أحمد قذاف الدم.. حارس خزائن القذافي في مصر وابن عمه ومبعوثه السري

الأحد 2014/01/12
أحمد قذاف الدم: ما يجري في ليبيا هو نتيجة لمقدّمات حصلت

القاهرة - دخل أحمد قذاف الدم، مصر بعد الثورة في ليبيا مباشرة في 2011، وكان في حكم اللاجئ السياسي، الذي يمنع تسليمه لبلاده، بموجب الاتفاقية التي وقعتها مصر. وعلي الرغم من ذلك كان نزيلا في السجون المصرية وكان مهدّدا بترحيله إلى ليبيا، إلا أن سقوط الإخوان حال دون ذلك. حصل، مؤخرا، أحمد قذّاف الدم، منسق العلاقات المصرية الليبية في عهد العقيد معمر القذافي على البراءة من التهم التي نسبت إليه والمتمثلة في مقاومة السلطات الأمنية والشروع في قتل ضابط مصري وحيازة أسلحة وذخائر دون ترخيص. وهي قضية تسببت في إيقاف تسليمه للسلطات الليبية التي تريد محاكمته بتهم الاحتيال والتزوير والغش وغسل الأموال والفساد ولدوره في الحرب التي شهدتها ليبيا عام 2011 والتي قادت إلى اعتقال القذافي وقتله.

أحمد قذّاف الدم، شد إليه وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة بعد خروجه من السجن، نظرا لما تحمله قضيته وملابسات اعتقاله من دلالات لا يمكن قراءتها بمعزل عن الأجواء السياسية في مصر، خلال حكم الإخوان وبعده، وأيضا في ليبيا، في ظل ما تشهده البلاد من فوضى سياسية ومحاكمات سياسية وشعبية، لكل من كانت له صلة بالنظام السابق.

وملف قذّاف الدم يكتسي صبغة خاصة نظرا لأنه يعدّ من أقرب المساعدين للعقيد الليبي الراحل، وكان يصنّف ضمن دائرة كبار المسؤولين الأمنيين في النظام الليبي، وأحد أهم رجال الخيمة، أي الحلقة الضيقة التي حول القذافي.


صفقة مريبة


عندما جاء أحمد قذاف الدم إلى القاهرة بعد اندلاع أحداث بنغازي في 17 فبراير من 2011 ضد نظام العقيد معمر القذافي، لم يكن يظن أن الحال سينتهي به إلى السجن، وأن الحكومة المصرية، بقيادة الإخوان في تلك الفترة، ستغدر به وتطيح بكافة القوانين والاتفاقيات الدولية لتبادل “المتهمين” واستضافة “اللاجئين” وترضخ للمطلب الليبي، في صفقة تردّد أنها كانت بمقابل مادي ضخم، وشبيهة بالصفقة التي عقدتها السلطات الليبية مع الحكومة التونسية، برئاسة أمين عام حركة النهضة، حمادي الجبالي، لتسليم البغدادي المحمودي رئيس الوزراء الليبي الأسبق. وأيضا صفقة أخرى تمت بين الحكومة الموريتانية ونظيرتها الليبية التي تسلّمت الصندوق الأسود للقذافي، عبدالله السنوسي.

وكان حافظ أبو سعدة رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، قد وصف اعتقال قذّاف الدم، بأنه “قرار سياسي أكثر منه جنائيا جاء ضمن صفقة اقتصادية رعاها خيرت الشاطر نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين تقدر بحوالي 3 مليارات دولار لترميم انهيار الاقتصاد المصري المتهاوي”.

في ذات السياق قال محاميه محمد حمودة: “الإخوان قهروه وظلموه، وأرادوا تسليمه إلى ليبيا كي يذبح في صفقة مريبة”، مضيفا أن عصام الحداد، مساعد الرئيس المعزول، محمد مرسي، للشؤون والعلاقات الخارجية، “قبض 50 مليون دولار من التنظيم الدولي للإخوان، وكانت هناك شخصيات،، تقاضت أموالا لتنفيذ هذه الصفقة”.

نظام معمر القذافي عندما خرج لم يدمر نفطا ولم يدمر محطة كهرباء ولم يأخذ نقودا، بل ترك في خزينة ليبيا 200 مليار من الاستثمارات في الخارج، وهي تحت يد سلطة الدولة الليبية، وترك حوالي 150 مليارا في الداخل دون الذهب والفضة


ليلة القبض على قذاف الدم


بالتعاون مع الأنتربول تمكنت القوات الأمنية المصرية من محاصرة منزله في شارع حسن صبري بحي الزمالك بعشر سيارات، والقبض على قذاف الدم، كما تم اعتقال كل من محمد منصور القذافي وهو قريب للعقيد الراحل وشغل في عهده منصب مدير إدارة صندوق التمويل الإنتاجي، والقائم بأعمال سفير ليبيا السابق بالقاهرة علي محمد الأمين ماريا.

القبض على قذاف الدم، تم في منزله، في عملية مباغتة جرت بعد منتصف الليل.

يوم 19 آذار 2013، قام رجال الشرطة الجنائية الدولية وقوات الأمن المركزي المصري، بتنفيذ القرار الصادر من الأنتربول بناء على طلب السلطات الليبية بترحيل قذاف الدم إلى ليبيا، لأنه “متهم بارتكاب جرائم فساد مالي في ليبيا”، وقاموا بمحاصرة منزل قذّاف الدم في شارع حسن صبري بحي الزمالك بعشر سيارات. وبعد مواجهة أطلق خلالها رجال الأمن أعيرة نارية سلّم قذّاف الدم نفسه للأمن واقتيد إلى مكتب النائب العام المصري.

باشر مكتب التعاون الدولي في مكتب النائب العام المصري فحص القضايا المطلوب فيها قذاف الدم ومتهمون آخرون، وإنهاء إجراءات تسليمهم للجانب الليبي، وفقا للاتفاقية الموقعة لتسليم عدد من رموز النظام الليبي السابق الذين تمكنوا من الهرب والإقامة داخل مصر عقب سقوط نظام القذافي، غير أن القضية المرفوعة ضدّه في مصر، بتهمة الشروع في قتل ضباط شرطة ومقاومة السلطات، وحيازة أسلحة نارية دون ترخيص ساعدت على إيقاف تسليم قذاف الدم إلى ليبيا؛ ليودع في السجن قبل أن تقضي محكمة جنايات القاهرة، في شهر ديسمبر 2013، ببراءته من الاتهامات التي وجهت إليه ليستنشق من جديد نسائم الحرية، خاصة وأن صفقة تسليمه إلى السلطات الليبية سقطت بسقوط نظام الإخوان.

أعلن قذاف الدم من مصر في فبراير 2011 استقالته من كافة المناصب الرسمية التي كان يتولاها آنذاك، لكن الاستقالة تلك لم توضح إذا ما كان انشق عن نظام ابن عمه أم لا


من يكون قذاف الدم


ولد قذّاف الدم ابن عم معمر القذافي عام 1952 في مرسى مطروح وقيل في البحيرة بمصر لأب ليبي، من قبيلة القذاذفة، وأمّ مصرية.

كان يدرس في مدرسة مدنية إلى أن أمر معمر القذافي بتحويله إلى الأكاديمية العسكرية ليتخرّج منها بداية السبعينات والتحق بسلاح الحرس الجمهوري وتدرّج في المراتب العسكرية في فترة وجيزة. وأصبح اسمه شائعا في الصحف البريطانية في أواخر الثمانينات بسبب حديث عن علاقة مع ملكة جمال الهند سابقا باميلا بوردز.

وفي مصر، ارتبط اسم أحمد قذاف الدم، منسق العلاقات المصرية الليبية السابق، بأنه كان نجم حفلات المجتمع المخملي المصري، الذي يتسابق الجميع لنيل رضائه. ويتهمه خصومه بالغرور والتكبر والغطرسة.

بعد تخرجه كلف بملف المعارضة الليبية في الخارج إلى جانب مدير المخابرات، في ذلك الوقت، اللواء علي كوسه. واتهم بالمشاركة في الضلوع ببعض العمليات لتصفية معارضين ليبيين في الخارج وتحديدا أوروبا، من ذلك تصفية منصور الكيخيا، وزير الخارجية الليبي الأسبق على الأراضي المصرية.

عيّنه معمر القذافي حاكما عسكريا لمنطقة طبرق عام 1984 وأمينا للمكتب الشعبي في السعودية عام 1985.

كما اشتهر أحمد قذاف الدم بنشاطاته التجارية التي هي في الواقع واجهات استثمارية أقامتها أجهزة القذافي الأمنية لأغراض التجسس. ويصفه المراقبون برجل المهمات الصعبة لكثرة إيفاده من قبل القذافي في المهمات ذات الصبغة الخاصة والسرية، وقد عرف عنه إشرافه على حسابات سرية خاصة بالقذافي في مصارف عربية وأوروبية. وهو عند سفره خارج البلاد يتنقل بجواز سفر دبلوماسي بصفته مستشارا خاصا.

وذكرت بعض المصادر أن القذافي أوكل إليه عقب اندلاع انتفاضة 17 شباط 2011 مهمة المساعدة على إخماد التحرك الشعبي في بنغازي الواقعة في شرق البلاد والتي اندلعت منها الانتفاضة مع أن وسائل الإعلام الرسمية الليبية والأجنبية لم تأت على ذكر اسمه.

تقدر قيمة الاستثمارات الليبية في مصر بأكثر من 15 مليار جنيه مصري، وهناك أكثر من خمسمئة شركة باستثمار ليبي أكثر من نصفها ليبية تماما


انشقاقه عن معمر


إثر اندلاع الثورة الليبية توجه قذاف الدم إلى مصر ولم يكن في وسع أحد الجزم ما إذا كان ذلك انشقاقا أو مجرد استقالة كما قال هو.

وقد صرّح في بداية الانتفاضة الليبية الشعبية ضدّ العقيد معمّر القذافي أنه ليس متورطا في مسلسل الدماء التي تدفقت على الأراضي الليبية؛ ولم يكن محرضا – حسب قوله – بل كان ناصحا أمينا منذ بداية الاحتجاجات الليبية وقرر مغادرة البلاد وبعث باستقالته إلى القذافي على الهواء.

وقد قال في أول حورا له بعد إعلان براءته وخروجه من السجن: “… أنا حتى عندما استقلت، استقلت ليس لأنني ضد معمر القذافي بل لأنني معه لأن الذي حدث بنغازي، وعندما دخل الناتو، لم يكن مقبولا”.

وكان قذّاف الدم قد دخل القاهرة لاجئا، بدعوة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، رافضا عروضا بالاستضافة من فرنسا وروسيا وأميركا وأيضا من دول في أفريقيا وأميركا اللاتينية.

في مصر، كانت تحت مسؤولية قذاف الدم الكثير من المهام تمثلت كلها في متابعة الاستثمارات الليبية والتي تتركز في السنوات الخمس الأخيرة على قطاعات الزراعة والسياحة والقطاع المالي.

تقدر تلك الاستثمارات بأكثر من 15 مليار جنيه مصري، وهناك أكثر من خمسمئة شركة باستثمار ليبي أكثر من نصفها ليبية تماما. ونفى قذاف الدم أنه استحوذ على كل تلك الاستثمارات، مؤكّدا أنها استثمارات الدولة الليبية.

ونقلت محامية أحمد قذاف الدم، عصمت الميرغني، عنه قوله إنه قام بتسليم كل الاستثمارات الليبية في مصر، والتي كان يديرها، إلى السلطات الانتقالية في ليبيا بأوراق رسمية وتحت سمع وبصر السلطات المصرية.

والمشكلة أن كثيرا من تلك الاستثمارات الليبية ـ خاصة مزارع القمح ـ لم يكن واضحا تماما وضعها القانوني. فرغم أنها كانت في إطار اتفاقات استثمار ثنائية ليبية ـ مصرية، إلا أن إدارة أحمد قذاف الدم لها كانت توحي بأنه مالكها وأنها ليست “استثمارات دولة” في دولة أخرى. كما أن غموض ملكية الثروة في ليبيا في ظل حكم القذافي ساهم في تلك الضبابية حول الوضع القانوني لتلك الاستثمارات.


قمة عربية قبل فوات الأوان


خلال تواجده في السجن عبّر قذّاف الدم على موقف يشي بمعرفته الدقيقة بما يدور خارجا، وأهم الأخطار التي تتهدد بعض البلدان العربية، لذلك طالب في رسالة بعث بها إلى صحيفة “المصري اليوم”، بعقد قمّة ترعاها المملكة العربية السعودية وتجمع مصر وتركيا وإيران لحل الأزمة الراهنة في المنطقة، خاصة ما يتعلق بالشأن السوري.

وقال في رسالته التي أرّخها بـ(الخميس 29 أغسطس 2013) وعنوانها «قمة عربية قبل فوات الأوان»: “أدعو خادم الحرمين الشريفين والمملكة العربية السعودية، وهي والحمد الله مازالت خارج دائرة الخطر وتستطيع أخذ زمام المبادرة، إلى قمة عاجلة لمعالجة ومراجعة ولتدارس الوضع الذي وصلنا إليه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، آخذين في الاعتبار مطالب الجماهير وأحلام الشباب وكرامة الأمة وكبرياءها، والأخذ بالعلم الذي خاصمناه طويلا كعرب، فنحن نريد من هذه القمة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

كما أطالب السعودية بالدعوة إلى قمة أخرى سريعة وموازية تجمع تركيا وإيران ومصر على أرض المملكة لإطفاء النار المشتعلة في سوريا والتي قد تطال لبنان والأردن، ولن يخرج منها أحد منتصرا بل ستتحول إلى دولة فاشلة تحكمها الفوضى، وتصبح الجزيرة العربية محاصرة بدول تحكمها الفوضى من اليمن إلى العراق إلى سوريا”.

وختم قذاف الدم رسالته بقوله: “… على أبناء هذه الأمة أن يتحملوا مسؤولياتهم للدفاع عنها وذلك بالوعي من الأخطار التي تهدد وجودها وتسخير طاقاتها الخلاقة بشكل إيجابي ليس بالحقد الأعمى الذي يدمر كل شيء، وعلينا ألا نفقد الأمل في معالجة أمورنا بالحكمة قبل فوات الأوان وتصحيح المسار”.

أحمد قذاف الدم يعتقد أن على الجميع أن يركّزوا على مستقبل ليبيا من أجل ألاّ تقع في المحظور


موقفه مما يجري في ليبيا


بعد خروجه من السجن، وفي أول حوار له، أكّد قذّاف الدم أن ما يجري في ليبيا هو نتيجة لمقدّمات حصلت ومن الطبيعي أن تؤدي إلى مثل هذه النتيجة. ويرى أن الواقع في ليبيا لا يحتاج إلى شرح، وهو الذي سيوحد الشعب لأن كل الناس غير راضية سواء الذين كانوا مع ثورة الفاتح من سبتمبر أو الذين هم مع ثورة 17 فبراير.

ويذهب إلى أن الناس كلهم اكتشفوا أن الصراع لم يعد صراعا سياسيا بل أصبح من أجل بقاء ليبيا ووحدتها ومستقبلها فالتضحية هنا لابد منها.

ويعتقد أنه على الجميع بغض النظر عن خلافاتهم أن يركّزوا على مستقبل ليبيا من أجل ألاّ تقع في المحظور الذي بدأت ملامحة تتراءى للأعين؛ فليبيا تحولت إلى جزر بركانية مشتعلة.

الدولة الآن أصبحت ضعيفة ويقودها أناس مختلفون من حيث الأمكنة التي جاؤوا منها، فبعضهم تربى في أحضان الغرب لا يعرف تركيبة ليبيا من القبائل أو المجموعات؛ حتى المجموعات التي ظهرت والتي تطالب بالشريعة الإسلامية، تجهل خصوصية المجتمع الليبي بكل تفاصيله الاجتماعية والدينية والتاريخية.

ويعتبر قذاف الدم أن الخيانة شيء مؤلم رغم أن البعض يحاول أن يبررها، “فمن حقك أن تختلف مع معمر القذافي ومن حقك أن تسقط نظامه ومن حقك أن تفعل ما تريد، أما أن تستعين بالناتو وبالقوى المعادية للأمة والمعادية للإسلام فأين النخوة في ذلك، وهو سقوط في المحظور ويدفع الجميع الآن ثمن ذلك الانسياق وراء مخطط لتدمير بلد وليس إسقاط نظام”.

8