أحمد قايد صالح من يتجرأ على تجريد الجيش من امتياز صناعة الرؤساء

الجنرال قايد صالح بات أكثر حساسية للعبة التوازنات داخل السلطة سواء في المؤسسة التي يديرها أو في محيط الرئاسة غير المطمئن لتوجهاته.
الأحد 2018/11/25
جنرال يدير حراكا تلتبس فيه مراكز النفوذ

يوصف الجنرال أحمد قايد صالح، أصيل مدينة عنابة بأقصى شرق البلاد، بأنه أكبر المنتسبين للمؤسسة العسكرية سنا، حيث تتحدث المعلومات الرسمية عن 78 عاما، ويذكر البعض أن الرجل تجاوز الثمانين، لأنه من مواليد الحقبة الاستعمارية، وحينها لم تكن الإدارة الفرنسية تهتم بضبط تواريخ ميلادهم، وحتى الأهالي كانوا يتعمدون خلط إحصائيات السلطات الاستعمارية، بما في ذلك التصريح بالمواليد الجدد.

لكنه خلال العام 2004 كان على وشك الشطب من المؤسسة العسكرية، لولا حنكة بوتفليقة التي انتشلته من أجل أن يكون الأداة التي يضرب بها خصومه آنذاك لما كانوا معترضين على مروره لولاية رئاسية ثانية، والآن ها هو الرجل يحاول أن يعيد أمجاد العسكر في صناعة التوازن داخل السلطة، والاحتفاظ بخاصية صناعة الرؤساء في الجزائر.

ولم يكن للرجل أن يعود للواجهة في الأشهر الأخيرة، بعد أن توارى عن الأنظار خلال السنوات الماضية، لولا فضيحة شحنة الكوكايين الضخمة التي ضبطتها مصالحه مؤخراً، وما تلاها من سلسلة تغييرات مهمة وعميقة في صلب المؤسسة العسكرية، ما زالت تثير الاستفهامات حول دلالات وأسباب الخطوات المتخذة، والعودة القوية للرجل عبر بوابة الإطاحة بأكبر الجنرالات والضباط السامين، بمن فيهم من كانوا يوصفون بـ”المقربين منه”.

إلى الواجهة من جديد

حنكة بوتفليقة يرجع إليها سبب عدم شطب الجنرال قايد صالح من الجيش. انتشله من أجل أن يكون الأداة التي يضرب بها خصومه.
حنكة بوتفليقة يرجع إليها سبب عدم شطب الجنرال قايد صالح من الجيش. انتشله من أجل أن يكون الأداة التي يضرب بها خصومه

تحليلات سياسية وإعلامية في الجزائر، تربط الحملة المذكورة بحراك الانتخابات الرئاسية المنتظرة بعد خمسة أشهر، وبالغموض الذي يكتنف هرم السلطة، حول المرشح الذي تخوض به الاستحقاق المذكور، سواء بالتجديد لعبدالعزيز بوتفليقة، للمرة الخامسة على التوالي، أو البحث عن خليفة له.

وذهب البعض إلى اعتبار خطوات الجنرال قايد صالح، محاولة لاستعادة أمجاد المؤسسة العسكرية، التي كانت تصنع القرارات الكبرى للبلاد، وتفرض كلمتها في من يكون رئيس البلاد، وأن كفة الموازين التي قلبها الرئيس بوتفليقة لصالحه، في صراعه المرير مع العسكر الذين استقدموه لقيادة البلاد في 1999، خاصة بعد حل جهاز الاستخبارات والإطاحة بأكبر رموزه وضباطه، وعلى رأسهم الجنرال محمد مدين “توفيق” في 2015، ساهمت في تحييد المؤسسة والتقليص من نفوذها، في إطار مشروع “تمدين الدولة” الذي أطلقه الرئيس السابق لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم عمار سعداني.

ويرى مهتمون بالتطورات السياسية في البلاد وبشؤون المؤسسة العسكرية، بأن قايد صالح، استغل فرصة فضيحة الكوكايين، ليعود بقوة إلى الواجهة ويعيد بذلك هيبة العسكر المهزوزة، لا سيما بعد حملة الإطاحة التي مست كوادر كبيرة في مؤسسات مدنية وعسكرية، وفي مقدمتهم مدير الأمن الوطني السابق الجنرال عبدالغني هامل، الذي وجد نفسه خارج الحسابات، رغم الهالة التي أحاطت به منذ العام 2010، ورغم قربه من محيط الرئاسة.

قميص عثمان الجزائري

ورغم أن تهمة الفساد وتبديد المال العام، هي قميص عثمان في الجزائر، بالنظر إلى تراشق الجميع بها، مما أدخل البلاد في دوامة من يحاسب من؟، فالرجل الذي أجهض أكبر عملية تخدير للمجتمع، وكشف عن تورط أسماء كثيرة ووازنة في العدل والأمن والعسكر ورجال المال والأعمال، لم يسلم هو الآخر من انتقادات مماثلة، فقد صرح الجنرال عبدالغني هامل، عشية إقالته بالقول “من يحارب الفساد عليه أن تكون أياديه نظيفة”، وهو اتهام مبطن لمن وظف فضيحة الكوكايين لحصد رؤوس كثيرة، وربما إشارة أو تذكير بما كشفت عنه تسريبات ويكيليكس في 2010، عن ضلوع قايد صالح نفسه في قضايا فساد.

وبهذا الالتباس بين الحرب على الفساد، وبين تصفية الحسابات بين أركان السلطة، ربط متابعون الزلزال الذي هز عرش كبار الضباط والجنرالات، بموعد الانتخابات الرئاسية، وبرغبة الرجل في قول كلمته في مرشح السلطة.

فضيحة شحنة الكوكايين الضخمة التي ضبطتها مصالحه مؤخراً، تعيد الجنرال إلى الأضواء، مع ما تلاها من سلسلة تغييرات مهمة وعميقة في صلب المؤسسة العسكرية، ما زالت تثير الاستفهامات

وألمح هؤلاء إلى أن لعبة لي الذراع بين قايد صالح، ورجل الظل في قصر الرئاسة المستشار والشقيق سعيد بوتفليقة، بلغت ذروتها، استنادا إلى استهداف حركة التغييرات للأسماء الموالية أو المحسوبة على الثاني، تمهيدا لقطع الطريق على ترشيح بوتفليقة مجددا، مقابل سعي المستشار والشقيق إلى إيجاد بديل للجنرال على رأس هيئة أركان الجيش، والتنسيق مع مقربيه للإطاحة بالرجل.

وجاءت قضية حبس الجنرالات الخمسة، حبيب شنتوف، سعيد باي، مناد نوبة، بوجمعة بودواور، عبدالرزاق شريف، فضلا عن العقيد عبدالعزيز، بتهم الثراء الفاحش واستغلال وظيفة سامية، ثم إطلاق سراحهم بعد أسابيع، ليلف الوضع بغموض جديد، ويعيد الجدل إلى مربع الصفر، حول من يقف وراء حراك المؤسسة العسكرية، ومن أمر بحبسهم ولماذا أطلق الرئيس بوتفليقة سراحهم؟

ويعود بذلك سيناريو تصفية الحسابات إلى الواجهة، لا سيما بعد الإقالة الأخيرة للجنرال عثمان بلميلود، الذي نُصب منذ أشهر فقط، على رأس جهاز أمن الجيش “المخابرات العسكرية”، وجنرال آخر في وزارة الدفاع الوطني، والحديث عن تقارير كيدية تندرج في سياق الصراع حول الجيوب الموالية بين أركان السلطة، خاصة في ظل شكوك الرجل في بعض نوايا لدى بعض الضباط لسحب البساط من تحته.

السياسي أم العسكري

خطوات قايد صالح الأخيرة محاولة لاستعادة أمجاد المؤسسة العسكرية، التي كانت تصنع القرارات الكبرى، وتفرض كلمتها على من يكون رئيس البلاد
خطوات قايد صالح الأخيرة محاولة لاستعادة أمجاد المؤسسة العسكرية، التي كانت تصنع القرارات الكبرى، وتفرض كلمتها على من يكون رئيس البلاد

حكاية العسكر مع السلطة في الجزائر ليست وليدة موقف وموقع الرجل القوي في مبنى “تاغارا”، بل تمتد إلى عقود مضت وحتى إلى ما قبل الاستقلال الوطني، ففي ذروة حرب التحرير، طرح التساؤل عن أولوية العسكري على السياسي أم العكس، وجيش التحرير هو الذي حرر البلاد، وتولدت أحقية الاستئثار بإدارة البلاد والاستفادة من المزايا، منذ زحف ما يعرف بـ”جيش الحدود”، عند الاستقلال على العاصمة لتنصيب الرئيس الراحل أحمد بن بلة قائدا للبلاد، واستحوذت مجموعة هواري بومدين وعبدالعزيز بوتفليقة، وغيرهما على مفاصل الدولة.

ولم يكن لبومدين أن ينقلب على بن بلة في 1965، لو لم يكن حينها قائدا لأركان الجيش، ولما احتدم الصراع بين وزير الخارجية حينها، عبدالعزيز بوتفليقة وأمين عام حزب جبهة التحرير الوطني الواحد محمد الصالح يحياوي، بعد وفاة بومدين، مثلت المؤسسة العسكرية في 1979، الخط الثالث لما أزاحت الرجلين واستقدمت العقيد الشاذلي بن جديد رئيسا للجمهورية.

دور الجيش من صميم الدولة

وحتى عندما تغول إسلاميو جبهة الإنقاذ في مطلع التسعينات، واستحوذوا على أغلبية البرلمان وقبلها المجالس المحلية، البلديات والمحافظات، حين تبنت البلاد خيار التعددية السياسية نهاية الثمانينات، تدخل العسكر وألغى المسار الانتخابي وواجه أزمة دموية كبيرة، بسبب ما أسماه بـ”إنقاذ الجمهورية من الأفغنة”، فيما سماه البعض الآخر “انقلابا سياسيا”.

ولما احتدمت الحرب الأهلية بين الجيش والجماعات الجهادية، وانسدت الآفاق السياسية أمام السلطة آنذاك، استقدم العسكر بوتفليقة رئيسا للبلاد، رغم تحذيرات البعض من تداعيات الخطوة، حيث صرح رئيس مجلس الأمة “الغرفة الثانية للبرلمان” الراحل بشير بومعزة، بالقول “استقدمتموه وستندمون”.

الجنرال قايد صالح لم يبد أي طموح سياسي، ليكون "سيسي الجزائر"، رغم تلميحات ودعوات بعض القوى السياسية كحزب العمال اليساري، وحركة "حمس" الإخوانية، لأداء دور في إخراج البلاد من المأزق السياسي

الرئيس بوتفليقة، أنجز ما عجز عنه أسلافه بتفكيك سطوة ونفوذ العسكر في السلطة، وأنهى خاصية “صناعة الرؤساء”. ورغم الإطاحة بأكبر الخصوم والنافذين في المؤسسة منذ مطلع الألفية، إلا أن المهمة لم تكتمل بعد على ما يبدو، فقايد صالح، المحسوب على جيل ثورة التحرير، يبحث عن إحياء أمجاد الجزمة والقبعة، لأنه لا يريد أن يؤدي دور ملك الموت الذي يقبض أرواح جميع البشر، ولا يبقى إلا هو ليقبض روحه بنفسه.

وباتت المسألة قضية بقاء أو زوال، فالرجل الذي استشعر خطر استقلالية جهازي الأمن والدرك، عن مؤسسة الجيش، أعاد ترويضهما بشكل يبقيهما ذراعين للعسكر وليسا جهازين مستقلين بمهام وصلاحيات ونفوذ ينافس المؤسسة العسكرية، ومسح كل الجيوب التي وطّنها القائدان السابقان عبدالغني هامل ومناد نوبة، لتكون منصات دعم في قادم الأيام والاستحقاقات.

لا تغيير خارج العقيدة

الحرب على الفساد، وتصفية الحسابات ترتبطان بالانتخابات الرئاسية، في ظل لي ذراع  خفي بين الجنرال قايد صالح، ورجل الظل سعيد بوتفليقة
الحرب على الفساد، وتصفية الحسابات ترتبطان بالانتخابات الرئاسية، في ظل لي ذراع  خفي بين الجنرال قايد صالح، ورجل الظل سعيد بوتفليقة

لم يبد قايد صالح، أي طموح سياسي، ليكون “سيسي الجزائر”، رغم تلميحات ودعوات بعض القوى السياسية كحزب العمال اليساري، وحركة “حمس” الإخوانية، لأداء دور في إخراج البلاد من المأزق السياسي، إلا أن الرجل رغم تقدمه في السن، يعرف بنشاط حثيث، ولم تمنعه وفاة زوجة نجله خلال الأشهر الماضية، من تأجيل مسلسل الزيارات المكوكية المفتوح، لتفقد ومراقبة وحدات المؤسسة، وتشديد الحراسة على الحدود البرية، والإشراف على المناورات الميدانية لاختبار الجاهزية واليقظة والاستعداد للأخطار المحدقة.

الجنرال قايد صالح يدرك أنه لا يستطيع نقض عهد الوفاء لبوتفليقة، لما انتشله من الشطب، حين أصدر رئيس الأركان الراحل الجنرال محمد العماري، قرار إقالة قايد صالح، وحوّل مكتوب القرار للرئاسة من أجل التوقيع عليه من طرف الرئيس بوتفليقة، وفق ما تقتضيه التراتبية القانونية، واستدعى حينها بوتفليقة قايد صالح إلى مكتبه ليطلعه على ما يحاك ضده، وأعاد استدعاءه بعد أسبوعين بعد وصول رسالة تذكير بالقرار ليتأكد مرة أخرى.

ولا يستطيع الرجل أن ينسى هذا الموقف لبوتفليقة، رغم أن الأخير نزلت عليه هدية من السماء، فاستقطاب الجنرال قايد صالح لصفه، سيكون آلة حادة يضرب بها خصومه في المؤسسة العسكرية، وكان أول رأس سقط هو الجنرال محمد العماري نفسه العام 2004، بعد معارضته لترشحه للرئاسة آنذاك، وحتى لما أراد بوتفليقة تفكيك جهاز الاستخبارات والإطاحة بخصمه اللدود الجنرال محمد مدين “توفيق” بين 2013 و2015، كان سنده القوي قايد صالح.

ولأن الأمر لم يعد كذلك، فالصديق والحليف، بوتفليقة، غائب أو مغيب عن الواجهة، والقرارات تتخذ وراء الستار، ولأن مصيره لم يعد بيده، فإن الجنرال قايد صالح، بات أكثر حساسية للعبة التوازنات داخل السلطة، سواء في المؤسسة التي يديرها، أو في محيط الرئاسة غير المطمئن لتوجهاته، ولذلك باتت شظايا معاركه تتطاير في الشمال واليمين، من أجل تأكيد صموده وقوته في فرض موقفه وموقف ما يمثله في مصير البلاد، في استحقاق 2019، وما بعد ذلك.

8