أحمد علي الزين يُودع رسالة الحب والحرب في "بريد الغروب"

الجمعة 2014/03/21
أحمد علي الزين: فكرة البطولة حولتنا إلى شعوب خاسرة

بيروت- احتضنت دار المصور بساحة الوردية في بيروت مساء أمس حفل توقيع رواية الكاتب والإعلامي اللبناني أحمد علي الزين الموسومة بـ”بريد الغروب” والصادرة مؤخرا عن دار الساقي، وذلك بحضور شخصيات أدبية وإعلامية من العرب واللبنانيين.

أحمد علي الزين كاتب وإعلامي من مواليد مارس 1955 في بلدة عكار الواقعة في جبال لبنان الشمالي المطلة على حمص في سوريا. عمل في الصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة منذ أواخر السبعينات. يعدّ ويقدّم البرنامج الثقافي “روافد” على قناة “العربية”. صدرت له في الرواية إلى جانب ثلاثيته روايات “الطيون” و”خربة النواح” و”معبر الندم”، إضافة إلى نصّ مسرحي بعنوان “رؤيا”.


جداريات سردية


هذه الرواية هي ثالث ثلاثية كتبها أحمد علي الزين، وتتكوّن من “حافة النسيان” و”صحبة الطير” و”بريد الغروب”، وفيها يضع أحمد علي الزين شخصيتي “عبد الجليل الغزال” الخارج من السجن الصحراوي، وحبيبته “هدى” الخارجة من سجن الظلمة، في مواجهة مع ذاكرتيهما وواقعيهما، وسيّج حركاتهما بجغرافية بيروت، بل بفضاء حيّ يقع في “وادي أبو جميل”، ووتّر علائقهما بساكنات المدينة من الساسة والعامّة، وحرّضهما على فعل التجاوز: تجاوز القيم الاجتماعية والأخلاقية المهترئة، والتأسيس لقيم جديدة تنهض على دعائم الحب والتسامح.

يضع الكاتب في ثلاثيته الروائية شخصيتي (عبدالجليل الغزال) و(هدى) في مواجهة مع ذاكرتيهما وواقعيهما

وهو أمر حفز شخصيات الرواية لكشف المسكوت عنه من عالم لبنان زمن الحرب، وهتك قداسة الصمت الذي عقل ألسنة الناس، فلم تعد تقوى على قول ما يجب أن يقال من حقائق الذات والجماعة والوطن.

وصفحة بعد صفحة تتشابك علائق الشخصيات، ومعها تغيم الحدود بين فضاءات السرد، فيقف القارئ على رغبة المكان في محو الزمن بجميع سجلات أحداثه المكتنزة بالخوف والخراب، ورغبة الزمان في تعرية تفاصيل المكان وجرح تاريخه لتجري منه حقائقه، وعلى حبل هذه الرغائب، يتحرّك عبدالجليل الغزال وهدى، ويرسمان معا جداريات سرديّة ميّالة إلى الغرائبية في طبيعة أحداثها، وفي فجئية تحوّلاتها.

فإذا الرواية رسائل يوجّهها أحمد علي الزين إلى تاريخ لبنان، وأخرى يوجّهها إلى حاضر بيروت، جاعلا من بريده جسرا يخفّف من عمق الهوّة بين الواقع وما يجب أن يكون فيه، وبين ما يظهر منه وما يتخفّى طيّه، وبين سلطة الحب وسلطة العار.


خزين الأسرار


رواية “بريد الغروب” مسكونة بهاجس فكّ العزلة عن المكان، وتمكينه من سرد حكايته عبر سبيل حكايا شخوصه، وهو ما جعل سيرة “هدى” خلاصة لسيرة بيروت، بل لسيرة لبنان الطوائف، وجعل سيرة “عبدالجليل الغزال” تنبئ بسيرة الواقع الساعي إلى التحرّر من سجون السياسة والتناحر على السلطة.

وفي خلال ذلك، لا يُخفي أحمد علي الزين تأكيد ما ينخر الجسد البيروتي من ثنائيات متوتّرة صورتها الحبّ والكراهية، والسكن والتيه، والعتمة والضوء، وهي ثنائيات نلفيها حاكمة لمصائر الحكي، ومتحكّمة في رقاب أبطاله، بل وكاشفة عن حجم الخراب الذي ينخر جسد الوطن ويدمي قلوب مواطنيه.

“هدى” وبيروت، روحان تتقاسمان في “بريد الغروب” ألم الاغتصاب والفجيعة من الأقربين، ولكنهما يتحرّران في السرد من عقدة الخوف، فتروي “هدى”، الشابة التي أحبّت أستاذها الشاعر، وتصاب بالعمى بسبب ضربة من والدها بعد اكتشافه فقدانها لعذريتها، وقائع ما عاشته وسمعته في عتمتها، وما شاهدته حين عاد الضوء إلى عينيها بعد ليلة من العشق جمعتها مع عبدالجليل الغزال قبل أن يلفه التيه من جديد ويدخل السجن.

رواية تكشف عن الخراب الذي ينخر جسد لبنان

وعبر حكاية البطلة هدى، تكشف بيروت عن خزين أسرارها التي أهملها رواة التاريخ، أو سكتوا عنها. فيمنح الكاتب بطلته “هدى” مهمة رواية سيرتها وسيرة مدينتها ووطنها، وتحويل قصتها إلى كتاب ورقيّ وإن كان يحمل اسما مستعارا، وهو كتاب تدوّنه هدى في الضوء مسجّلة فيه ما كانت عاشته في عتمة العمى.

وعلى حبل حكاية “هدى”، تتنامى دراما السرد وعجائبيته، وعبرها أيضا، تتخفّف بيروت من ثقل ماضي حربها الأهلية، فيكون نصّ “بريد الغروب”، على حدّ وصف الروائي الليبي إبراهيم الكوني، “نصا مشفوعا بالدراما، كما يليق بأي عمل روائي أصيل، تسطع في سمائه شمس الاغتراب: اغتراب وجودي ذو أبعاد غيبية يحيل التجربة الدنيوية ضربا من قدر مطبوع بروح الميتافيزيقا، يحيله السرد الشعري أنشودة غنائية”.


لا نهوى الحزن


يتّفق الدارسون على أنّ أعمال أحمد علي الزين الروائية، على انضباطها السردي، تحلّق في فضاءات شعرية، وتفصح عن مكنونات الحزن والألم وكذا اندفاعات الفرح في الكائن، وهي وثيقة الصلة بمخيلته، وبالحكايات الأولى وبالجغرافيا التي جاء منها في شمال لبنان.

وهو أمر يؤكده الكاتب بقوله: “يستحيل أن يكون أحد منا يهوى الحزن إلا إذا كان مريضا، عندما نكتب عن الحزن بكل تأكيد نحن ننشد الفرح، وعندما نكتب عن المأساة ننشد الحياة التي تخلو من الآلام، لكن عندما نكون في عالم مُحاصر بأنواع من الجلد اليومي وشعوبنا شبه سجينة لأفكارها وللخرافة، يخرج شخص كعبدالجليل الغزال في ثلاثيتي الروائية ليعبر عن رفضه ومعارضته فيؤول مصيره إلى السجن”.
14