أحمد فؤاد سليم الرسام والكاتب ومخترع المشاريع الفنية

مزج الفنان التشكيلي المصري بين التشخيص والتجريد في عمل واحد كان تجسيدا منه لطريقة في النظر إلى موضوعاته التي تجمع بين النظر والفكر.
الأحد 2019/11/17
معرض استعادي لأحمد فؤاد سليم احتفاء بمرور عشرة أعوام على وفاة

يبدو البعض من الفنانين ناشطا في حياته للترويج لأعماله فإن اختفى بفعل الموت تذهب أعماله وأسمه إلى النسيان. بالمقابل هناك مَن ينشط من أجل تأسيس كيانات فنية ثابتة تعود بالنفع على المجتمع وتخدم الحركة الفنية في زمنه وبعده فيبقى أسمه مرتبطا بذلك الإنجاز كما لو أنه لا يزال بيننا ولم يخطفه الموت.

الفنان المصري أحمد فؤاد سليم الذي يحتفى به اليوم بمعرض استعادي لأعماله لمناسبة مرور عشرة أعوام على وفاته هو من النوع الثاني.

وإذ يُقام ذلك المعرض في “مجمع الفنون” فإن ذلك المكان هو واحدة من مآثر الفنان، ليس لأنه أداره لما يُقارب الثلاثين عاما فحسب بل أيضا لأنه صاحب فكرته وهو الذي يقف وراء إنشائه عام 1976.

سلطة الفن والمؤسسة

سليم الذي طغى ظله على المشهد التشكيلي المصري لعقود كان أيضا الشخص الذي وقف وراء تأسيس بينالي القاهرة عام 1984. ذلك المعرض الشامل المفتوح على فنون العالم والذي يُقام كل سنتين وضع القاهرة على خارطة المدن الفنية الأكثر اهتماما بالفن.

غير أن نشاط سليم المؤسساتي من أجل الترويج للفن وخدمته لم يقف حائلا بينه وبين ممارسة الرسم والكتابة. لقد كان واحدا من أهم الرسامين الذين ظهروا في ستينات القرن العشرين كما أنه كان كاتبا طليعيا يتابع بدقة وأناة آخر تطورات المشهد الفني في مصر والعالم المؤسس والرسام.

نشاط المؤسساتي من أجل الترويج للفن وخدمته لم يقف حائلا بينه وبين ممارسة الرسم والكتابة. لقد كان حقا واحدا من أهم الرسامين الذين ظهروا في ستينات القرن العشرين

لقد استطاع سليم بدأب وجهد استثنائيين أن يكون سيد زمنه بحيث يتهمه الكثير من الفنانين المصريين بأنه احتكر لنفسه سلطة القرار الفني وقد يكون ذلك الاتهام صحيحا غير أن ما يغفر لسليم أنه كان حريصا على إرساء تقاليد فنية قائمة على معايير واضحة لا يمكن أن تخترقها الشبهات.

ليس من الصعب الدفاع عن سليم من خلال استمرار المؤسسات الفنية التي وقف وراء إنشائها. وهي مؤسسات بقيت بعد غيابه بسبب رسوخها وقوة تقاليدها.

من جهتي فقد عرفته رساما وكاتبا. وحين التقيته في الدوحة كما أتذكر كان مثالا لرجل المعرفة الذي تصدمه الأفكار المشاغبة الجديدة غير أنه يسعى إلى فهمها قبل أن يتخذ موقفا منها.

ولد سليم عام 1936 بدمياط وتوفي في القاهرة عام 2009. تخرج من كلية الحقوق وفي الوقت نفسه درس الرسم في معهد ليونارد دافنشي بالقاهرة. أقام أكثر من ثلاثين معرضا شخصيا كان أولها عام 1963 وذلك في أتيليه القاهرة.

في حياته العملية انهمك في إقامة مؤسسات كان الهدف منها الترويج للفن ورعاية الفنانين وكان في مقدمتها مجمع الفنون. كما تولى الإشراف العام على متحف الفن المصري الحديث، في الوقت الذي كان فيه مستشارا لرئيس قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة.

انتقال بين التجريد والتشخيص بخفة
انتقال بين التجريد والتشخيص بخفة

كان سليم عضوا في عشرات اللجان التي ألفت من أجل تطوير الأوضاع الثقافية والعناية بالآثار وصيانة المتاحف.

عام 1974 نال الجائزة الأولى “مجال الرسم” في بينالي الإسكندرية. وحاز على وسام الفنون بدرجة فارس من الحكومة الفرنسية وفي السنة نفسها حاز على ميدالية الفن من الدانمارك. حصل على الحائزة الكبرى في بينالي القاهرة أواخر الثمانينات. إضافة إلى أنه حاضر في كلية التربية النوعية للفنون والموسيقى. فقد صدر له كتاب مهم بعنوان “سبع مقالات في الفن” كما أصدر كتابا هو عبارة عن حوار مطول مع صديقه الفنان مصطفى الرزاز. بعد ذلك صدر له كتاب صغير بعنوان “وثيقة فن. في كشف الزيف والخداع وسقوط القناع”. وتضمن الكتاب الأخير آراءه في الفن من خلال الرد على أحد النقاد. “الفن وأحواله” هو عنوان آخر كتبه وقد ضم مجموعة المقالات التي نشرها في صحيفتي القاهرة والوفد.

الكاتب في شغبه

تنقل سليم رساما بين التجريد والتشخيص بخفة، غير أنه في الاثنين كان حريصا على أن يعود إلى موضوعيه الأثيرين. الطبيعة والجسم البشري. وهو في ذلك إنما يؤكد على أن إلهام الصورة الحقيقي لا يمكن أن يكون معلقا في الهواء. لذلك فإنه كان يعود إلى مصدريه كمَن يتذكر ما يفكر في تصويره خياليا. كان خيال سليم مرتبطا بمصدريه الأساسيين. الطبيعة وجسم الإنسان. وهما مصدران غنيان لا ينفدان. لا بسبب طريقة النظر المتجددة لهما فحسب بل وأيضا بسبب قدرتهما الذاتية على التجدد.

لطالما عاد سليم إلى الرسم التشخيصي بعد جولات من الرسم التجريدي. وفي تلك العودة كان يعبر عن رغبته في التعلم وإغناء خياله بما لم يكتشفه من لذائذ ومتع وخبايا جمالية تظل غنية بالإيحاء الرمزي الذي يفتح طرقا متشعبة في اتجاه جمال لا يُفنى. وهي الطرق التي ارتجل الرسام من خلالها إيقاع خطواته الخاصة وهو الماشي وسط حشد هائل من الرسامين الذين سبقوه والذين جايلهم أو ظهروا بعده.

رسام لا يتخلى عن كونه مفكرا في الفن
رسام لا يتخلى عن كونه مفكرا في الفن

سعى الرسام في بعض الأحيان إلى المزج بين التشخيص والتجريد في عمل واحد. وهو في تلك المحاولة لم يهدف إلى المزج الواعي بين أسلوبين بقدر ما كان ذلك المزج تجسيدا لطريقة الرسام في النظر إلى موضوعاته التي تجمع بين النظر والفكر. فالرسام لا يتخلى عن كونه مفكرا في الفن. متعته الشخصية تكمن في أن يكون حاضرا في مواجهة المشهد الذي يجذبه إليه.  

كتب سليم متحررا من عقد الكتابة النقدية. فهو يتجول مرتاحا بين الماضي والحاضر، غير مشدود إلى وظيفة في الكتابة سوى ما يحرضه على قول ما يراه حقيقيا. وهو في ذلك أشبه بالمسافر الذي تدفعه حادثة معينة إلى استحضار حوادث شبيهة تكون مناسبة لكي يستعرض من خلالها قواعد ومبادئ ذائقته الجمالية ويمر بالرسامين المصريين والعرب الذين أحبهم وشغف بأعمالهم.

لا تخلو كتابات سليم من المشاكسة في مواجهة آراء الآخرين النقدية. لا لأنه كان معتدا بنفسه فحسب بل وأيضا لأنه عاش حياة مليئة باللقاءات والصداقات والحوادث وهو ما جعله على اطلاع على حقائق، لم تتسن للآخرين فرصة الاطلاع عليها. لذلك فإنه كان يجد في ما يكتبه مناسبة لتوسيع معرفة الآخرين بما جرى وما يجري في المشهد الفني المصري. كان “سوء الفهم” عدوه الذي لم يسمح له بالانتصار عليه.

تذكر كتاباته بكتابات الفنان المصري حسن سليمان الذي سبقه. فيها الكثير من النظرات النقدية غير أنها لم تكن نقدا. كان الرسام ماثلا أمامه مثلما ظل ماثلا أمامنا ونحن نقرأ مقالاته. فهي مقالات مفيدة لأنها كتبت بقلم رسام. وضوحها يكشف عن وضوح الأهداف التي كتبت من أجلها. لم يكن سليم كاتبا محايدا. لم يكن مطلوبا منه أن يكون كذلك.

الرسام والكاتب في مقابل رجل المؤسسة المعتد بنفسه والمدافع عن التقاليد الفنية. كان ذلك هو سليم الذي سيظل حاضرا في المشهد الفني مثل عمارة، بنيت لتبقى لا باعتبارها أثرا بل لأنها ضرورية وتسد فراغا في ذلك المشهد لما تنطوي عليه من منفعة. يتذكره الجميع، أصدقاؤه وخصومه كونه كان حدثا لا غنى عنه. ذلك الرسام والكاتب كان فاصلة بين زمنين على مستوى التفكير المؤسساتي في خدمة الفن وهو ما لا يزال فاعلا في الحياة الثقافية المصرية المعاصرة.

Thumbnail
Thumbnail
Thumbnail
Thumbnail
9