أحمد عكاشة الطبيب الذي نقل علم النفس إلى الحياة وجعله سببا للسعادة

السبت 2016/04/30
أحمد عكاشة معلم كبير غارق في "فن العيش"

باريس- “أن تكون بصحة جيدة لا يعني أن تكون خالياً من الأمراض، بل أن تعيش جودة الحياة”. بهذه الكلمات يعرّف الدكتور المصري أحمد عكاشة معنى الصحة. ويستبعد كل البعد أن تكون الصحة هي مجرد جسد لا يشكو من الأوجاع.

عكاشة هو الطبيب النفسي الأكثر شهرة في العالم العربي، فهو من جاهد في سبيل إزالة الوصمة الاجتماعية عن المريض النفسي، وقدّم معلومات إرشادية على شبكة الإنترنت، وأصدر الكثير من المؤلفات والأبحاث في مجالي الطب النفسي والسعادة. وهو من أوائل الأطباء النفسيين العرب وكان له الفضل في إدخال وحدة الطب النفسي في جامعة عين شمس القاهرة أواخر ستينات القرن العشرين.

عكاشة في الصحراء

في العام 1935 حيث لم يكن التعليم رائجاً أو متاحاً للجميع، كانت أسرة مدير سلاح حرس الحدود وحاكم الصحراء الغربية محمود عكاشة أسرة متعلمة مثقفة. في هذه الأسرة وفي هذا العام ولد عكاشة ليشهد وهو ابن سبعة عشر عاما ثورة يوليو للضباط الأحرار على الحكم الملكي في مصر، إذ كان شقيقه ثروت عكاشة أحد هؤلاء الضباط، والذي شغل منصب وزير الثقافة ونائب رئيس الوزراء في أول وزارة للجمهورية.

في هذه البيئة كبر صغير العائلة وتخرّج من كلية الطب أواخر الخمسينات من القرن العشرين. لكنه لم يشأ أن يختار التخصّصات الرائجة في ذلك الوقت مثل اختصاصات الأطفال والطب الباطني، فاختار اختصاصاً يكاد يكون نادراً في ذلك الوقت، بل إنه كان محط استهزاء وسخرية في السينما والمجتمع والثقافة الرائجة بين الناس. إنه الطب النفسي.

لكن عكاشة برع في تخصصه، فاهتم بدراسة طباع البشر وتأثير الصحة النفسية على الإنتاج والإبداع والعقل والحياة، فهو الذي يؤكد دوما أن الصحة النفسية هي السعادة والتي يربطها بالرضا عن الذات.

عكاشة يقول إن كل الأديان تقف عادة مع الفقير، وكلها تقول إن الناس سواسية. لكن العلم يقول إن الله خلق 20 بالمئة فقط من البشر أذكياء، وهؤلاء يجب أن يخدموا الباقين. العلم يقول إن الديمقراطية حسب إمكانيات الناس، ولكن الديمقراطية لا تنفع في العلم

تميز بميوله إلى دراسة أحوال البشر وآلام النفس وهو أول من أدخل قسم الأمراض النفسية في كليات الطب بمصر عام 1964، وقبلها كان قد تابع دراسته للحصول على دبلوم الطب النفسي من لندن في عام 1961. وتدرج بوظائف هيئة التدريس بجامعة القاهرة حتى درجة أستاذ الطب النفسي منذ 1976.

المعلم

ما تميز به الرجل منذ بداياته وحتى اليوم، ليس فقط كونه من أوائل الأطباء النفسيين المتميزين في الوطن العربي، بل لأنه نظر للطب النفسي نظرة مختلفة وتعامل معه كطريقة لتحسين الحياة، فكان معلما روحياً، أو يكاد، ومرشداً نحو حياة صحية مليئة بالعطاء.

ربط عكاشة حياة الإنسان كاملة بصحته النفسية وربط الصحة النفسية بالحياة المتوازنة اجتماعيا وسياسياً، فكان أول من يشبك بين سعادة الفرد والنظام السياسي القائم، ويلج إلى مشكلات المواطن العربي، ليس المصري فقط. إذ يتشابه الحال في المجتمعات العربية قاطبة، في حكم القمع والمحسوبية والظلم ما يؤثر على السعادة وعلى الإنجاز فيمسي المواطن العربي مصابا بالحزن والاكتئاب. وينجر إلى الهمّ والوهم وهو أساس المرض، ويبتعد عن الإحساس بالمواطنة والانتماء للوطن نتيجة لعدم حصوله على فرصه المستحقة ولعدم تقدير إنجازاته وعطاءاته. وهنا يقول عكاشة في كتابه “ثقوب في الضمير”، “عندما يحدث الخلل في الصحة سيحصل بالضرورة خلل في الأخلاقيات، الشعور بالظلم يفقد المرء قدرته على الشعور بالانتماء للوطن. الإنسان العربي يفقد الولاء والانتماء لبلده ويشعر أن ظروفه النفسية متأثرة بالحياة السياسية حوله فهو عندما يعمل بجد وإخلاص وضمير ويأتي غيره ويأخذ فرصته هنا لا يمكن أن يحب بلده”.

ويضيف عكاشة “طالما أن الإنسان يعيش الحياة يوما بيوم، دون أن يعرف ماذا يخبئ له الغد، دون ضمانات لمستقبله، سيفقد إحساسه بالانتماء. لكن إذا شعر أن مستقبله ومستقبل أبنائه بخير ستكون صحته النفسية أفضل، وسيكون إنتاجه أفضل وشعوره بالانتماء أفضل”.

عكاشة الذي نظر إلى النظم العربية من منطلق نفسي، رأى أن النظم الشمولية هي أساس النفاق فكلما كان النظام شموليا كلما كان النفاق شديدا جدا، واعتبر أن النفاق هو أساس الفساد.

نقص المناعة النفسية

التعليم الديني يراه عكاشة أنه يتم فيه غسل أدمغة الأطفال دينيا منذ سن الخمس سنوات. فيوجه الطفل نحو عشق الآخرة والحوريات والأنهار والخمائل، لترسم له الجنة دون إدراك لفحوى الحياة

القلق، السرطانات، نقص المناعة بشكل عام، أمراض لم تكن موجودة في الماضي، وباتت موجودة في يومنا هذا وبكثرة. فلماذا؟ يتساءل عكاشة. لأنها أمراض الهمّ، ويرجع عكاشة كافة جوانب الحياة إلى الصحة النفسية. فيرى أن الهم الذي يعيش فيه المواطن العربي هو الذي يضعف مناعته ويجعله عرضة للأمراض. ويدفعه لتعاطي المخدرات والانتحار، فالمنتحر الغربي ينتحر بسبب الاكتئاب. أما المنتحر العربي فينتحر من الإحباط والهمّ وفقدان الأمل والتعاسة، نتيجة لجنون العظمة الذي يصيب الحاكم والذي هو نتيجة طبيعية لطول فترة الحكم، فالشعب العربي من أتعس شعوب العالم.

الاكتئاب يعدّ حاليا أكثر الأمراض العضوية والنفسية عبئا على الإنسان. ومنظمة الصحة العالمية تقيس الأمراض بعدد السنوات التي يتوقف فيها الإنسان عن العمل وكذلك بمسألة الوفاة المبكرة، وتقسّم الأمراض بهذا الشكل، وحاليا المرض الأول بين النساء هو الاكتئاب ويليه القلب. أما بين الرجال فالمرض الأول هو القلب ثم الاكتئاب، وفى سنة 2030 يتوقع أن يكون العبء الأساسي في المرض عند كلّ من الرجال والنساء الاكتئاب وتليه أمراض القلب والأمراض التنفسية.

هنا نرى عكاشة مدركاً ومشددا على دور الدولة في تحقيق السعادة للمواطنين عن طريق حلّ مشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية. ويشرح في كتب أخرى ما توصل إليه العلم عن السعادة، ويُسلط الضوء على العلاقة المتكاملة بين الصحة الجسدية والراحة النفسية وجودة الحياة الشخصية والاجتماعية، ويوضح العناصر المكونة للسعادة النفسية وسُبل الوصول إلى تحقق الذات والإنجاز والسعادة في الحياة. المواطن العربي يتعاطى الهمّ، الهمّ الذي يحمل وزره السياسيون والنظم الحكومية القائمة وعدم تكافؤ الفرص والظلم والقمع والمحسوبية، وكلها محرضات لثورات ستجعل المواطن العربي المطحون ينتفض على حكامه وساسته. هذا ما توقعه عكاشة قبل الربيع العربي بسنوات.

متدينون بلا دين.. دين بلا ديانة

لعل أهم الموضوعات التي خاض فيها عكاشة وأوسعها بحثاً، كانت قضية التطرف الديني، وظهور الحركات الدينية المتطرفة والمتشددة. فألّف فيها أكثر من كتاب وقدّم أكثر من دراسة ومقال وحوار. اعتبر أن تغيير الخطاب الديني والتنوير لا يقتصر على رجال الدين فقط، وإنما على التعليم والمثقفين وكل فئات المجتمع. وأكد من خلال دراساته، أن الشعوب العربية الإسلامية هي شعوب تلتزم طقوس الدين وتبتعد عن جوهره، وهي بالعمق شعوب غير متدينة أو مؤمنة بمعنى الإيمان الروحي الخالص. لام عكاشة الأزهر والمجمّعات العلمية الدينية باتخاذها موقفاً سلبياً في مواجهة التطرف الإسلامي، وبابتعادها عن مناهج التدريس الوسطية لاغية كل ما هو تحريضي.

كتابه "ثقوب في الضمير"، من أهم الدراسات التي بحثت بإسهاب عن أساس الأخلاقيات وتطورها ومصبها، وكيف يمكن للمجتمع أن يتدارك انحرافه الأخلاقي

ويقول عكاشة إن كل الأديان تقف عادة مع الفقير، وكلها تقول إن الناس سواسية، لكن العلم يقول إن الله خلق 20 بالمئة فقط من البشر أذكياء وهؤلاء يجب أن يخدموا الباقين، العلم يقول لك إن الديمقراطية حسب إمكانيات الناس، ولكن الديمقراطية لا تنفع في العلم، قمة الهرم العلمي يجب أن يتم اختيارها بعناية لتكون القدوة والموجه فمن يحصل على جائزة نوبل ينالها لأنه الأفضل وليس بالانتخاب.

في التعليم الديني يتم غسل أدمغة الأطفال دينياً منذ سن خمس سنوات. فيوجه الطفل نحو عشق الآخرة والحوريات والأنهار والخمائل، لترسم له الجنة دون إدراك لفحوى الحياة، فتصبح الجنة مهرباً من ضغوط الحياة، وبالطبع تصبح الطريق الأقرب والأضمن للجنّة هي الشهادة، ولكن الشهادة اليوم انتحار.

من هنا تفسر الحالة كحالة نفسية موصوفة. وهي “متلازمة المسادا” أي أن الانسان مقتنع بفكر معين وأنه الوحيد الذي يملك الحقيقة ويمشي على الطريق الصحيح، وبهذا الفكر سيكون الأقرب إلى ربه وسيدخل الجنة.

إلى جانب وصف المرض بمتلازمة المسادا، يربط عكاشة هذه الحالة بالذكاء العاطفي الذي يؤدي وجوده إلى محاكمة صحيحة وقيادة صحيحة، أما هؤلاء (المتطرفون) فذكاؤهم العاطفي يتلخص في التدين ورؤية كل من هو ليس مثلهم، من الخوارج والقتلة ومستباح دمهم.

إذا غيرت التعليم غيّرت الأخلاق. لأن الضمير يتكون بالتعليم. ولم ينس عكاشة أبدا دور الإعلام في التوجيه المجتمعي الأخلاقي والديني أيضا، فهو يرى أن المسلسلات مثلاً لم تقدم قدوة نسوية أو قدوة علمية، بل كل ما قدمه الإعلام كان قدوات دينية، أو بلطجية، أو بطولة مطلقة مسيئة تخرّب وتنخر في المجتمع ومثال ذلك مدرسة المشاغبين التي أفسدت وإلى الأبد أجيال الطلبة المتلاحقة. حيث قدمت النموذج الاخلاقي المنحط للطالب، وجعلته قدوة وكلنا شاركنا باستحسانها وبالتالي كنا شركاء بالجريمة، فبعدها اختلفت أخلاق الطلبة إلى الأبد، وبات المعلّم مثار سخرية ومقالب.

يعود عكاشة للقول إن الأخلاق ضديدة الارتباط بالحياة السائدة. فيرى أن الفقر والبطالة والازدحام هي العوامل الأساسية في رفع معدلات الانفلات الأخلاقي. مؤكداً أن كل الأبحاث الدولية في علم النفس أثبتت أنه بزيادة المال والقوة لدى الإنسان يتراجع شعوره بالسعادة.

متلازمة المسادا يصفها عكاشة بأنها حالة الإنسان الذي يقتنع بفكر معين ويؤمن بأنه الوحيد الذي يملك الحقيقة ويمشي على الطريق الصحيح، وبهذا الفكر سيكون الأقرب إلى ربه وسيدخل الجنة

الأخلاق

يقول في شرحه للأخلاق إن “الأخلاق لا تورّث. بل هي نابعة من البيئة والمجتمع. فالبيئة الصالحة والمجتمع الرشيد سينتجان أخلاقا حميدة، إذن فنحن نحتاج لفهم كيفية نشأة الضمير في الإنسان. فالطفل حتى سن الخامسة أو السادسة ضميره في طاعة الوالدين، حتى عندما يقولان له إنك إذا كذبت ستدخل النار، فهو لا يعرف الله ولكنه يخشى والديه. فإذا عرفنا هنا أن الأم هي أحسن من يعطي الأخلاق والقدوة، سندرك أن محاربة الأمية بين النساء هي أحد أسس الارتفاع بالناحية الأخلاقية. وبعدها ينمو الضمير في الجو المدرسي، وإذا عرفنا تواضع قدرات وإمكانيات معلم الابتدائية في مجتمعنا العربي، وعدم قدرته على أن يكون قدوة لهؤلاء، هنا يتكون الضمير مملوءاً بالثقوب، وبعدها يتوحد الضمير مع المجتمع الذى إذا كان مملوءاً بالتسيب والفساد والرشوة، حينها نستطيع أن نتنبأ بهوية الضمير”.

كتابه “ثقوب في الضمير”، من أهم الدراسات التي بحثت بإسهاب عن أساس الأخلاقيات وتطورها ومصبها، وكيف يمكن للمجتمع أن يتدارك انحرافه الأخلاقي عبر منظومة أخلاقية تبدأ من المنزل في بدايات الحياة، إذ يعتمد تاريخ وأخلاق الشعوب على الثقافة والفن والنهوض بهما إذ له القوة في تطهير النفس والارتفاع بالأخلاقيات، فلولا الفن في مصر الفرعونية وفي الحضارة الصينية والعراقية واليونانية والأوروبية لما عرفنا التاريخ، فالعناية وتشجيع الثقافة الجماهيرية والتي يوجد بها قصور في كل أنحاء الوطن فالكتاب والمسرح والموسيقى والأدب لها تأثير في خلق الإبداع والابتكار وتنشيط الدوائر العصبية المخية التي تنهض بالعلم والبحث العلمي باعتبارها أسس النهضة في الأمم.

كلّل عكاشة كل هذا الجهد، برئاسته للجمعية العالمية للطب النفسي، حيث انتخب رئيساً للأطباء النفسيين على مستوى العالم في العام 1999، ليكون أول رئيس للجمعية من خارج قارتي أوروبا وأميركا. وقد كانت له جهود جبارة في الارتقاء بنشاط الجمعية العالمية للطب النفسي، ولم ينس لحظة واحدة جذوره وهويته، فقد نجح في إدخال اللغة العربية كأحد اللغات المستخدمة في نشاطات ومخاطبات الجمعية.

13