أحمد عز: ضخامة الإنتاج تستهدف تخليد الحدث التاريخي

أحمد عز يقول إن إلى أن النكسة لم تكن عسكرية فقط، فجزء منها معلوماتي ومدني وحالة نفسية أدت إلى أخطاء جسيمة، وتضليل وارد.
الثلاثاء 2019/06/18
نحو تغيير الصورة الذهنية لدى المواطنين عن نكسة 67

نجح الفنان المصري أحمد عز، بنبرة صوت مميزة ونظرات حادة في أداء دور الضابط المنضبط المسؤول، وتمكن من خطف قلوب المشاهدين ليصطحبهم في رحلة مع إحدى جولات الصراع العربي الإسرائيلي، عندما جسد دور القائد العسكري “نور” الذي يبحث عن حق وطنه ولا يعرف سوى لغة الانتصار، وهو ما أعاد إلى الأذهان أسطورة “رجل المستحيل” (أدهم صبري) الذي ارتبطت به أجيال عديدة وعاشت معه القصص والمغامرات ليكون في خيالها نموذجا للبطل.

القاهرة – استطاع أحمد عز من خلال الفيلم المصري “الممر” المعروض حاليا في الكثير من دور العرض السينمائية، أن يجذب قطاعا كبيرا من الجمهور المصري ويحطم نظرية إقباله على أفلام الحركة والكوميديا ويلفظ القصص السياسية وحكايات المعارك الحربية، وتقدم شباك الإيرادات، وحجز له موزعو السينما عددا كبيرا من قاعات العرض.

وأكد عز في حواره مع “العرب” أن مصر تملك العديد من البطولات التاريخية التي لم تتطرق إليها السينما، وكان لا بد من تسليط الضوء عليها، لأن الفيلم يتناول مرحلة مهمة وثرية ويدور حولها جدل كبير، مرحلة ما بعد نكسة (هزيمة) 5 يونيو 1967، وما زالت تفاصيلها حاضرة داخل الكثير من الأسر، والهدف توعية الأجيال الشابة بحقيقة ما دار.

وأضاف أن إيصال الرسالة إلى الجمهور كان بحاجة إلى تنفيذ العمل باحترافية وجدية، ما انعكس على الميزانية الضخمة المحددة له، وبلغت حوالي 80 مليون جنيه (نحو 5 ملايين دولار)، بجانب أن فريق العمل جرى اختياره بعناية توازي أهمية الفيلم لأجل أن يكون الفيلم من الأعمال المخلدة للأجيال القادمة.

نكسة عسكرية ومجتمعية

فيلم من نوعية الأعمال الفنية الحربية
فيلم من نوعية الأعمال الفنية الحربية

أراد صناع الفيلم تأكيد أن ما حدث في حرب 5 يونيو 1967 التي احتلت فيها إسرائيل سيناء، “لم يكن نكسة ولا هزيمة ولا حربا بقوانينها”، وهي العبارة التي استخدمها عز في بداية الفيلم، بغرض تغيير مفاهيم المصريين عن تلك الفترة.

وأشار الفنان المصري أحمد عز لـ“العرب” إلى أن النكسة لم تكن عسكرية فقط، فجزء منها معلوماتي ومدني وحالة نفسية أدت إلى أخطاء جسيمة، وتضليل وارد، لأن الجيش لم يحارب أصلا، لكن عندما جاءت الفرصة للتخطيط والدراسة والمصارحة والإخلاص والعمل المبني على علم حققت القوات المصرية انتصارات في كل المعارك الجزئية التي خاضتها، والمعروفة بـ“حرب الاستنزاف” التي قادت إلى انتصار 6 أكتوبر 1973.

وتابع قائلا “التضليل الذي كان موجودا في تلك الفترة، حالة عامة وقتها، بسبب المعلومات الخاطئة وسوء تقدير الموقف، والحالة المدنية التي لم تكن مستعدة للحرب، وكلها أشياء شبه خاطئة، وبالتالي النكسة لم تكن عسكرية فقط، لأنك لم تحارب، لذلك تعرض الفيلم لحالة البلد خلال تلك المرحلة”.

ولم تشهد السينما المصرية أعمالا فنية تركز على فترة حرب الاستنزاف، باستثناء فيلم “أغنية على الممر” الذي عُرِض عام 1972 حول فصيلة مشاة تمركزت قرب أحد ممرات سيناء في حرب 1967 ولم تصلها أوامر قيادتها بالانسحاب، فحوصرت ونقص زادها وعتادها، لكنها رفضت الاستسلام.

ويصور فيلم “الممر” جانبا عسكريا واجتماعيا من بدايات حرب الاستنزاف، ويدور حول مجموعة من ضباط وجنود الصاعقة المصرية التي تلقت أوامر رسمية بتنفيذ عملية قتالية ضد أحد أكبر معسكرات الجيش الإسرائيلي في سيناء، ونفذتها بنجاح ودمرت المعسكر وحررت ما فيه من أسرى مصريين، من دون أن يغرق الفيلم في الخطوط العامة للصراع.

ويشارك أحمد عز بطولة الفيلم كل من هند صبري، أحمد رزق، إياد نصار، أحمد فلوكس، محمد فراج، أحمد صلاح حسني، محمد الشرنوبي، محمد جمعة، أمير صلاح الدين، شريف منير، أنعام سالوسة، حجاج عبدالعظيم، وهو من تأليف وإخراج شريف عرفة.

انتقادات ورسائل متعددة

140 دقيقة من الإثارة والتشويق
140 دقيقة من الإثارة والتشويق

لفت أحمد عز إلى أنه يمكن تصنيف الفيلم على أنه من نوعية الأعمال الفنية الحربية، غير أن مخرجه ومؤلفه شريف عرفة لم يتعامل معه على هذا الأساس، ويرى وفقا لمواصفات خاصة أنه يتناول معركة حدودها المدة الزمنية للفيلم، وبالتالي فإنه لا يتعرض لفكرة الحرب بقدر تركيزه على الفترة التي عاشتها مصر بعد النكسة ومعاناة الناس وظروفهم وحياتهم عبر من يمثلون الجانب العسكري، مع إدخال جوانب إنسانية أضفت بعدا اجتماعيا على الفيلم.

وأوضح الفنان المصري لـ“العرب” أن إدخال العناصر الاجتماعية في الفيلم ظهر من خلال التوسع في تصوير المشاهد بالمنازل والشوارع والغوص في تفاصيل الحياة في تلك الفترة التي مثلها تسليط الضوء على أماكن ذات مغزى مجتمعي معين.

يعد فيلم “الممر” الأول من نوعه الذي يقدم نقدا واضحا لأداء القيادة في مصر خلال حرب يونيو، خصوصا القيادة العسكرية السابقة، ويحملها مسؤولية الهزيمة، وليس الجنود أو الضباط الذين كانوا متمسكين بالقتال حتى اللحظة الأخيرة، حتى صدرت لهم أوامر بالانسحاب من الميدان.

واعترف عز بأن الفيلم حاول رصد الإخفاقات والنجاحات، وحرص على تحميل المنظومةِ التي كانت تدير البلاد بأكملها مسؤوليةَ الهزيمة، وليس شخص الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، بناء على معلومات جاءت في مراجع وكتابات عديدة عن تلك المرحلة، وهو ليس مع أو ضد شخص بعينه، لكن الفيلم روى ما حدث، لأن دور الفنان ليس توجيه المشاهد، إنما هو يحدد بناء على القضية، ويتقبلها كل شخص كما يريد.

وشدد الفنان المصري على أن الفيلم لا ينطوي على أبعاد دينية مباشرة ترتبط بعلاقة المسلمين مع اليهود، لكنه قدم تشريحا للعقيدة الإسرائيلية ومدى قناعة الجنود بها في مواجهة عقيدة عسكرية مصرية ترد على المزاعم التي يتم الترويج لها، وقد يكون البعد الديني متداخلا بشكل غير واضح في مشاهد الفيلم.

واحترم الفيلم عقول المشاهدين، ولم يتعامل مع إسرائيل بالصورة النمطية التقليدية التي تجسدت في معظم الأفلام المصرية، وتظهر جنودها متخلفين، وغير متزنين.

ويحسب لـ“الممر” أنه من الأفلام القليلة التي تلهب حماس الجمهور أثناء مشاهدته داخل صالات العرض، وبدت قصته التي وضعها وأخرجها شريف عرفة محبوكة بشكل جيد، وتفسر كيفية العبور على ممر الهزيمة نحو الانتصار، هو أمر يحتاجه الشباب حاليا، وقد يصبح نجاحه مقدمة لأعمال مشابهة توجه دفة اهتمامات الجمهور وتشكل وعيه.

وقال أحمد عز لـ“العرب”، إنه لمس ذلك بنفسه من خلال ردود أفعال الجمهور، وتلقى مطالبات عديدة بتكرار تقديم الأعمال الوطنية، ونصحه البعض بأجزاء أخرى من الفيلم، وقد يكون ذلك مثار تفكير القائمين عليه الفترة المقبلة، لكن الوصول بنفس الجودة والإتقان يتطلب جهودا إنتاجية وإخراجية كبيرة، لكنها ممتعة ومختلفة عن الأعمال الفنية التجارية.

وذكر أن نجاح الفيلم يرتبط بالعوامل المحيطة به، بدءا من الالتزام بتوقيتات التصوير ودقتها، ما استلزم السفر يوميا إلى محافظة السويس (شرق القاهرة) لتصوير مشاهد الفيلم، واستغرقت نحو شهر مع وجود خطة موضوعة ألزمت كل شخص بالقيام بدوره بصرامة، وساعدت أجواء التركيز على خروج طاقات الممثلين بأفضل شكل ممكن.

حكاية الذخيرة الحية

أحمد عز: التضليل الذي كان موجودا في تلك الفترة، حالة عامة وقتها، بسبب المعلومات الخاطئة وسوء تقدير الموقف، والحالة المدنية التي لم تكن مستعدة للحرب
أحمد عز: التضليل الذي كان موجودا في تلك الفترة، حالة عامة وقتها، بسبب المعلومات الخاطئة وسوء تقدير الموقف، والحالة المدنية التي لم تكن مستعدة للحرب

كشف بطل فيلم “الممر”، أحمد عز، عن استخدام ذخيرة حية عند تصوير بعض المشاهد، وأن القائمين عليه استعانوا بالمدفعية ومضادات الطائرات التابعة للجيش المصري، قائلا “نفذت بنفسي مشاهد تحركات الدبابات ومشاهد السلاح الثقيل والمدفعية، ومشاهد التفجيرات، وهي أمور جديدة بالنسبة إليّ، وتمت في مناطق صحراوية، وهو ما تطلب تصوير غالبية المشاهد في الساعات الأولى من الصباح لتجنب حرارة الجو”.

وكان للقوات المسلحة المصرية دور واضح في خروج العمل إلى النور، وأن مراحل صناعته تمت بمشاركة إدارة الشؤون المعنوية (مختصة بالتوجيه المعنوي والإعلام في الجيش المصري). وتولت، بمشاركة قطاعات أخرى، توفير عملية تأمين أبطال العمل أثناء تصويره، ووجود عدد من مصممي المعارك الدوليين الذين استعانت بهم إدارة الإنتاج في الفيلم لتجنب تعرض حياة أبطاله للخطر وخروجه بصورة تليق بالعمل التاريخي.

وأكد عز في حواره مع “العرب” أن الدخول في تفاصيل المعارك الحربية والظروف الاجتماعية والرغبة في إيصال رسالة واضحة إلى الجمهور دفعا صناع الفيلم إلى زيادة مدته لتصل إلى 140 دقيقة.

كذلك فإن القيمة الإنتاجية الضخمة للعمل، والتي تعادل ميزانية ثلاثة أفلام تجارية، دفعت إلى زيادة مدة الفيلم، ولم يكن الأمر مثار رفض من الجمهور لأنه تفاعل مع الأحداث ولم يشعر بالملل من طول المدة.

وقال عز إن الأفلام التي تعالج قضايا لها ارتباط بالواقع والصفحات المجهولة تحظى بنسب مشاهدة مرتفعة، وتتوافر لها حالة من الالتفاف، وهو ما حدث مع فيلمه السابق “الخلية”، الذي تناول حياة ضباط العمليات الخاصة بوزارة الداخلية المصرية في ظل مواجهة الإرهاب.

ويعتبر أحمد عز من الفنانين الذين اشتهروا بتجسيد شخصية الضابط في أكثر من عمل سينمائي، وقال عن ذلك “إن أداء شخصية ضابط الشرطة الذي يشارك في إحباط عمليات إرهابية متتالية في فيلم الخلية، مختلف تماما عمّا قدمته في الممر، فنور القائد العسكري في الثاني يتمتع بشخصية صارمة ويعرف طريقه وتسببت الهزيمة في انكساره نفسيا واستغرق وقتا كي يخرج منها، حيث كان في حالة اكتئاب جعلته يثور داخليا ليضع نفسه على الطريق الصحيح”.

فيلم "الممر" يعد الأول من نوعه الذي يقدم نقدا واضحا لأداء القيادة العسكرية في مصر خلال حرب يونيو، ويحملها مسؤولية الهزيمة

ويرى عز أن الفن ليس بمقدوره إشعال الثورات أو إنقاذ المجتمعات، لكن من الممكن أن يلقي الضوء على مشكلة ما فيؤدي إلى إحداث تغيير بشأنها عبر إدخال تعديلات قانونية أو تشريعية أو التغيير في سلوك بعض الأشخاص، وبالتالي فالأعمال التي تحمل طابعا توجيهيا قد تحدث نقلة في تفكير المشاهدين، لكن لا تؤثر في مجمل الأوضاع.

وأشار الفنان المصري، الذي قدم أول بطولة درامية له أمام يسرا في مسلسل “ملك روحي”، إلى أن تركيزه في الوقت الحالي على الأعمال التي تحمل طابعا وطنيا لا يعني عدم اقتناعه

 بالأفلام الاجتماعية والكوميدية التي قدم الكثير منها على مدار السنوات الماضية، ويبحث حاليا عن الأعمال التي تقدم فائدة حقيقية للجمهور العريض لوعيه بأهميتها ومنع بث أفكار مشوهة في أذهان الأجيال الجديدة.

وأضاف الفنان المصري أحمد عز في حواره مع “العرب”، أن “فيلم الممر يمثل مرجعية ووثيقة للجمهور في المستقبل، وهذا ما يتمناه كل فنان حقيقي، الذي من المفترض ألاّ يكون بعيدا عن حرب العقول التي تدور حاليا، والجميع لا بد أن يرتدي الزي العسكري (الانضباط) كل في مجاله، ففي هذه الفترة الفن بحاجة إلى أن يعلم العاملون به ضرورة العمل للإصلاح، مع التقدير الكامل لقيمة الأعمال الكوميدية وما تحتوي عليه من تسلية يحتاج إليها الجمهور أيضا”.

15