أحمد عبيد بن دغر رجل اختزال المراحل واختيار التوقيت المناسب

الأحد 2016/04/10
دهاء سياسي

صنعاء - على الرغم من هدوئه الظاهر الذي يمنح انطباعا عن شخصيته الحضرمية التقليدية التي لا تميل للانفعال، إلا أن سيرة رئيس الوزراء اليمني الجديد أحمد عبيد بن دغر السياسية تحفل بالمواقف المثيرة للجدل والتقلبات العنيفة التي ميزت مسيرته خلال أربعة عقود.

ولد بن دغر في قرية موشح في شبام حضرموت في ديسمبر من العام 1952. درس في قريته الصغيرة، قبل أن ينتقل إلى المدرسة الحكومية في وادي بن علي حيث درس المرحلة الإعدادية في حوطة أحمد بن زين، ليتخرج من المدرسة الثانوية في العام 1976 من إحدى مدراس مدينة سيئون عاصمة وادي حضرموت.

عاصر بن دغر في فترة شبابه، ذروة الحراك الثوري واليساري الذي عم أرجاء جنوب اليمن والذي قاد في نهاية المطاف إلى اندماج مجموعة من القوى اليسارية والقومية عقب مغادرة بريطانيا، لتأسيس الحزب الاشتراكي اليمني، الذي تولى السلطة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

كان لطبيعة الدولة الاشتراكية في ذلك الوقت تأثير بالغ في تكون شخصية وميول بن دغر الذي بدأ نشاطه مبكرا في المجال التعاوني، وعلى وجه الخصوص في الجمعيات التعاونية الزراعية، حيث عمل في العام 1973 مديرا لتعاونية شبام الزراعية وهو النشاط الذي تدرج من خلاله ليصبح رئيسا لاتحاد الفلاحين في جنوب اليمن أواسط السبعينات.

وعلى الرغم من بزوغ نجمه في المجال التعاوني الذي ظل على علاقة به حتى قيام الوحدة اليمنية، إلا أنه قرر الانتقال إلى مستوى آخر في حياته المهنية وهو ما تطلب منه مغادرة مسقط رأسه في أقصى شرق اليمن والانتقال إلى مدينة عدن لإكمال دراسته في جامعة عدن.

اختزال المراحل

شهد العام 1986 صراعا داميا بين أقطاب الحزب الاشتراكي اليمني في جنوب اليمن، وهو الصراع الذي نتج عنه اختفاء معظم وجوه الصف الأول من قادة الحزب التقليديين الذين أمسكوا بزمام الحزب والدولة منذ منتصف ستينات القرن العشرين.

ونتيجة لطبيعة حضرموت التي لم تكن طرفا في الصراع الذي نشب في الأساس بين قادة الحزب المنتمين إلى محافظتي أبين والضالع الذين كانوا يتقاسمون النفوذ، ولشخصية بن دغر ذاته التي لا تنحاز بشكل كامل وعنيف لأي طرف، فقد تضافرت مواهب الرجل الذاتية مع الظروف السياسية في آن، الأمر الذي مكن الشاب الحضرمي الطموح من الانتقال إلى مرحلة جديدة في مسيرته، وساعده على إبراز قدراته الفائقة في اختزال المراحل، ليحصد العديد من المناصب الرفيعة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، حيث تم انتخابه عضوا في مجلس الشعب عن دائرة شبام في حضرموت.

ثم انتخابه عضوا في هيئة رئاسة مجلس الشعب الأعلى (هيئة رئاسة الدولة) وعضوا في اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني، ثم عضوا في المكتب السياسي، ورئيسا لدائرة الثقافة والإعلام في الحزب.

علي سالم البيض وبعد انهيار علاقته مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح وفي ذكرى إعلان الوحدة قرأ عبر تلفزيون عدن بيانا هاما أعلن فيه فك الارتباط مع الشمال وإنهاء الوحدة. قالت المصادر إن أحمد عبيد بن دغر الذي كان في تلك المرحلة أحد صقور الصراع مع الشمال هو من صاغ ذلك البيان

تحولات عميقة

بعد إعلان قيام الوحدة اليمنية بين شطري اليمن، تم دمج مؤسسات الدولة. وبموجب ذلك التغيير أصبح أحمد عبيد بن دغر عضوا في مجلس النواب الموحد وعلى الرغم من سعي الرئيس السابق علي عبدالله صالح إلى تذويب المؤسسات الجنوبية في إطار جديد بهدف السيطرة على مفاصل الدولة، إلا أن الحزب الاشتراكي اليمني ومن خلال نفوذه السابق في جنوب اليمن، ظل محافظا على هيمنته على مراكز نفوذه قبل الوحدة، وهو الأمر الذي ظهر جليا من خلال أول انتخابات نيابية بعد الوحدة. حيث حصد الحزب كل المقاعد النيابية في المحافظات الجنوبية، وكان أحمد عبيد بن دغر أحد الذين عادوا إلى مجلس النواب الجديد عن دائرته في مديرية شبام.

كانت العلاقة بين الرئيس صالح ونائبه علي سالم البيض قد بلغت أسوأ مراحلها، الأمر الذي دفع الأخير إلى مغادرة العاصمة صنعاء والعودة إلى عدن.

وفي ذكرى إعلان الوحدة تلا البيض عبر تلفزيون عدن بيانا هاما أعلن فيه فك الارتباط مع الشمال وإنهاء الوحدة، وقالت العديد من المصادر إن أحمد عبيد بن دغر الذي كان في تلك المرحلة أحد صقور الصراع مع الشمال هو من صاغ البيان.

نشبت حرب صيف 94 واجتاحت قوات الرئيس صالح جنوب اليمن. وأنهت نفوذ الحزب الاشتراكي اليمني في المحافظات الجنوبية، وتم تحجيم دور الحزب إلى درجة غير مسبوقة، وغادرت الكثير من قياداته المؤثرة والبارزة. كما سعى الكثير من مراكز القوى التقليدية في الشمال لحل الحزب، غير أن صالح آثر أن يظل الحزب يتمتع بدور تقليدي في الهامش كغيره من الأحزاب.

وقد شهدت تلك المرحلة ما يمكن أن يقال إنه احتجاب لبن دغر، الذي انتقل إلى العاصمة المصرية القاهرة، حيث قرر أن يستثمر وقت فراغه الطويل في تحقيق إنجاز شخصي إضافي من خلال مواصلة دراساته العليا. ليحصل في العام 1997 على دبلوم في الدراسات التاريخية من معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة. وهو ذات العام الذي أصدرت فيه المحكمة في صنعاء حكمها بإعدام من أطلق عليهم قائمة الـ16 والتي تضمنت أسماء أبرز قيادات الحزب الاشتراكي اليمني، التي اتهمت بالتخطيط للانفصال وكان بن دغر من ضمن القائمة. غير أن الرئيس صالح قلص في وقت لاحق قائمة المشمولين بالإعدام لتنحصر في أربعة اشخاص فقط على رأسهم علي سالم البيض.

واصل بن دغر مسيرته الخاصة في المنفى وحصل على درجة الماجستير في التاريخ عن رسالة بعنوان “حضرموت والاستعمار البريطاني”، ليتوج هذه المرحلة بالحصول على درجة الدكتوراه عن بحثه الموسوم "اليمن تحت حكم الإمام أحمد".

بن دغر يعتبر من أقرب المقربين من صالح قبل أن ينشق عنه ويهاجمه هجوما عنيفا متهما إياه بتحويل حزب المؤتمر إلى مجرد ميليشيا

بين حزبين

قبل أيام من انعقاد المؤتمر العام الخامس للحزب الاشتراكي اليمني في العام 2005 بأيام، عاد أحمد عبيد بن دغر من رحلته القاهرية الطويلة برفقة رفيقه العتيد في الحزب ياسين سعيد نعمان. في ذلك المؤتمر تم انتخاب نعمان أمينا عاما للحزب وبن دغر عضوا في الأمانة العامة ورئيسا للدائرة الإعلامية.

كان الحزب الاشتراكي اليمني يمر بأسوأ مراحله ويحاول جمع شتاته المتناثر، وهو على الأرجح ما لم يتناسب مع حجم الطموح الذي حمله معه بن دغر من منفاه الطويل. بعد عام واحد ودون أي مقدمات، أعلن استقالته وانضمامه إلى حزب المؤتمر الشعبي العام في سياق ما وصف بالصفقة.

أصبح بن دغر عضوا في أعلى هيئة حزبية في حزب صالح. وعُيّن عضوا في اللجنة العامة للمؤتمر الشعبي العام، وما لبث أن شغل منصب رئيس دائرة المنظمات الجماهيرية في الحزب ليتم انتخابه في العام التالي وبذات السرعة القياسية أمينا عاما مساعدا لقطاع الفكر والثقافة والإعلام.

بشخصيته الكاريزمية وخبرته السياسية المتراكمة، استطاع بن دغر أن يصبح من أقرب المقربين من صالح. وعندما اندلعت موجة الاحتجاجات الشعبية ضد الأخير في العام 2011 كان الكثير من المراقبين يتوقعون أن يكون بن دغر أول المغادرين، غير أن ذلك لم يحدث، وهو الأمر الذي أثار العديد من علامات الاستفهام.

ظهر بن دغر إلى جوار صالح في الأوقات العصيبة التي مر بها في تلك الفترة، وتعرض لانتقادات غير مسبوقة وهجوم إعلامي حاد، عندما ظهر إلى جوار الرئيس السابق في منصة ميدان السبعين وهو يومئ برأسه إعجابا، وعندما كان صالح يصف الربيع العربي بأنه ربيع صهيوني يدار من غرف مغلقة في تل أبيب، ويهاجم شباب الساحات ويتهمهم بالاختلاط غير الشرعي في الساحات.

بن دغر يتمتع بالقدرة على اتخاذ القرار السياسي في الوقت المناسب، فعندما كان الحزب الاشتراكي يمر بأسوأ مراحله ويحاول جمع شتاته المتناثر، لم يتناسب مع حجم الطموح الذي حمله معه من منفاه الطويل، فأعلن استقالته وانضمامه لحزب المؤتمر الشعبي في سياق ما وصف بالصفقة، ليصبح بن دغر عضوا في أعلى هيئة حزبية في حزب صالح

من جناح الحمائم

لم يمض الكثير من الوقت قبل أن يكسب بن دغر الرهان، حين أفضت الاحتجاجات إلى حل سياسي وتقاسم حزبي. وقع نيابة عن حزبه على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، كما تم تعيينه وزيرا للاتصالات وتقنية المعلومات في حكومة الوفاق الوطني التي رأسها محمد سالم باسندوه.

وصف بن دغر بأنه من جناح الحمائم في فريق المؤتمر الشعبي العام في الحكومة، حيث اتهمه الكثير من عناصر الحزب بعدم الوقوف بحزم تجاه القرارات التي كانت تستهدف كوادر حزب المؤتمر في المؤسسات الرسمية. لم يعر اهتماما لتلك الاتهامات، بل كانت علاقته تنمو مع قيادات أحزاب المعارضة، في ذات الوقت الذي كان لايزال يكسب ثقة صالح المطلقة.

عندما انتقلت السلطة للرئيس عبدربه منصور هادي وتدهورت العلاقات بين صالح وهادي قام بن دغر بدور الوسيط وهو ما أكسبه ثقة الرئيس هادي كذلك، واتهمه البعض بأنه قام في تلك المرحلة بدور شبيه بدور العميل المزدوج، حيث اعتقد كل من صالح وهادي بأنه يقف في صفهما.

في العام 2013 مثل بن دغر حزب المؤتمر الشعبي العام في مؤتمر الحوار الوطني. وبعدها، وفي إطار التعديل الوزاري في حكومة الوفاق الوطني، الذي عكس حجم الخلاف بين صالح وهادي وعمل من خلاله الأخير على التخلص من أذرع صالح في الحكومة، عيّن بن دغر نائبا لرئيس الوزراء وزيرا للاتصالات وتقنية المعلومات.

انشقاق بن دغر عن صالح ضربة قاسية وموجعة للرئيس السابق ما أكسبه ثقة هادي الذي عينه مستشارا خاصا له قبل أن يسميه مؤخرا رئيسا للوزراء

في الفترة اللاحقة شهدت الساحة اليمنية تحولات متسارعة ودخل الحوثيون بشكل مباشر على خط الأزمة وفي 21 سبتمبر سيطرت ميليشياتهم على العاصمة صنعاء وأسقطوا بقية المحافظات بتعاون من صالح الذي استخدم نفوذه لتسهيل إسقاط المحافظات وتسليم المعسكرات ومؤسسات الدولة.

ظل بن دغر يلتزم الصمت خلال هذه الفترة، كما أنه حظي بحماية الرئيس السابق الضمنية فلم يتعرض لأي استهداف من قبل الحوثيين كما هو الحال مع نظرائه الذين فرضت على الكثير منهم الإقامة الجبرية.

في مارس من العام الماضي 2015 أعلنت السعودية ودول التحالف العربي التدخل العسكري في اليمن وانطلاق عاصفة الحزم. ومع تلك المرحلة بدأت دائرة صالح الضيقة تتعرض للتفكك، وخصوصا من قبل السياسيين البراغماتيين المحيطين به، ومنهم بن دغر الذي تميز، بحسب مراقبين، بقدرته الفائقة على استشراف المستقبل السياسي واستباق التحولات السياسية في الوقت المناسب. ربما كانت لدراساته التاريخية علاقة بهذه القدرات التي تجلت مرة أخرى بعد عاصفة الحزم.

في أبريل 2015 كشفت العديد من المواقع الإخبارية عن وصول بن دغر إلى سلطنة عمان وانشقاقه عن صالح، وسرعان ما ظهر بن دغر في الرياض، وقد مثل انضمامه إلى الشرعية أقسى ضربة سياسية يتعرض لها الرئيس السابق نظرا لمكانته الحزبية وقربه الشديد من صالح.

في الرياض بدأ بن دغر مرحلة جديدة من حياته السياسية الحافلة. فرح الرئيس هادي بهذه الهدية الثمينة التي حصل عليها في سياق معركة كسر العظم التي يخوضها مع صالح، وعينه مستشارا خاصا له.

كشف بن دغر في أول مقابلة له بعد وصوله إلى الرياض وفي مقابلة خاصة مع قناة “العربية” عن أسباب انشقاقه عن صالح، التي أرجعها إلى تحالفه مع من وصفهم بالإماميين، كما كشف عن جوانب من شخصية صالح السياسية وتعامله مع الأزمات.

أوكلت إلى بن دغر مهمة إعادة بناء النسخة الموالية للشرعية من حزب المؤتمر الشعبي العام، وفي غمرة صراع هادي مع نائبه ورئيس وزرائه خالد بحاح، خدمت التحولات وربما نجح دهاء الرجل الحضرمي الهادئ في إعادته إلى الواجهة مرة أخرى وبنفس السرعة القياسية، حيث أصدر الرئيس هادي قرارا بتعيين أحمد عبيد بن دغر رئيسا للوزراء في ذكرى مرور عام على وصوله إلى الرياض.

7