافة إلى الأدوار والمهام الصعبة التي سيجد أحمد طعمة صعوبات عدة في القيام بها وفي تحويلها إلى واقع ملموس، فإن هناك العديد من التحديات بانتظاره التي قد تعطل بعضا من انتظاراته واستشرافاته. ومن بين تلك التحديات العمل على تأسيس إدارة مركزية في المناطق الخاضعة لسيطرة مقاتلي المعارضة، والتي تعمل فيها مئات الألوية دون قيادة موحدة، بما ينذر بالفوضى إضافة إلى أن مقاتلي القاعدة يتمتعون فيها بوجود كبير.

فالإدارة المركزية دورها الأساسي يتمثل في العمل التنسيقي بين كل أطياف المقاتلين الموزعين على كامل أرض سوريا، وذاك التنسيق سيدعم المجهود الأساسي الذي هدفه إسقاط نظام بشار. كما سيكون من مهام هذه الإدارة توفير المساعدات اللازمة للمقاتلين التي تساعدهم على الصمود ومواجهة آلة القتل المتطورة التي يملكها الجيش النظامي.

ويرى طعمة أنه ابتداء من المعابر يمكن أن يتقدم المقاتلون خطوة خطوة، ويبسطون الأمان على المناطق المحررة، فضلا عن استعادة الخدمات الأساسية وخدمات الصحة والتعليم.

ويذهب بعض المراقبين إلى أن توحيد مقاتلي المعارضة سيشكل تحولا مهما في مواجهة جيش الأسد، ذلك أن عدم التنسيق بين فصائلها ومكوناتها المقاتلة سمح للنظام باستغلال ذاك التفرق والتشتت ونجح في الحد من خطورة تحركاتها وتمكن في بعض الأماكن من القضاء عليها.

وتأسيس الإدارة المركزية يعني بالضرورة خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح، حيث ستمكن المقاتلين من تنسيق تحركاتهم وتحديد أهدافهم وخططهم وتقسيم الأدوار فيما بينهم.

لكن ذلك لن يكون سهلا في ظل الأجهزة النظامية التي تراقب كل شبر من تراب سوريا، لذا فإن تحرك أعضاء تلك الإدارة لن يكون متاحا بالسهولة التي تراها المعارضة.

فالتحديات التي سيواجهها أحمد طعمة عديدة ومتنوعة خاصة في ظل التطورات الأخيرة التي شهدتها الأزمة السورية وانزياح المقاربة الأميركية نحو الحل الدبلوماسي. لكن رئيس الحكومة المؤقتة لديه تفاؤل كبير بخروج سوريا من محنتها والعبور بها إلى بر الأمان، فهل ينجح طعمة في ما عجز عنه سلفه هيتو؟

12