أحمد مراد: هناك جرائم واقعية سكتت عنها الرواية العربية

"لوكاندة بئر الوطاويط" مغامرة تختبر شغف الناس بالمجرمين الأذكياء.
الأحد 2020/08/16
الجمال الروائي صناعة المتعة ومضاهاة الواقع الإنساني

لم تمرّ بضعة أيام على صدور رواية أحمد مراد الجديدة بالقاهرة حتى نفدت لها ثلاث طبعات متتالية، ما يعكس إقبالا من جمهور الرواية العربي. وهذا يبدو نادرا في عالمنا العربي حيث الإقبال على القراءة ضعيف نوعا ما ويتطلب جهدا خاصا من الكاتب. لذلك التقت “العرب” أحمد مراد وحاورته حول هذه التجربة الجديدة، والتي يتحدث عنها لأول مرة لوسيلة إعلام عربية.

يموت الإبداع بالتكرار، وينزوي بالتقليد، وباستنساخ التجارب. وقد تذبل الدهشة بالسير في المسارات ذاتها التي سلكها السابقون. وتخفت الموهبة بإعادة روي حكايات لها بدايات متشابهة ونهايات متوقعة. ليس هذا الجمال، إنما أن تصنع عالما جديدا، والنجاح أن تُقدم ما لم يقدم من قبل، وأن تجرب ما لم يجرب، وتقول ما لم يقل، وتحكي ما لم يُحك، وترسم عوالم لم ترسم بعدُ.

هذا في ظني ما كان يدور برأس الروائي والسيناريست المصري أحمد مُراد وهو يفكر ويبني ويدون روايته الأحدث “لوكاندة بئر الوطاويط” والتي صدرت مؤخرا عن دار الشروق بالقاهرة، وبدت بمثابة سحب مباغت للرواية العربية نحو عالم جديد لم تعرفه من قبلُ، لتحكي واقعا معيشا، ومسكوتا عنه في بلادنا، حتى أننا نستغرب أن تضمّه رواية.

المسكوت عنه

لغة جديدة تحمل تعبيرات مستحدثة
لغة جديدة تحمل تعبيرات مستحدثة

يؤكد مراد أن إنكار جرائم القتل المتسلسل في العالم العربي لا يعني بالضرورة عدم وجودها، وإنما يوحي بوجود رغبة في إخفائها والتهوين منها تحت لافتة أن المجتمعات العربية أكثر صلاحا واستقرارا من الغربية، وأنها لا تشهد قتلة مجانين، تتعدد ضحاياهم، وتتكرر جرائمهم دون أن تكتشفها أجهزة الأمن.

طرحت الرواية حكاية محقق بدائي مصري يعيش في سنة 1865، زمن الخديوي إسماعيل، ويستدعى لتصوير جريمة قتل أحد رجال الحاشية، ليجد رموزا محيطة بمسرح الجريمة، تُحيله إلى حكايات قديمة مرتبطة بثأر موروث، لتبدأ سلسلة من جرائم القتل لشخوص عدة يتسابق الجاني والمحقق في ما بينهما حولها. وتعمد الرواية إلى رسم حالة من الحيرة القصوى لمجموعة ألغاز تُحيط بالحكاية منذ البدايات، ويبدأ تسريب الحلول بشكل تدريجي ممنطق، يختلط فيه التاريخ بالخيال، وتتشابك مشاهد وحوارات ترسم أحوال الناس وأساليب حيواتهم في ذلك الوقت.

يقول أحمد مراد في حواره مع “العرب”، إن المجتمعات العربية شهدت قبل سنوات فكرة الجرائم المسلسلة، لكنها جُنبت عن عمد، وتم التهوين منها لأنها تعكس سوءات مجتمعات يدّعي البعض أنها مثالية.

ويوضح أن الطبيعة الإنسانية واحدة، ووجود شرير ذكي مفتون بالقتل والتمثيل بضحاياه غلّا وحقدا، مسألة واردة في بلاد الشرق، مثلما هو متجدد وظاهر في العالم الغربي. وحسبنا نعلم أن السفاح المصري الشهير محمد منصور المعروف بُخط الصعيد الذي قتلته الشرطة المصرية سنة 1947 قتل وحده أكثر من 75 رجلا.

وظهر في بداية الألفية الثالثة شقي مصري آخر هو رمضان منصور، والذي عرف بالتوربيني، وارتكب سلسلة جرائم قتل لأطفال بعد اغتصابهم وصل عددها إلى 32 جريمة، قبل أن يسقط في أيدى الشرطة سنة 2007.

أحمد مراد، روائي مصري من مواليد القاهرة في فبراير من سنة 1978، التحق بمعهد السينما وتخرج فيه سنة 2000، وحصلت أفلام تخرجه على جوائز دولية في أوروبا، وصدرت له روايته الأولى “فيرتيجو”، وترجمت إلى الإنجليزية والإيطالية والفرنسية، قبل أن تتحول إلى مسلسل تلفزيوني، ثم كتب رواية “تراب الماس” التي تحولت إلى فيلم من بطولة آسر ياسين ومنة شلبي، ومن إخراج مروان حامد.

رواية لاقت رواجا كبيرا
رواية لاقت رواجا كبيرا

وصدرت له بعد ذلك روايات “الفيل الأزرق”، و”1919”، و”أرض الإله”، و”موسم صيد الغزلان”. وكتب عدة أفلام سينمائية أشهرها “الفيل الأزرق” بجزأيه الأول والثاني، و”الأصليين”، وفاز الروائي بجائزة البحر المتوسط للإبداع، ووصل إلى القائمة القصيرة في رواية البوكر العربية عام 2013. كما فاز بجائزة الدولة المصرية للتفوق في الآداب عام 2017.

يشير مراد في حواره إلى أن التحقق الروائي يستلزم دوما التجدد والتجريب والإبحار بسفينة الإبداع إلى عوالم جديدة، وعالم الجرائم المسلسلة خصب ومثير، يمثل جذبا وإدهاشا، ويسهم في بناء جسر من التواصل بين الجمهور والأدب الحديث، ومن الضروري أن يغامر الروائي باقتحام حقول يتصور الناس أنها منغلقة، ويجرب، ويحاول، ويتعب في صناعة حكايته في ذهنه قبل أن يكتبها نصا.

يؤكد الروائي المصري أن فكرته لتقديم نفسية المجرم، وأساليبه، وسبل تفكيره، وكيفية تخطيطه لإنهاك وجعل متتبعيه في حيرة، استلزمت منه بحوثا ودراسات عميقة تجاوزت علم التاريخ لتدلف إلى علم النفس السلوكي، وعلم الإجرام، وعلم التشريح.

ويضيف أنه يدرس علم التشريح باستفاضة منذ كتابة روايته “تراب الماس” ويتابع بشغف واهتمام برامج كتاب الجسد، لدرجة قراءة دلالات كل شيء في الطب الشرعي الحديث. تتميز رواية “لوكاندة بئر الوطاويط” بلغة جديدة تحمل تعبيرات مستحدثة، وحاولت رسم الزمن المحكي عنه بإدماج مجموعة من الأمثال الشعبية القديمة، في لغة السرد والوصف، مع تعبيرات نادرة كانت تستخدم في الماضي ولم يستمر استخدامها، وإشارات وصفية تشبه الشريط السينمائي الذي يمرّ أمام القارئ.

يوضح أحمد مراد أن العودة إلى تاريخ الرواية كان أمرا بالغ الصعوبة، لأن تلك الفترة ليست من الفترات الثرية في الأحداث، ولا توجد مصادر عديدة تحدثت عن الحياة في مصر في ذلك الوقت، واستعان ببعض الكتابات الأجنبية لرحالة أوروبيين زاروا مصر خلال عهد الخديوي إسماعيل، إلى جانب إشارات قليلة وردت في بعض كتب التاريخ.

أصعب ما يواجه الروائي في هذا الصنف من الروايات هو قدرة إقناعه للقارئ بالوقائع المدهشة وإقناعه أكثر بحلول الجرائم الملغزة
أصعب ما يواجه الروائي في هذا الصنف من الروايات هو قدرة إقناعه للقارئ بالوقائع المدهشة وإقناعه أكثر بحلول الجرائم الملغزة

ويقول، إن اختياره لزمن الرواية خضع لتصور منطقي حول نهاية عصر القواصة (الشرطة البدائية) الذي ورثه الخديوي إسماعيل عن الوالي محمد علي باشا، لبدء عصر الشرطة بمفهومها الحديث، ونشوء علم البحث الجنائي في مصر على أيدي الطليان، حيث شهدت الفترة السابقة مباشرة على ذلك استخدام الحاذقين وأصحاب المهارات الخاصة في تتبع الجرائم، وهو ما حدث مع بطل الرواية.

ويذكر أن العالم العربي لم يعرف مهنة المخبر الخاص حديثا، وكان لا بدّ من البحث عن ثغرة تاريخية يمكن دس حكاية مخبر خاص فيها، يتميز عن أجهزة الشرطة التقليدية بإصراره على كشف الحقيقة مهما كانت مزعجة، والتي تعمل على إغلاق ملفات القضايا بأي شكل، والأخذ في الاعتبار ضرورة عدم إثارة الفزع في المجتمع.

لم نسأل أنفسنا، رغم إعجابنا الشديد بشخصية المحقق الشهير شرلوك هولمز، عن السبب في عدم وجود شخصية مماثلة له في العالم العربي، وكان الأسهل أن نُسلم بفكرة عدم وجود جرائم مماثلة، أو أن المجتمع أكثر صلاحا، غير أن الحقيقة أننا نُنكر وجود جرائم محيرة لم يكتشف فاعلها الحقيقي أو استسلمت الشرطة أمام تناقض
الأدلة لتفاصيل القضية على أي مشتبه فيه.

 من هُنا حاول مراد أن يقدم في روايته حكاية أخرى لجريمة اغتيال الجنرال الفرنسي كليبر في القاهرة سنة 1800، إذ التقى بطل الرواية بشخص مُهمش ادعى أنه قتل كليبر وهرب ثم ألقى بالسكين على شاب ينام في إحدى الحدائق، وهو سليمان الحلبي وفرّ، واعترف بالجريمة تحت التعذيب وتمّ إعدامه.

هذه الحكاية على الرغم من اختلاقها، فهي محاولة للفت نظر القارئ بأنه ليس من الضروري أن يكون المتهم المعترف بالجريمة قد ارتكبها بالفعل، وأنه لا يوجد يقين تام في ما هو مروي من أحداث.

كان التاريخ محل اهتمام الروائي المصري منذ بداية مشروعه الأدبي، ووضح سعيه الدؤوب لطرح الحكايات الأخرى للتاريخ عبر روايات سابقة مثل القول إن ثورة يوليو 1952 في مصر ليست ثورة، وإنما انقلاب، أو أن الادّعاء بأن النبي موسى كان مصريا، أو غيرها من الطروحات التي تلامس بحث جمهور القراءة من الشباب عن حكايات مغايرة لما عرفوه تاريخيا.

يؤكد الروائي المصري أن التاريخ في حد ذاته يمثل دراما إنسانية عميقة، وأن كل عهد من العهود التي مرت بها مصر، أو الدول العربية، يمكن أن يكون مادة خصبة لخيال أيّ روائي للتحليق في سماء الإبداع، والأمر مُتاح للجميع من خلال الاطلاع والبحث والتخيل، ونحن نعيش عصر التكنولوجيا التي تمكننا من متابعة أزمنة وأمكنة بعيدة بسهولة ويسر، قائلا “المهم في تقديري أن تمتلك الموهبة والرغبة وأن تصر على التفاعل مع الوقائع التي لم تكن شاهدا عليها”.

مغامرة إقناع القارئ

الفيل الأزرق أشهر أعمال أحمد مراد التي تحولت من الرواية إلى شاشة السينما ونالت شهرة واسعة
الفيل الأزرق أشهر أعمال أحمد مراد التي تحولت من الرواية إلى شاشة السينما ونالت شهرة واسعة

 يكشف أحمد مراد في حواره مع “العرب”، أن أصعب ما يواجه الروائي في هذا الصنف من الروايات هو قدرة إقناعه للقارئ بالوقائع المدهشة، وإقناعه أكثر بحلول الجرائم الملغزة، ما يتطلب فنا دراميا يسمى “فور شادونج” يتم فيه سرد تفصيلات صغيرة غير لافتة من بداية الرواية، ربما لا يلحظها القارئ، لتتجمع في النهاية كنسيج متكامل لتقديم نهاية عقلانية ممكنة.

وإذا كان البعض يتصور أن الروائي متى تحقق، فإن كل ما يكتبه محل تقدير واهتمام، وأن الطريق صار أيسر، لكن مراد يرى عكس ذلك تماما، إذ أنه يؤمن بأن الروائي المتحقق، صاحب الجماهيرية الواسعة مرصود دوما، وتحت الرقابة المستمرة، وعليه أن يبذل جهودا مضاعفة ليؤكد أن موهبته ليست نتاج مصادفة، ولا هي أمر عابر، وإنما رد فعل طبيعي لاجتهاده ومثابرته وسعيه الدائم للتجديد والتطوير.

ويشدد على أن الروائي المتحقق يجب أن يسعى إلى تجاوز النمطية، والتجديد الدائم، والبحث عن المتروك والمنسي والمهمل، في التاريخ أو الحاضر، فضلا عن التحرر من قيود التفسيرات الاجتماعية والدينية للفن.

ويتابع “الفن تحرر، وانطلاق، وطرح أسئلة يتصورها البعض ممنوعة أو محرّمة، والدخول إلى الذات الإنسانية، وقراءة مشاعرها وتخيّلاتها”، والفن لديه لا يجيب على الأسئلة، ولا يعظ الناس، ولا يحضهم على الخيرات، فليست هذه، رغم مثاليتها، وظيفة الفن، وهذا ما يضعه في أحيان كثيرة في بوتقة هجوم وانتقاد مُجتمعي تحت دعوى تقديمه لثيمات الجنس، أو طرحه لقضايا وجودية، وخلص إلى أن الجمال الروائي يعني صناعة المتعة ومضاهاة الواقع الإنساني بطريقة مُدهشة وجذابة.

11