أحمد معيتيق ممنوع من الرئاسة بفيتو إخواني

الأحد 2017/10/22
سياسي إصلاحي يعلق في رمال ليبيا

تونس - تحركات النائب بالمجلس الرئاسي أحمد عمر معيتيق الأخيرة توحي بأن دوراً يلعبه الرجل غير بعيد عن إعادة رسم خارطة العلاقات الدولية لطرابلس مجدداً، فزيارته خلال الأسابيع الماضية للعاصمة الإيطالية روما ولقاؤه مع وزير الخارجية الإيطالي أنجيلينو ألفانو جاءا في إطار دعم مبادرة الأمم المتحدة التي انعقدت في تونس من أجل العمل على تحقيق الاستقرار في ليبيا التي تمثل شريكاً تاريخياً لإيطاليا، كما جاء في تصريحات المسؤولين الليبي والإيطالي.

ألحق معيتيق تلك الزيارة بلقاء وفد كوري رفيع المستوى برئاسة الدبلوماسي الكوري الجنوبي دونغ مان هان لبحث العلاقات الثنائية والتعاون القائم بين البلدين. في هذا اللقاء أكد الجانبان على ضرورة عودة الشركات الكورية لاستكمال مشاريعها، بعد عودة العديد من الشركات العالمية المنفذة لعدد من المشروعات في ليبيا.

وربما يكون أول اختبار حقيقي يضع فيه القدر رجل الأعمال والسياسي الليبي بأن يتم اختياره لرئاسة المجلس الرئاسي الليبي في العام 2014، لكن مقرّبين منه يجمعون على أن ذلك الامتحان صنع منه شخصية سياسية تحظى بشعبية واسعة في الأوساط الليبية.

ويبدو أن المثل الشعبي القائل بأن “الضربة التي لا تقصم الظهر تقويه” ينسحب على معيتيق الذي يصفه خصومه بأنه تحدّى كل القيود والعراقيل ليصعد سلّم السياسة داخل مشهد سياسي يلفّه الغموض وتضعف فيه قدرات الدولة على إيجاد مخرج لأزمتها المستفحلة.

ومن الدلائل الواضحة على شخصية معيتيق والحجج التي لا تحتاج لإثباتات تأكيده على أن انتماءه الوحيد هو لليبيا ولمستقبلها كدولة يحلم بأن يقوم جميع الليبيين ببنائه، فيما يظل الصراع مفتوحا على كل الاحتمالات رغم المساعي الأممية لإيجاد طريق موحد وجامع لكل الليبيين.

ما هو مؤكد أن الشاب الصغير الذي صنع له اسما يظل محل جدل كبير بين طيف واسع من المدافعين عن ليبيا تحت رايات مختلفة، لكن العارفين بخبايا الرجل والمقرّبين منه يؤكدون أن انتماءه لا تحكمه نعرة الحزب ولا أيديولوجيا الجماعة، وأن عوامل توافرت لتصنع منه شخصية تحظى بالاحترام والتقدير في الأوساط الليبية.

صاحب رؤية

عوالم السياسة متشعّبة وقدرها أحيانا أن تجمع بين أطياف عديدة من الشخصيات يجرفها طيفها وتستهويها نعرة الإصلاح فتكون دافعها للعمل والابتكار من أجل التغيير خصوصا إذا كان الوضع مترديا ولا يسمح إلا بسلك هذا النهج.

مشروع معيتيق يهدف إلى إرساء الاستقرار الاقتصادي والأمني في ليبيا، وهو ما كان سببا رئيسا في انخراطه بالعمل السياسي. فقد كان عضوا فاعلا في حركة عملية تحرير العاصمة وتأمينها عام 2011. عمل إثر ذلك مع لجنة إحلال الاستقرار والتطوير في العاصمة الليبية طرابلس

معيتيق واحد من الذين يدفعهم حبهم لليبيا إلى تصور رؤية إصلاحية قوامها الجمع بين تصورات الحاضر والتأسيس للمستقبل رغم الألغام المزروعة في الحقول الليبية بكل مكان.

رغبة معيتيق الجامحة في إرساء الاستقرار الاقتصادي والأمني في ليبيا كانت سببا رئيسا في انخراطه بالعمل السياسي. فقد كان عضوا فاعلا في حركة عملية تحرير العاصمة وتأمينها عام 2011. عمل إثر ذلك مع لجنة إحلال الاستقرار والتطوير في العاصمة الليبية طرابلس بعد سقوط نظام القذافي، وهي اللجنة التي وضعت نصب عينيها توفير وتأمين وحماية الإمدادات الأساسية لسكان العاصمة طرابلس وعلى رأسها مياه الشرب والكهرباء والوقود.

اختار المؤتمر الوطني العام عندما كان الجهة التشريعية الشرعية الوحيدة في البلاد معيتيق عام 2013 مستشارا اقتصاديا له، وفي مايو 2014 منحت الثقة لشخص معيتيق باختياره رئيسا للمجلس الرئاسي الليبي، وقد ركز فور استلام مهامه على دعم جهود الحوار والمصالحة الوطنية وتحسين الظروف المعيشية لليبيين وحماية حدود البلاد، إضافة إلى إعادة هيكلة مؤسسات الدولة بما يتماشى مع الأغراض الوطنية الجديدة.

تنحّى معيتيق عن منصب رئاسة الوزراء، وفق ما تقرّ به مصادر مطلعة، لدرء شبح الانقسام والحروب الأهلية وللحفاظ على الاستقرار في ليبيا. لكنّ متابعين للشأن السياسي في ليبيا يقرّون بأن اختيار الرجل جاء بعد أربع جلسات تصويت شهدت مشادات كلامية بين الأعضاء. ولكن معيتيق لديه رؤية إصلاحية واضحة وعميقة لمستقبل ليبيا، وهي رؤية تؤسس لبناء قدرات الحكومة في مجالات الأمن والاستقرار وتلبية احتياجات جميع الليبيين.

هو ابن المليونير الليبي عمر معيتيق. ولد في مصراتة بليبيا عام 1972 لعائلة امتهنت التجارة والصناعة وتلقّى تعليمه في مدينة طرابلس، وقد أبدى اهتماما بمجال الأعمال في سن مبكرة. تحصل على إجازة في الدراسات الاقتصادية العالمية من جامعة لندن عام 1994. وهو مؤهل في الدراسات التجارية الدولية من الجامعة الأوروبية في بارما بإيطاليا.

بعد إتمام دراساته الاقتصادية عاد إلى ليبيا ليضطلع بمسؤولياته في إدارة الشركات التي تملكها عائلته. فأصبح عضوا بمجلس إدارة أصحاب الأعمال الليبيين الذي تشكل في العام 2003 كخطوة لتنظيم صفوف رجال الأعمال الليبيين لخدمة الاقتصاد الوطني.

وكغيره من الليبيين الذين اكتووا بنار التشكيك والعزل على غرار رئيس الوزراء الليبي السابق علي زيدان الذي تم عزله في 2014، فقد طالت معيتيق هو الآخر رياح الغدر الإخواني في ليبيا في أول مشوار جاد له في عالم السياسة الكبير.

طموحات معيتيق لا تقف عند الأعمال وإدارة الحسابات كأي هاو لمشروع اقتصادي بعينه، فمشروع الرجل كبير يتعلق بمستقبل ليبيا وكيفية تليين العلاقات الداخلية بين أبنائها لإيجاد أرضية خصبة للتفاهم وترك كل الاختلافات جانبا

لا ينتمي إلا لليبيا

عملية انتخاب معيتيق لا يزال صداها يتردد في ليبيا إلى الآن لأنها جرت في ظروف بقيت محل إثارة للجدل، وطالها التشكيك والطعن خصوصا من جانب جماعة الإخوان، فقد رفض أعضاء في المؤتمر الوطني ومن بينهم نائب رئيس المؤتمر عزالدين العوامي الاعتراف بشرعيتها طاعنين في منحها الثقة، فيما يؤكد المهتمون بالشأن السياسي الليبي أن دوافع من جماعات الإسلام السياسي كانت وراء الجدل الصاخب الذي أثارته عملية التصويت.

يفنّد معيتيق كل الأطروحات المشككة في تولّيه الرئاسة بالتأكيد على أن “من قاموا بانتخابه وتزكيته في المؤتمر هم مجموعة من الأعضاء المستقلين”، فيما يبرّئ نفسه من أيّ الانتماء لأيّ تيار سياسي بعينه أو حزب من الأحزاب بالقول “أنا لا أنتمي لأيّ تيار سياسي. لا إخوان ولا تحالف ولا إلى أيّ من التيارات السياسية الموجودة في ليبيا”.

المزاعم الباطلة التي يحمّلها إخوان ليبيا للرجل بأن تواطؤا تم الترتيب له في انتخابات المجلس الرئاسي ليصعد معيتيق إلى حكمه لا تجد صداها سوى عند فئة قليلة من المشككين في مسار التحول الذي رسمته أطياف واسعة من الليبيين، لكن الإخوان والدائرون في فلكهم سرعان ما نكثوا العهد واتفقوا على إفشاله بالخروج عن قرارات اتفاق الصخيرات، وها هم يرتّبون لنفس السيناريو في المحادثات الجارية بتونس بقيادة المبعوث الأممي غسان سلامة.

ربما ما يأخذه البعض على معيتيق أنه ظل مواظبا على الظهور إلى جانب رئيس المجلس فايز السراج كظلّه، ليس فقط خلال المفاوضات المرهقة التي جرت مع عضوي المجلس الرئاسي بالمنطقة الشرقية فتحي المجبري وعلي القطراني في تونس حول المادة الثامنة من الاتفاق السياسي المبرم في الصخيرات، وإنما أيضا عندما رافق السراج لتقديم التعازي في ضحايا التفجير الانتحاري بزليتن، وما تخلّل تلك الزيارة من أحداث أمنية واجهت موكب السرّاج ومرافقيه.

لكن مراقبين يؤكدون أنها لم تكن المرة الأولى التي يواجه فيها معيتيق التهديد، فقد تعرض بيته إلى هجوم بالقنابل في 26 مايو 2014 غداة أداء حكومته اليمين القانونية أمام رئيس المؤتمر العام.

وتؤكد المصادر أن معيتيق استعان بكتائب مصراتة ليصل إلى مقر الحكومة بطرابلس، فيما يفسّر منتقدوه ذلك بقدرة الرجل على استعراض نوع من الترهيب العسكري لإسكات خصومه، لكن معيتيق قرر المضي في ما كان يخطط له وأعاد المحاولة في الكثير من المرات وأبى أن يستسلم لدعوات المشككين.

الرجل يبدي عزمه على أن يكون واقفا في كل الشدائد والمحن التي تمر بها ليبيا، يعكس ذلك ترتيبه للاجتماعات والأعمال التي يقوم بها في الخارج مع أكثر من طرف، وخصوصا ما تعلق منها بالجانب الاقتصادي.

معيتيق كغيره من الليبيين الذين اكتووا بنار التشكيك والعزل على غرار رئيس الوزراء الليبي السابق علي زيدان الذي تم عزله في 2014، طالته هو الآخر رياح الغدر الإخواني في ليبيا في أول مشوار جاد له في عالم السياسة الكبير

طموحات اقتصادية

كان معيتيق حاضرا في جميع جولات الحوار السياسي التي احتضنتها مدينة الصخيرات المغربية، وارتبط اسمه بالكتلة المنشقة عن المؤتمر الوطني المؤيدة للحوار، لكنه يعمد إلى كسب ودّ جميع رؤساء بعثات الأمم المتحدة في ليبيا على غرار برناردينو ليون ومارتن كوبلر وليس انتهاء باللبناني غسان سلامة، وكثيرا ما يدعو من موقعه الأطراف الليبية إلى التهدئة والتحلّي بروح الوطنية والبحث عن مخرج للأزمة المستفحلة في ليبيا.

معيتيق غالبا ما توكل إليه مهمة الإشراف على الجانب الاقتصادي، وهو يخوض هذا التحدي بقدرة كبيرة على التواصل، خصوصا أن الرجل في جانب كبير من تخصصه قادر ومؤهل للتعامل بمنطق السوق وتحركه طموحات مشروعة لهيكلة مستقبله السياسي، لكن طموحه يظل مقيدا بعراقيل حيوية تحول دون تحقيق هدفه.

جانب الأعمال يبدو المحرك الأساس لشخصية ديناميكية يتفرّد بها معيتيق عن سواه من الغارقين في بحور النقد السلبي الذي لا يخدم ليبيا وفق أيّ تصور يراه هؤلاء وخصوصا أنصار حزب العدالة والبناء الإسلامي.

يركّز معيتيق عمله على جانب كبير من المعاملات الاقتصادية لليبيا مع الخارج ويحاول تقريب وجهات النظر رغم الأزمات التي تمر بها البلاد. فيما يندّد خصومه بالنهج الفاضح الذي يسير فيه وخصوصا مع القوى الكبرى على غرار روسيا التي تعتبر ليبيا هدفا استراتيجيا لعلاقاتها الاقتصادية.

لكن معيتيق يثني على أهمية الدور الروسي في حلّ الأزمة الليبية كلاعب محوري في ظل الظروف التي تعيشها ليبيا حاليا، ودائما ما يجدد دعوته لجميع الأطراف داخل ليبيا وخارجها من أجل إيجاد صيغة توافقية تمكّن من إخراج ليبيا من الأزمة التي تعيشها والذهاب نحو الانتخابات.

رجل العلاقات مع الغرب

يقول معيتيق “نحن نبحث عن أن يكون هناك دور إيجابي لموسكو في الوضع الليبي وأنتم تعرفون كل الأطراف وبالذات التي لروسيا تأثير مباشر عليها، لذلك يجب أن نعرف أن الطرف الروسي هو فاعل دولي والتوافق الدولي حول القضية الليبية مهمّ جدا، ولا بد أن يكون هناك اتفاق بأن يعمل الجميع تحت مظلة الأمم المتحدة وأن يكونوا شركاء فعليين لأجل أن تخرج ليبيا ممّا هي فيه الآن”.

وحول تحقيق التوازن بين العلاقة مع دول الغرب انطلاقا من تضارب مصالح هذه الدول مع الموقف الروسي يقول معيتيق “من المؤكد أن استقرار الوضع في ليبيا يهمّ كل الأطراف، والعدوّ الوحيد والموحّد للعالم كله هو الإرهاب وتنظيم الدولة الإسلامية الذي كان موجودا في ليبيا”، لكنه في جانب آخر يثني على النجاحات التي حققتها ليبيا بطرد التنظيم من بعض المعاقل التي كان يسيطر عليها وخصوصا مدينة سرت، فيما تبقى نعرات الميليشيات المتناحرة في ليبيا سؤالا لا يجد معيتيق ولا غيره مبررا للإجابة عنه.

ما هو مؤكد أن طموحات معيتيق لا تقف عند الأعمال وإدارة الحسابات كأيّ هاو لمشروع اقتصادي بعينه، فمشروع الرجل كبير يتعلق بمستقبل ليبيا وكيفية تليين العلاقات الداخلية بين أبنائها لإيجاد أرضية خصبة للتفاهم وترك كل الاختلافات جانبا.

ليبيا تحتاج نماذج مثل معيتيق كما أنها في أشد الحاجة للعديد من العناصر الشابة من أمثاله من المدافعين عن رايتها ورسم صورة أخرى لمشهد سياسي ملّ الرايات السوداء المتناحرة على اغتصاب ثروات البلاد.

7