أحمد كمال أبو المجد الذي سقط مشروعه بسقوط الإخوان

السبت 2015/05/09
أبو المجد محام دافع عن بيع طابا وكاد يتسبب باغتيال نجيب محفوظ

كثيرون يبدون دهشة كبيرة، عندما يقترن اسم الدكتور أحمد كمال أبو المجد بلقب “المفكر الإسلامي”، و لا شك أن هؤلاء محقون في كثير من دهشتهم، لكن على ما جرت عليه العادة العربية، سنتعامل مع الأمر على كونه واحدا من مبالغات ليست في محلها، وهذا لا يعني بحال تقليلا من شأن الرجل، لكن محاولة لوضع الأشياء في مواضعها الصحيحة.

ارتباط الرجل بالشأن السياسي العام وإصداره عدة كتب حول الدولة المصرية، كما يراها، وطرحه للعديد من المبادرات السياسية في أزمنة وعصور مختلفة، جعله أقرب لنموذج المفكر منه إلى السياسي، لا سيما أن أطروحات أبي المجد ارتبطت بالنموذج الوسطي، الذي كان ممثلا له في مواقع سياسية متعددة، شغلها على مدار عمره المديد.

لذلك نتصور أن لقب “المفكر الإسلامي” المكنى به الرجل لم يكن بأيّ حال تعبيرا عن منجز فكري واضح الملامح قدمه على مدار كتابته الصحفية والسياسية والأكاديمية، قدر كونه تعبيرا يذيعه قطاع من النخبة ويتمسك به تقديرا لرجل له الكثير وعليه ما هو أكثر.

وبصفة عامة، يبدو وضع الألقاب في غير مكانها عادة عربية ليست مدهشة، وإن كانت شديدة التزيد، وربما تعكس قدرا هائلا من سوء الفهم، وليس في ذلك افتئات على دوره كسياسي ورجل عام بارع، لكننا لا نكاد نعرف للرجل أكثر من ثلاثة كتب، معظمها يجري مجرى المقالة ومن ثمة الأفكار المجتزأة، إلى جانب بعض المؤلفات القانونية المتخصصة ذات الصبغة الأكاديمية التي لم تصل للقارئ العام بطبيعة الحال.

أبو المجد والمجتمع العربي

قدم الدكتور أبو المجد ثلاثة كتب، لا تتناول الشأن القانوني، على مدار أكثر من خمسين عاما، بدأت بكتابه “دراسات في المجتمع العربي” الذي صدر في القاهرة عام 1962، وكتابه “حوار لا مواجهة” القاهرة عام 1988، ثم كتابه “رؤية إسلامية معاصرة” القاهرة عام 1991.

ثمة خط يبدو مستقيما يجمع بين الكتب الثلاثة التي أصدرها أبو المجد وهو البحث عن موطئ قدم لمجتمع إسلامي مستنير لا ينكر الماضي، لكنه لا يقدسه، في الوقت نفسه يقرأ الحاضر حسب مقتضياته وحاجات العصر، منوها في ذلك عن قدرة الفقه الإسلامي على التطور والتنوع والاستجابة لحاجات العصر.

كانت مواقفه الداعمة أبدا لفكرة الحوار بابا ذهبيا لوجوده كشخصية فاعلة في كافة العهود، منذ الحقبة الناصرية وحتى لحظتنا الراهنة، فلم تكن ثمة تناقضات كبيرة بينه وجميع الأنظمة الجمهورية المتتالية، لأنه يستمسك بما يراه وسطية تقف على درجة عالية من المثالية التي تسعى لإزاحة عشرات التناقضات من طريق الحوار المجتمعي، في إطار حرص الرجل على الوقوف على مسافة متساوية من الجميع، ما هيأ له مكانا بينها جميعا، سواء تعلق هذا الموقف بتكتلات داخل السلطة الحاكمة أو أيّ تكتلات خارجها.

لم تكن ثمة تناقضات كبيرة بين أبي المجد وجميع الأنظمة الجمهورية المتتالية لأنه يستمسك بما يراه وسطية تقف على درجة عالية من المثالية التي تسعي لإزاحة عشرات التناقضات

رد رشيد على حكم فاشي

ثمة موقف نظري يبدو شديد المثالية يروّج له عادة أبناء الفكر الوسطي وبينهم أبو المجد، وهناك قبول عام كان يحظى به أصحاب تلك الدعوات قبل هبوب ثورات الربيع العربي، وكان الأمر يحصل على وجاهته من كونه رداً عاقلاً ورشيداً على سلطات حاكمة شبه فاشية في مواجهة خصومها، فسلطات هذا الزمان اعتمدت على الإقصاء والتشريد ونفي الخصوم، كما اعتمدت على الصوت الواحد والحزب الواحد والحاكم الواحد، فضلا عن الفساد المؤسسي، ومظاهر الظلم الاجتماعي الحاد والعنيف، الذي كرس تفاوتا مجتمعيا مخيفا.

من هنا بدا الخطاب الإسلامي، الذي يدعو له أبو المجد مع تكتلات أخرى كبيرة أكثر تنظيما، خطابا تطهّرياً يمكن له إنقاذ الأمة من براثن طغاتها. كان خطاب أبي المجد يتميز، إلى جانب ذلك، بإلمامه بتصور حداثي لدولة سيادة القانون والحريات والمساواة والعدالة، غير أن البناء الأكثر عقلانية في هذا السياق، والذي بدا مستمسكا ولا زال بالمرجعية الإسلامية، لم يصنعه أبو المجد، بل صنعه مفكرون آخرون، كان مشروعهم الذي ارتبط بدراسات فلسفية بالأساس، ينصبّ على تطوير الفكرة الإسلامية، عبر الاستفادة من مفاهيم شديدة الحداثة، مصدرها الفلسفات الغربية الحديثة.

ورأينا ذلك لدى مفكرين مغاربة مؤثرين، مثل محمد عابد الجابري، و محمد أركون، وطه عبدالرحمن، ويتجسد هذا النموذج في مصر لدى حسن حنفي، ونصر حامد أبوزيد، ومحمود إسماعيل، وعلي مبروك، وفي الإمارات لدى علوي الهامشي، ولدى بعض دارسي الأنثربولوجيا والسيسيوتاريخ، مثل فراس السواح وسيد القمني.

ظهرت دعوات متكررة لتجاوز الفقه القديم وإعادة ضخ الحياة في شرايينه، بتخليصه من عنفه وتجاوزاته وماضويته، وشغلت فكرة تاريخية النص القرآني وأزليته، جزءا كبيرا من هذا الصراع العميق الذي تتجاهله الأدبيات

العارضة لدى أبي المجد، وهي قضية تتشابه مع قضايا كبري شائكة داخل هذا الإطار، مثل تنقية كتب الحديث وتنقية الفقه، وهي قضايا تلقى مقاومة دموية حال طرحها للنقاش.

لعل المقدمة التي كتبها أبو المجد لأول طبعة مصرية لرواية “أولاد حارتنا” للروائي الكبير نجيب محفوظ الذي حصل على جائزة نوبل في الأدب، ترصد مفصلا خطيرا من هذه الأزمة، التي كادت تؤدي بمحفوظ إلي القتل علي إثر فتوى من مفتي الجماعة الإسلامية عمر عبدالرحمن، الذي أجاز فيها قتل محفوظ كما أجاز، من قبل، اغتيال سلمان رشدي، معتبرا أن كل من يهاجم الإسلام لا بد أن يقتل.
أبو المجد يحرص على أن يظهر وسطي التفكير لكن مشروعه سقط بعد أن عجز عن تقديم رؤية إسلامية قابلة للتطبيق، وبعد سقوط الإخوان انهارت مبادرته للصلح معهم حتى قبل أن تبدأ

وسط ذلك أدهشني بحق أن تكون مقدمة أبي المجد معنية بقضية تحولت إلى قضية مركزية، حيث قال نجيب محفوظ في ندوة عقدتها جريدة الأهرام منذ حوالي 15 عاما، تحت عنوان “نحو مشروع حضاري عربي”: إن أيّ مشروع حضاري عربي لا بد أن يقوم على الإسلام، وعلى العلم.

ورغم مساحات المراوغة التي تضمنتها كلمة محفوظ على عادته، إلا أن أبا المجد قال تعقيبا على ذلك: لقد وصلت رسالتك، وهي على قصرها، واضحة وصريحة ومستقيمة لا تحتمل التأويل، وعلى إثر ذلك طلب الاستزادة من نجيب محفوظ، غير أن الرجل كان يفضل دائما الانحياز للاختصارات غير المخلة، وكأنه لم يقرأ من محفوظ سوى كلمة “الإسلام” وكأن اقترانها بمفردة العلم لم يكن يستحق التعليق.

وساطة لإنقاذ الإخوان

تلك الانحيازات، ربما تفسر الدور الذي لعبه الدكتور أبو المجد عند اعتلاء الإخوان المسلمين لسدة الحكم في مصر في منتصف العام 2012، حيث التقى الرئيس المعزول محمد مرسي غير مرة، وقاوم وانتقد جميع المحاولات التي بذلتها القوى السياسية لإزاحة الإخوان من السلطة، وكان قد ارتأى وقتها أن تلك الإزاحة ستكون نذيرا بحرب أهلية وانقسام مجتمعي خطير، لكن ذلك لم يمنعه من توجيه الانتقادات لحكم مرسي، بسبب ما قال إنه غياب للرشد السياسي، كذلك جراء التخبط في تصريحات التنفيذيين المحيطين بمرسي والذي رآه الرجل مقدمة لانهيار حكم الإخوان. أفصح أبو المجد فيما بعد عن مضمون الرسالة الأخيرة التي وجهها لمرسي حول شعارات الإنجاز التي يتم إطلاقها بدرجة عالية من المجانية، لكنها لم تلق أيّ صدى في الواقع لعدم مصداقيتها، لأنها لا تصادف نفاذا حقيقيا، بل ربما ترويجا إعلاميا على درجة عالية من الغوغائية ليس أكثر.

لم يكن غريبا، طبقا لمواقف أبي المجد، فقد كان من المفهوم أن يعود الرجل ليؤيد قائمة مطالب الثالث من يوليو 2013 التي أعقبت الثورة الشعبية العارمة على حكم الإخوان في 30 يونيو في العام نفسه، وتعيين المستشار عدلي منصور رئيس المحكمة الدستورية العليا رئيسا مؤقتا للبلاد لمدة عام.

ورغم تأييد أبي المجد لثورة 30 يونيو، إلا أنه تدخل غير مرة للنهوض بأدوار تفاوضية للوساطة بين الإخوان والدولة، وتجلّى ذلك في مشهدين لم يحققا نجاحا يذكر، المشهد الأول يتمثل في تلك الورقة التي قدمها أبو المجد للرئيس عدلي منصور، وللفريق عبدالفتاح السيسي (وزير الدفاع آنذاك) حول إصلاح الخطاب الديني، وكانت الورقة تستهدف شيئا جوهريا إعادة دمج الإسلاميين في الحكم، بعد إعادة تأهيلهم للحكم، لكن الورقة لم تلق قبولا عند مؤسسة الحكم، رغم إفصاح أبي المجد فيما بعد عن شكر وجهه للرئيس السابق عدلي منصور على اتصاله به وثنائه على محتوى تلك الورقة.

المقدمة التي كتبها أبو المجد لأول طبعة مصرية لرواية "أولاد حارتنا" للروائي الكبير نجيب محفوظ، كادت تؤدي بالأخير إلى القتل على إثر فتوى من مفتي الجماعة الإسلامية عمر عبدالرحمن

ولم يفته أن يستنكر موقف الفريق السيسي الذي تجاهل الورقة ولم يرد عليها، ما دفعه لكيل المديح لمنصور والقدح في السيسي في حوار نشرته المصري اليوم واصفا منصور بأنه عالم جليل، وواصفا السيسي بأنه خفيف الوزن مقارنة بمنصور، غير أن تلك التصريحات تغيرت كلية عندما التقي أبو المجد بالرئيس السيسي وقدم له ورقته الإصلاحية مرة أخرى.

المشهد الثاني الذي أعاد أبا المجد للحياة، كان يتمثل في تلك المبادرة التي أعلنت عنها الصحف المصرية في نهاية شهر نوفمبر 2013، والتي سرعان ما تحدث عنها لبعض الصحف، مؤكدا فشلها بسبب انقسام الإخوان وسيطرة التيار المتشدد على التنظيم، وهو الفصيل الذي يراه أبو المجد سببا مباشرا في انهيار حكم الإخوان.

لا شك أن الفشل الذي مني به المشروع الإسلامي بعد ثورات الربيع العربي دفع جميع الخطابات الوسطية إلى التراجع خطوات كبيرة إلى الوراء، لذلك لم يكن غريبا أن يكون مصير وساطات وأوراق أبي المجد عرضة للإهمال وعدم الانتباه.

خارج السياق المحافظ الذي حرص أبو المجد على طرح نفسه من خلاله، ثمة جوانب كثيرة مسكوت عنها في علاقته بالسلطة، حيث يظل اتهامه بممالأة الأنظمة الجمهورية اتهاما يلقى صدى في الواقع، لا سيما أنه يعد واحدا من مؤسسي الاتحاد الطليعي، ثم منظمة الشباب مع نظام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وفي عهد الرئيس الراحل أنور السادات، تم اختياره وزيرا للإعلام والثقافة، عقب حرب أكتوبر 1973، ثم كان واحدا من أقرب الرجال للسيدة سوزان مبارك ولنظام مبارك في جملته.

أما أخطر التهم الموجهة للرجل فهي شراكته لرجل الأعمال الهارب طاهر حلمي في مكتب محاماة أميركي عالمي، متهم بأنه ممول من الولايات المتحدة، وهو مكتب “بيكر آند ماكنزي” الذي يملك أكثر من خمسين فرعا على مستوى العالم، وسبق لبعض الصحف المصرية أن نشرت تقارير عن أن هذا المكتب، طبقا لوثائق ويكليكس، كان سببا في خسارة مصر لأموال كثيرة، بسبب صفقات عقدها لصالح رجال أعمال أميركيين في بيع القطاع العام.

كان أبو المجد عرَّابا للكثير من تلك الصفقات، وأخطر الاتهامات التي وجهت له إبان ترافعه عن الحكومة المصرية في قضية أرض طابا التي باعتها الحكومة لرجل الأعمال وجيه سياج، أنه كان محاميا في الوقت نفسه للأخير، وربما تعزز هذا الاتهام، بعد أن خسرت الدولة القضية أمام التحكيم الدولي، وأصبحت ملزمة بسداد سبعمئة مليون دولار لخصمه.

13