أحمد فؤاد نجم.. رحل الفاجومي شاعر "الحشاشين" وترك وراءه إرثا من "البتاع"

الأحد 2013/12/08
ورث نجم ثقافة الشارع المصري وطموح النخبة وسخرية الحكماء

سجن القلعة في الستينيات: اقترب الشيخ محمد قطب شقيق المفكر الإخواني سيد قطب الذي أعدمه جمال عبدالناصر، من أحمد فؤاد نجم، وكانا زميلين في عنبر واحد يضم زنازين كثيرة، وقال له: لقد رأيت رؤيا وأريد أن أقصّها عليك يا نجم" فقال له نجم: " خير يا مولانا؟" قال: " رأيت أنني أخرج من باب السجن لأفاجأ بعجوز يضرب على الدف ويقول: طويلة قوى قوي حكاية الرسالة" ويقصد رسالة الإسلام والدعوة، فقال له نجم: " الله يا مولانا… تسمحلي أستخدم الجملة دي في شعري؟!" فوافق قطب على ذلك، ويروي نجم أنه كتب قصيدة "الطنبور": " بسيطة قوي قوي رواية المقالة/ مليحة قوي قوي للي ما نايمشي/ طويلة قوي قوي حكاية الرسالة/ غريبة قوي قوي وإنت ما عالمشي/ مد الخطوة وامشي/ تلقى الصعب فاتْ/ غير الله ما دامشِ/ وكل حي ماتْ/ وإن كنت ناصح/ وفهمت المقالة/ فهمها يا ابني للي ما فاهمشي/ معدودة الخطاوي رايحة ولا جاية/ ما يهمكشي خوفك/ ع الدنيا الفانية/ قول الكلمة عالي/ بالصوت البلالي/ قول إن العدالة/ هي دين الإنسانية".. وكانت من وحي منام محمد قطب ولحّنها الشيخ إمام في السجن، وقاما بدعوة الإخوان المسلمين للاستماع إلى الأغنية على صوت وعود الشيخ إمام، فوضع قطب المصحف جانباً وقال لهم: شايفين الفن الإسلامي!".


مصر الدولة.. مصر الشعب


من يعرف أحمد فؤاد نجم، دراسة وتحليلا وشعرا وملامح إنسانية، يدرك كم تجتمع في شخصيته عصور مصرية عدّة، تتقدم من صعيدها إلى زعفران إسكندريتها مرورا بنيلها وحواريها وأريافها، دون إغفال الملمح الأساس الذي تبرزه المدنية القاهرية المتهكمة، والتي تظهر على وجوه أبناء كبريات مدن الشرق، وكان لتلك المدنية أن تصبغ بمظاهرها حياة الناس، فلا السياسيون الكبار ولا التجار ولا الكتاب والأدباء والشعراء والعلماء نجوا من نبرة السخرية من كل شيء، فلا ملاذ من تقلبات الدهر والظروف الكبيرة والصعبة والتي عاشتها مصر والعالم العربي إلا بالتعالي على الألم وتحويله إلى كاريكاتير أدبي أو فني أو سياسي أو حياتي، وكان أول المؤسسين لهذا المزاج في الفن الناقد الموسيقار سيد درويش بأغانيه الساخرة مع بديع خيري، أما من جاؤوا بعدهما فقد ولدوا من هذا الضرام الفكري وكانوا أوائل الشعراء والساخرين مثل فؤاد حداد اللبناني الذي كتب بالعامية المصرية، وبيرم التونسي الذي قدّم الروائع بلكنته العميقة الضاحكة الصدامية أحيانا والصوفية في أحايين أخرى، فكانت شخصية بيرم المثال الأول الذي استلهمه شعراء مصر والشرق عموما في ما تلا زمانه من أزمنة.

قال بيرم التونسي عن الشرق: " يا شرق فيك جو منور/ والفكر ظلامْ/ وفيك حراره يا خساره/ وبرود أجسامْ/ فيك تسعميت مليون زلمه/ لكن أغنامْ/ لا بالمسيح عرفوا مقامهم/ ولا بالإسلامْ/ هي الشموس بتخلي الروس/ كدا هو بدنجان؟".. وتلقفته أيادي الملحنين والمطربين، فأعطى للشرق ذاته: " أنا في انتظارك خليتْ/ ناري فى ضلوعي وحطيتْ/ إيدي على خدي وعديتْ/ بالثانية غيابك ولا جيتْ/ ياريتْ/ ياريتْ/ ياريتني عمري ما حبّيتْ" التي لحنها الشيخ زكريا أحمد وغنتها أم كلثوم وشاعت بين عشرات الملايين من متذوقي الشعر العامّي لتكون رسولا للصورة أولاً التي ستمهّد الطريق لما سيأتي من شعر مع متغيرات الشرق الذي سخر منه بيرم من قبل، ولكن زمن بيرم لم يكن كزمن أحمد فؤاد نجم، كان زمن نجم زمن العسكر، بعد قيام الجمهورية المصرية الأولى، على يد ضباط الجيش، ولم يكن لنضاله ضد الإنكليز أي دور يشفع له أمام العسكر، الذين أدخلوه السجن عدة مرات، في بداية الأمر لأسباب مختلفة، بعضها كان بتهمة الاختلاس والتزوير وقضى في السجن ثلاثة وثلاثين شهرا.

في تأريخ نجم لمصر وحواديثها تجتمع الأمزجة والثقافات والتصورات لتصنع ابن البلد.. الجدع والجبان

وكان نجم قد ولد في العام 1929 في قرية كفر أبو نجم، في الشرقية، لوالد شرطي، وذهب كما أبناء جيله إلى الكتاب لتعلّم القرآن الكريم وقواعد اللغة العربية، ثم ما لبث أن أصبح يتيما بوفاة والده، وحينها انتقل إلى الميتم في الزقازيق، حيث تلقى بعض الرعاية والتقى بعبدالحليم حافظ، وقد روى كاتب سيرة عبدالحليم حافظ وطبيبه الشخصي هشام عيسى قصة أحمد فؤاد نجم وحليم، مؤكدا أنهما تزاملا في الملجأ وروى نجم أنه التقي حليم بعد ذلك في القاهرة في بيت عبدالحليم وكان لقاء فاترا لم يجدا فيه أي ذكريات تجمعهما، ولم يكن حليم يريد أن يتذكر هذه الأيام وهو في عز شهرته ومجده، لكن "عبدالحليم قرر تقديم سيناريو فيلم "وتمضي الأيام" كتبه سيناريست إيطالي يعيش في القاهرة، وهو فيلم شديد الرومانسية تلعب بطولته معه سعاد حسني، وقرر حليم أن يسند إخراج الفيلم ليوسف شاهين الذي زار حليم في بيته وفرح جدا بالفكرة وأخذ السيناريو ليجري عليه بعض التعديلات ولأنه كان مشغولا بإخراج فيلم "العصفور"، وبعد عدة شهور كان السيناريو بين يدي حليم يقرأ فيه، وما إن بدأ في قراءته حتى لمعت عيناه بالغضب وأخذ يمزق صفحات السيناريو وهو يقول "المجنون جايب لي اتنين شيوعيين يعلموني الوطنية". حيث أضاف يوسف شاهين شخصين ليكونا صديقيْ البطل وهما أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام".

أنهى فترة وجوده في الميتم وخرج في العام 1945 ليعود إلى القرية، ثم ليترحّل كثيرا بين المناطق والمدن المصرية، متنقلا كذلك بين مهنٍ مختلفة، وكما كن يقول دائماً "كنت بسبع صنايع بس البخت ما كنش ضايع" فعمل في معسكرات الإنكليز، في كوي الملابس وفي بيع الخضار والبضائع لجنود الاحتلال، وخياطا، ولاعب كرة قدم، ومع الإنكليز انتقل إلى منطقة "فايد" ليجد عملا شبه مستقر بعد أن تعلّم القراءة والكتابة بشكل أفضل من ذي قبل، فتعرّف لأول مرّة بشيوعيين يعملون في مطابع مدن القنال، فجرّه الشيوعيون إلى المظاهرات التي اندلعت في مصر في العام 1946.

كان الصراع ما بين الملك فاروق والإنكليز في ذروته، مع تغيرات المشهد في السنوات القليلة التي سبقت اغتيال حسن البنا في العام 1949، حين وجد اليساريون فرصة للانتشار أكثر في المجتمع المصري، فوضع هذا الصراع بين يدي نجم العامل البسيط نسخا من الكتب التي كانت تصل مترجمة إلى العربية من مطابع موسكو، دار مير، ودار التقدّم، وكان أول ما قرأه من تلك الكتب رواية "الأم" لمكسيم غوركي، ولم يكن قد أصبح شاعرا بعد، ولكنه كان يصنع بعض الزجليات في الحب والعواطف.


نجم وعصر عبدالناصر


حتى العام 1951 كان قد تسبب الشيوعيون لنجم بالطرد من العمل مع الإنكليز، بالإضراب أو بقرار من الإدارة العسكرية الإنكليزية، لم يميّز نجم كثيرا لأنه كان سائرا مع الحياة في تقلباتها، في تلك الأثناء تمت تنحية الملك، وجاء العسكر، وفرزوا أنفسهم، وصعد نجم عبدالناصر أمام تعثّر نجم في حياته الخاصة، فقرر الشيوعي الجديد العمل في السكك الحديدية المصرية، حيث اصطدم مع ضباط الجيش الذين قال عنهم إنهم نهبوا الممتلكات العامة بعد تأميمها ومصادرتها من الإنكليز.

ومع بدء تحوّل مصر من تلك التي يعرفها نجم وقبله بيرم التونسي، إلى أخرى هيمن عليها الفرعون الجديد جمال عبدالناصر، الذي التف من حوله شعراء ثورته وفنانوها ورجالاتها، وعن شخصية مصر والتعبير عنها نجد كتاب جمال حمدان الكبير والعبقري فيمكنك العثور على الكلمات التالية في وصف الشعب والطاغية :" ومهما اختلفت التسميات بين الطغيان الفرعوني أو الاقطاعي، وسواء عُدَّ هذا اقطاعا عاديا بنمطه المعروف، أو عُدَّ قمته أعتى صورة كما يرى الكثيرون، وأيّا كانت النظريات المطروحة، فإن الطغيان والاستبداد الغاشم هو من أسفٍ حقيقة واقعة في مصر، من بدايته اليوم مهما تبدلت أو تعصرت الواجهات والشكليات".. فتبدل الطغيان الملكي بآخر جمهوري، وسرعان ما وجد له قبولا واستحساناً من الشعب، ولكن ليس كل الشعب، فمثلما كان فيهم ملايين المسبحين بحمد اليوزباشي عبدالناصر، كنت تجد قلة منهم رفضوا التحوّل إلى الوراء، منهم كان نجم، بسيطا من البسطاء، عاديا مثلهم، سليطا مثلهم، متمردا كتمرّد عوالم مصر، لم يتغيّر شيء، كتب جمال حمدان:" لقد تغيرت مصر الحديثة في جميع جوانب حياتها المادية واللامادية بدرجات متفاوتة، إلا نظام الحكم الاستبدادي المطلق بالتحديد والفرعونية السياسية وحدها، فهي ما تزال تعيش بين ظهرانينا بكل ثقلها وعتوها، وإن تنكرت في صيغة شكلية ملفقة هي الديموقراطية الشرقية".

لم يتمكن نجم من فهم الفارق بين الشعبي والنخبوي، فعاش كما عاش المصريون في الأحياء الفقيرة، وفكّر كما فكر نخبتهم في الأحياء الغنية، وحين دخل السجن، لم يدخله بسبب السياسة بل بسبب الحياة المصرية وتعقيداتها، فزوّر استمارات القماش وافتضح أمره، وفي تلك المرحلة كتب نجم أشعارا ساخرة من كل شيء، منها قصيدته الشهيرة "العنبرة" وقصيدة "كاس مزيج" التي سخر فيها من طبيب السجن، حيث شجّعه مدير السجن على كتابة المزيد للمشاركة في مسابقة مجلس الفنون والآداب لنزلاء السجون، وفي سجنه ذاك كتب قصيدته الأكثر ألما " مرّ الكلام": " مرّ الكلامْ/ زي الحسامْ/ يقطع مكان ما يمر/ أما المديح / سهل ومريح/ يخدع لكن بيضر/ والكلمة دين / من غير إيدين/ بس الوفا عالحر"، فاز بجائزة المسابقة وطبع له أول ديوان شعري "صور من الحياة والسجن" وكتبت له المقدمة الدكتورة سهير القلماوي، ثم خرج من السجن ليعمل في منظمة تضامن الشعوب الآسيوية الأفريقية عند يوسف السباعي، وسكن في حارة "خوش قدم" القاهرية، في حي الغورية، حيث استقبل صديقا له يجر بيده رجلا أعمى يحمل عوده، جاءا ليزورا نجم في غرفته البسيطة، وكان ذلك الأعمى هو الشيخ إمام عيسى الذي سيرافق نجم لأكثر من ربع قرن تالية، ولتخلّد صحبتهما عبر الأجيال.

ومن الغورية بدأ الثنائي نجم وإمام الأول يكتب الأغاني والثاني يلحنها ويغنيها، ليس من أجل أهداف كبيرة بل بحثا عن الرزق وكي يكونا كما يقول نجم " زي كل المغنين والملحنين" وكان يغيظ نجم في تلك الأيام وجود شعراء يكتبون الأغاني للمطربين والمطربات ويعيشون عيشة راقية من كلمات كان يعتبرها سخيفة ولا قيمة لها، فكان يلمّح للأبنودي وصلاح جاهين الذين تغنيا طويلا ومن خلال عشرات الأغاني بعبدالناصر وثورة العسكر، فكتب للشيخ إمام أغنية "أنا أتوب عن حبك أنا؟" و"عشق الصبايا" و"ساعة العصاري" وانضم لهما الفنان الشعبي الفطري محمد علي، وأخذت الفرقة الثلاثية تجوب المناطق للغناء في الأعراس والموالد، ولكن الناس لم تتقبل المغني الأعمى ورفيقيه بوجود الراقصات والأجواء المنفلتة من الطرب، وكان يمكن أن تندثر أغاني نجم وإمام لولا تدخل رسام الكاريكاتير المصري أحمد إبراهيم حجازي، الذي مدّ له يد العون في مرحلة تثقيف نجم ورفع مستواه اتجاهه الفني، فكتب قصيدة " واه يا عبد الودود يا رابص عالحدود"، حتى وقع على الشعب كلّه ما لا يمكن ردّه، فزلزلت وجدان المصريين هزيمة العام 1967 واحتلال إسرائيل لسيناء والجولان والقدس وغزة والضفة الغربية، وسقوط وهم القوة التي يسمعها الناس في خطب جمال عبدالناصر، وقرّر الشاعر والمغني الذهاب إلى التعبير عن القهر بأغنية "الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا – يا محلى رجعة ظباطنا من خط النار" و" بقرة حاحا النطاحة" التي لفتت أنظار المعارضة المصرية.

ثم مات الثائر الكوبي غيفارا فكتب نجم قصيدته التي ما زالت تتردد في كل مكان: " غيفارا مات" وغناها الشيخ إمام، وبدأ الاثنان بالتحوّل إلى ظاهرة في المجتمع المصري، وصار شعر نجم ناقدا ليس فقط للنظام ولكن للمعارضة أيضا، وجاء القرار باعتقاله مع مغنيه الأعمى، وقرر عبدالناصر أن لا يفرج عنهما " طول ما هو عايش" كما يقول نجم، رغم وساطة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الذي قال له عبدالناصر :" لو كملتني في موضوع التنين دول تاني أحطك معاهم!".

نجم كتب قصيدته الأسطورية "مصر يمّه يا بهية" التي دخلت ذاكرة المصريين وهم يظنونها جزءا من تراثهم


نجم والشخصية المصرية والفرعون


مات عبدالناصر، فكتب له نجم في السجن قصيدة رثائية قال فيها :"عمل حاجات معجزة / وحاجات كتير خابت/ واحنا نبينا من ضلعنا/ عاش ومات وسطنا / وإن كان جرح قلبنا/ كل الجراح طابتْ"، وأخرج السادات السجناء السياسيين، ومنهم نجم وإمام، وبدأت مرحلة جديدة انتشرت فيها قصائد نجم عبر صوت إمام في التسجيلات الصوتية وبين الشباب في الجامعات، وبات يرافق الحدث وتطوراته، فكتب ضد السادات " شيد قصورك عالمزارع من كدنا وعمل إيدينا" وضد كامب ديفيد وإجراءات النظام القمعية، وواكب حركة الشباب بقصيدته " صباح الخير على الورد اللي فتح في جناين مصر".

وكتب نجم قصيدته الأسطورية " مصر يمّه يا بهية" التي دخلت ذاكرة المصريين وهم يظنونها جزءا من تراثهم، وبات التدوين السياسي الساخر على لسان نجم، هو التأريخ لشخصية مصر وتطوراتها في عصر السادات ثم مبارك، وكان والدا لمظاهرات الطلبة في الجامعة، وكانت " رجعوا التلامذة يا عم حمزة للجد تاني". وكتب عن الإنسان المصري منتقلا من خلال معاناته إلى الإنسان بمفهومه العام مهما اختلفت جنسيته وانتماؤه: "إذا الشمس غرقت في بحر الغمام/ ومدّت على الدنيا موجة ظلامْ/ ومات البصر في العيون والبصايرْ/ وتاه البشر في الخطوط والدواير/ يا ساير يا داير يا بو المفهومية / مافيش لك طريق غير عيون الكلامْ".. وكتب ضد نيسكون حين زار مصر" شرفت يا نيسكون بابا يا بتاع الووتر غيت/ عملولك قيمة وسيما/ سلاطين الفول والزيت/ بيقولو اللحم المصري/ مطرح ما بيسري بيهري/ ودا من تأثير الكشري والفول والسوس أبو زيت/ واهو مولد ساير داير شيلاه يا صحاب البيت".

غادر نجم مصر ليعيش في المنفى سنوات، قضاها في دمشق، ولم يتوقف عن الكتابة والغناء فأسس في العاصمة السورية فرقة ملتزمة مع الموسيقي السوري بشار زرقان باسم "بلبال" ولكنها لم تعش طويلا في مناخ أمني لا يختلف عن مناخ القاهرة، وما لبث أن عاد إلى مصر، ليصمت سنين منتظرا التغيير، كما صمت المصريون على عهد مبارك الذي تقزّمت فيه أكبر دولة عربية عن دورها الإقليمي، وتراجعت الحريات وانتشر الفساد، وغرق الشعب في الفقر، كان نجم يقول" أنا مش حموت قبل ما يمشوا.. أنا قاعدلهم" وكان يقصد الطغاة ورجال الاستبداد.

في قصائد أحمد فؤاد نجم السيّالة تتجسد كما يقول عبقرية العامية المصرية، وتتعدّد المترادفات ومكر اللغة العتيقة، فتصبح قصيدة ساخرة مثل "البتاع" من أعقد النصوص العربية في التحليل، حين يختار نجم مفردة واحدة في سياق كامل، ليصبح لها معنى مختلف في كل جملة، مع الإيحاء الذي يلعب على المحرمات الثلاثة "الجنس ـ الدين ـ السياسة"، وسيجد نقاد الآداب بعد وفاة نجم الكثير من الإرث لدراسته وتفكيكه واستنتاج آليات الصنعة في إيقاعه ولغته، فهو وإن كان قد استعمل العامية إلا أنه ضخّ فيها كل قوة الفصحى وقدرة اللحظة على التأثير في النص.

ولم يتوقف نجم طيلة حياته عن الكتابة ضد كل أنظمة الحكم، وبعض قصائده شاعت وعبرت الحدود إلى فلسطين والجزائر والعراق وإيران وفييتنام، وفي ثورة 25يناير من العام 2011، كان نجم أول النازلين إلى ميدان التحرير، ليشارك الشباب انتفاضتهم، وليسمع بأذنه كيف أن أغانيه لم تمت، وحين تنحى مبارك صدرت الصحف المصرية في اليوم التالي تحمل المانشيت الكبير " الورد اللي فتّح في جناين مصر" في إشارة إلى شباب الثورة المصرية، وحين استبدّ الإخوان في حكمهم خرج نجم ضدّهم في المظاهرات، وانحاز إلى التغيير، وقاوم كلّ فرعون رآه على أرض مصر منذ فتح عينيه على الدنيا، رفض إنتاج الفراعين الجدد، وتوقف عن الكلام مع تطورات الأوضاع في مصر، ولم يعد لديه ما ينتظره.. فرحل عن مصر مذكّرا شعبه من جديد بما أنزل في شخصيته من شخصية مصر.

7