أحمد عز ضارب طبل كان يعزف لتوريث جمال مبارك

الأحد 2014/08/17
أحمد عز رجل المال والسياسة

القاهرة - شاب طويل الشعر نحيف الجسم قصير القامة يعزف على آلة الدرامز في ملهى ليلى، في العشرينات من عمره، و سياسي أنيق، يقف على رافعة خشبية على منصه أمام الكاميرات في المؤتمر العام السادس للحزب الوطني الحاكم في مصر نهاية أكتوبر 2009، يهتف: “تحية لجمال مبارك مفجر ثورة التحديث والتطوير في الحزب”، ثم يصفق بطريقة هستيرية لدقائق قبل أن يشن هجوماً حاداً على المعارضة والإعلام، بهذه الصورة الذهنية لا يزال أحمد عز أمين تنظيم الحزب الوطني المنحل محفورا في ذاكرة الجماهير المصرية.


الطفل المعجزة


بهذا الوصف كان رموز المعارضة المصرية، يسخرون في جلساتهم الخاصة من صعوده غير المبرر إلى الدائرة الضيقة في الحزب الحاكم في عهد الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك، لكنهم كانوا يربطون الصعود السريع لسدة الحكم، بعلاقته الوطيدة بجمال مبارك، ودوره في مشروع التوريث الذي كانت ملامحه تتشكل سريعا، قبل أن تعصف به ثورة 25 يناير 2011.

حارب وحاربه الجميع، المعارضة والإعلام، والرأي العام، بل والحرس القديم في حزبه الحاكم، لم توقف المعارك المعلنة والخفية، نفوذه السياسي والمالي المثير للشبهات، وأجاد معادلة خلط المال بالسياسة، ليخدم كل طرف في المعادلة الطرف الآخر، إلا أنه فوجئ بالمعبد ينهار على أركان النظام، ليقبع أكثر من ثلاثة سنوات خلف القطبان.

هو مهندس التوريث، و إمبراطور الحديد، وعازف الدرامز الذي أسقط النظام بعد أن خطط وأدار أكبر عملية تزوير في تاريخ الانتخابات البرلمانية المصرية، لتخرج نتيجتها 90 بالمئة لصالح الحزب الوطني، لكنها كانت القشة التي قصمت ظهر النظام، فتحالف الفرقاء من أجل إقصاء مبارك ورجاله من المشهد السياسي.


سحق المعارضة


يومها وقف كالطاووس مزهوا بانتصاره المزعوم وسحق المعارضة، وشعبية حزبه التي عكستها نتائج التصويت، في انتخابات 2010، ليصل به التفاخر أن وقف تحت قبة البرلمان في أولى جلساته يرد على اتهامات، المعارضة قائلاً: “الحريات في مصر بلغت أعلى سقف، والمعارضة تتمتع بحرية لم تشهدها من قبل، والشعب لا يشعر بأيّ كبت لأنه لو مكبوت كان نزل الشارع”.

إلى خلف القضبان، نحو ثلاثة أعوام، حتى أخلت المحكمة سبيلة فى 7 أغسطس – آب الجارى بكفالة 250 مليون جنيهاً مصرياً (حوالى 35 مليون دولار) على ذمة قضايا فساد وغسيل أموال وممارسات احتكارية، ليعيد إطلاق سراحه الجدل من جديد.


سليل حملات التطهير


ولد أحمد عبدالعزيز عز في 12 يناير 1959، والده العميد عبدالعزيز عز، الذي أحيل للتقاعد في ما عرف بحملة تطهير القوات المسلحة عقب نكسة 1967، والإطاحة بالمشير عبدالحكيم عامر ورجاله.

حصل أحمد عز على بكالوريوس الهندسة من جامعة القاهرة، غير أنه خلال فترة دارسته، حاول أن يسلك طريق الفن، مستنداً إلى إتقانه للعزف على آلة الدرامز، فالتحق بفرقة “طيبة” الموسيقية التي أسسها الشقيقان مودي وحسين الإمام، والتي كانت تحيي الحفلات والسهرات، بأحد كازينوهات القاهرة، لكن عز وجد سقف طموحه أعلى من أن تحققه فرقة فنية، فاتجه إلى البيزنس لجني الملايين ومنه إلى السياسية لجني المزيد، فقد تعلم من آلة الدرامز كيف يعزف على طبول عدة في وقت واحد.

كان عز على استعداد لدفع الملايين، لإخفاء ذلك الفيديو الذي ظهر فيه عازفاً، قبل أن يتسرب لمعارضيه وخصومه السياسيين، في وقت بات فيه، الملياردير، سياسياً مرموقاً، يحرك الأغلبية داخل البرلمان بأصابع يديه.

ثروته كانت 30 ألف دولار ووصلت بعد تطور علاقته مع جمال مبارك إلى 7 مليار دولار على الأقل


بداية الثروة


بدأت ثروة عز والمقدرة اليوم بـ30 مليار جنيه (نحو 4.5 مليار دولار)، بـ200 ألف جنيه فقط في الثمانينات، عندما أنشأ والده متجرا لبيع الحديد الخردة بمنطقة السبتية في وسط القاهرة، بعد إنهاء خدمته بالقوات المسلحة، ليتوسع في تجارته بتأسيس “شركة عز للتجارة الخارجية” ومقرها آنذاك 8 شارع السد العالي بالدقي، حصلت على حصص حديد تقدر بـ40 طن فقط شهريا، وتوسعت في شراء هياكل الطائرات الخردة المدمرة أثناء الحرب، والسيارات، لبيعها لمصانع تعيد صهرها.

في العام 1990 بدأت توسعات أحمد عز ووالده، عندما تقدم بطلب إلى المهندس حسب الله الكفراوي وزير الإسكان والتعمير كمستثمر صغير للحصول على قطعة أرض بمدينة السادات، لينشئ أول مصنع “العز لحديد التسليح”، برأس مال 450 مليوناً، كان الجزء الأكبر منها قروضا بنكية، وكان أن التحق بعضوية الحزب الوطني الحاكم بأمانة السادات عام 1990، مستغلاً تواجده وعمله بالمدينة، ليتولي في العام 1995 موقع أمين الحزب الوطني بمدينة السادات، ليبدأ رحلة خلط المال بالسياسة.

لم يكن رأس مال المصنع الذي شهد توسعات متسارعة، خالياً من الشبهات، فقد اتهم عز ووالده بتجارة العملة في عام 1985، حيث حررت الإدارة العامة للرقابة علي النقد الأجنبي التابعة للبنك المركزي خطابا إلي مباحث الأموال العامة بتاريخ 8 مارس1989 يحمل رقم 58/8 قالت فيه: “نتشرف بالإفادة أنه خلال قيام مفتشي هذه الإدارة بمراجعة الاعتمادات المستندية المفتوحة عن طريق بنك هونج كونج والمصري المركزي الرئيسي بالزمالك والبنك المصري الأميركي فرع المهندسين وبنك القاهرة قصر النيل وبنك مصر العربي الأفريقي والبنك التجاري الدولي تبين قيام المستورد “شركة عز للتجارة الخارجية” ومقرها 8 شارع السد العالي الدقي بفتح اعتمادات عن طريق هذه البنوك بمبالغ كبيرة خلال عامي 1988، 1989 لاستيراد لحوم مجمدة وحديد تسليح موضحا بيانها بالكشف المرفق.

وأضاف البلاغ الذي أرفق به أسماء البنوك المودع بها النقد الأجنبي وقيمته التي تجاوزت ثلاثة ملايين دولار، في وقت كانت قيمة الدولار تقارب قيمة الجنية المصري: “ولما كان قيام هذه الشركة بفتح اعتمادات وتمويلها بمبالغ كبيرة خارج نطاق السوق المصرفية الحرة.. فقد رأينا الكتابة إلي سيادتكم للتفضل بالإحاطة والتكرم بالتنبيه باتخاذ ما ترونه لازما في هذا الشأن”.

بدأ تجربة التوريث بالسيطرة على النقابات وإقصاء المعارضة عن البرلمان فكانت القشة التي أشعلت الثورة

على الفور أصدر اللواء زكى بدر وزير الداخلية تعليماته للأجهزة المختصة باتخاذ اللازم، فقامت بضبط نصف مليون دولار مع السكرتير الخاص لوالد أحمد عز الذي اعترف في التحقيقات بأنه تم جمعها من السوق السوداء ببورسعيد لحساب السيد عبدالعزيز عز والد أحمد عز، وقيدت القضية تحت رقم 5123 لسنة 97 حصر وارد مالية.. وعلى الفور ألقي القبض على العميد عبدالعزيز عز وصدر قرار بحبسه لمدة 82 يوما، وخضع المهندس أحمد عز للتحقيق، وحصل على البراءة وردت المبالغ المصادرة إليه، بعد أن دفع عز ووالده بأن المبالغ تم تجميعها من السوق الحرة ببورسعيد وأن ذلك لا يوقع ضررا بالاقتصاد القومي، إلا أن شبح تجارة العملة ظل يلاحقهم.


مع جمال مبارك


تضاربت الروايات حول بداية العلاقة بين أحمد عز وجمال مبارك، فقيادات بالحزب الوطني المنحل قالت لـ”العرب” إن مؤتمر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للتعدين عام 1996 “كان بداية العلاقة بين جمال مبارك وأحمد عز، حيث التقيا في هذا المؤتمر الذي شاركا فيه، ليبدأ بعدها أحمد عز في تمويل جمعية شباب المستقبل التي أسسها جمال مبارك، لخلق كوادر شبابية يستعين بها في تطوير الحزب، وتكون قاعدة شبابية تدعمه مستقبلا في انتخابات الرئاسة التي كان يسعى إليها خلفاً لوالده.

في العام 2000 خاض عز الانتخابات البرلمانية على قوائم الحزب الوطني، وبدعم من كمال الشاذلي أمين تنظيم الحزب الوطني الأسبق، نجح عز وتولى في ذلك البرلمان رئاسة لجنة الخطة والموازنة في عام 2002، واقترب أكثر من جمال مبارك، لينضم معه وثلاثة آخرين من قيادات الحزب إلى لجنة مصغرة لإعداد خطة إصلاح الحزب، وهو ما تم طرحه في المؤتمر العام.


صراع الحرس القديم والجديد


أحمد عز عازف الدرامز الذي يجيد العزف على أدوات عدة، أجاد العزف على أوتار طموح جمال مبارك السياسي، وتخوف الحرس القديم بالحزب الوطني من مشروع توريث الحكم، ففي رأس السلطة كانت جبهتان تشكلتا، الأولى تؤيد فكرة تصعيد جمال مبارك لحكم مصر، خلفاً لوالده في انتخابات 2010، وتضم هذه الجبهة جمال مبارك أمين السياسات، وأحمد عز أمين العضوية الذي مكنه موقعه الجديد من الاطلاع على قواعد بيانات الحزب بمختلف أنحاء الجمهورية وآخرين.

أما الجناح المعارض للتوريث الداعي لأن يخوض مبارك انتخابات أغسطس 2011، فكان يقوده فتحي سرور رئيس مجلس الشعب سابقا، وصفوت الشريف الأمين العام للحزب، وزكريا عزمي رئيس ديوان رئاسة الجمهورية، وعلي الدين هلال أمين الإعلام، وتلك الجبهة كانت تخشى من توجه جمال مبارك الساعي للإطاحة بهم لصالح مجموعة رجال الأعمال وفى مقدمتهم أحمد عز.

المعارضة لقبته بالطفل المعجزة بعد أن أتقن لعبة خلط المال بالسياسة


أتباع وأعداء


عز كان يعشق لغة الأرقام التي يجيدها في حساب أرباحه المالية، إلا أن حسابات عز جاءت عكس ما يشتهى، وتقدم 180 مرشحا بطعون يتهمون الحزب الوطني بالتزوير، مطالبين الرئيس بالتدخل، لكن مبارك خيب آمالهم في الجلسة الافتتاحية لمجلس الشعب وأعلن انحيازه لعز قائلا عن المعارضة “خليهم يتسلوا”.

عز الذي نجح في شق صفوف الحزب إلى جبهتين، أتباع وأعداء، نجح في جمع صفوف المعارضة في مواجهة الحزب الوطني فانفجرت الثورة وكان هو أهم عوامل إسقاط النظام.

عز الذي أمر النائب العام عقب ثورة 25 يناير 2011 بإلقاء القبض عليه، الآن يحاكم بتهم الاستيلاء على أسهم شركة “الدخيلة للحديد والصلب-الإسكندرية، وتحويلها إلي شركة عز الدخيلة” واحتكار صناعة الحديد والصلب واستغلال النفوذ للاستيلاء على المال العام، وغسيل الأموال، وتكوين ثروات طائلة بطرق غير مشروعة.

كانت محكمة جنايات الجيزة برئاسة المستشار المحمدي قنصوة، قضت في مارس 2013، بسجن أحمد عز 37 عامًا عن مجمل التهم الموجهة إليه في قضية “أسهم حديد الدخيلة”، بعد أن أكدت التحقيقات أنه أضر عمدًا بالمال العام، وحقق لنفسه وبمعاونة بعض المتهمين أرباحًا بغير حق بلغت نحو 4 مليارات و821 مليون جنيه، خلال الفترة من 2001 إلى 2011.

جاء بحيثيات الحكم أن أمين تنظيم الحزب الوطني المنحل أسقط الغرامات المستحقة لشركة “الدخيلة” على شركاته الخاصة، وقام بتخفيض قيمة رأس مال الشركة بمقدار مديونيتها لديه، وباع منتجات الدخيلة لشركته الخاصة بالأجل وبأقل من تكلفة الإنتاج، والاقتراض من بنوك خارجية بفائدة أعلى لسداد أقساط قروض داخلية بفوائد أقل، وشراء شركة “الدخيلة” لأسهم إحدى شركاته الخاصة لمساعدتها في عثرتها.

في أكتوبر من العام 2012 عاقبت محكمة جنايات القاهرة برئاسة المستشار مكرم عواد أحمد عز بالسجن 7 سنوات وتغريمه بصفة أصلية 12 ملياراً و858 مليون جنيه، وبصفة إضافية 6 مليارات و429 مليون جنيه لإدانته بارتكاب جريمة غسل الأموال المتحصلة من جريمتي التربح والاستيلاء على المال العام، لكن محكمة النقض قبلت طعن عز، لتعاد محاكمته، وقضت الدوائر القضائية بإخلاء سبيله بكفالات ومنع سفره إلى حين الفصل في القضايا.
9