أحمد مكي فنان كوميدي يعيد اكتشاف ذاته بفضح المتطرفين

الفنان أحمد مكي يخوض تجربة جديدة بعيدة عن الكوميديا الساخرة بعد أن صنع لنفسه رصيدا من الأدوار الهامة ذات الطبيعة الخاصة في هذا المجال.
الثلاثاء 2021/04/13
فنان يتمتع بكاريزما تميزه عن الكثير من أبناء جيله

لم تكن الحملة الإلكترونية الشرسة التي تعرض لها الفنان أحمد مكي من أنصار جماعة الإخوان مجرد صدفة، وتترقبه التيارات الإسلامية المتشددة خلال شهر رمضان أكثر من الجمهور العادي، لأنه يقوم بفضح كواليس العمليات الإرهابية التي قام بها متطرفون.

يؤدي مكي دور ضابط بالشرطة المصرية من خلال تجسيده دور البطولة في مسلسل “الاختيار 2”، وهو العمل الذي يسلط الضوء على جرائم الإخوان وأنصارهم ضد قوات الجيش والشرطة ورجال القضاء، وكشف خبايا عملياتهم الإرهابية، ودور الجماعة في تغذية اعتصام ميداني رابعة العدوية بالقاهرة والنهضة في الجيزة المجاورة لها، عقب سقوط حكم الرئيس الإخواني الراحل محمد مرسي في 3 يوليو 2013.

يأتي “الاختيار 2” مكملا للجزء الأول من المسلسل الذي عرض في شهر رمضان الماضي، وحقق نجاحا واسعا، وتناول جانبا من تضحيات الجيش المصري والتصدي للتنظيمات الإرهابية في منطقة سيناء، وانتهت حلقاته باستشهاد البطل الذي أدى دوره الفنان أمير كرارة الذي عرف بأدواره ذات الصبغة الأمنية.

نال مكي قسطا وافيا من الهجوم اللاذع من جانب الإخوان، لدرجة أن بعض المنابر الإعلامية المتناغمة مع الجماعة، مثل الجزيرة القطرية، زعمت تعرض مكي لضغوط من جانب السلطة المصرية لأداء هذا الدور، في حين أنه أبدى سعادة بالغة بمشاركته في العمل.

الجزائري المصري

تقمُّص مكي لأكثر من شخصية في مسلسل "الكبير أوي" على مدار خمسة أجزاء يعدّ تحديًّا نوعيّا، فالجمهور لم يشعر بالملل منه، وهو الذي اخترع لنفسه جملة من الوجوه عكست نضجه وملكاته الفنية، مثل "جوني" و"حزلقوم" و"بهيج" و"الكبير"

تلقف الباحثون عن الفشل فكرة أن مكي ولد بمدينة وهران الجزائرية، وليس مصريا، للتشكيك في انتمائه إلى الوطن والتعامل معه بعنصرية والإيحاء بأن العمل كان يستحق فنانا من جذور مصرية. لكنه التزم الصمت وتجاهل هذه الأصوات مستندا إلى رصيده كفنان يحمل الجنسية المصرية منذ فترة المراهقة عقب انفصال والديه، الأب الجزائري والأم المصرية، ويكاد يكون انتماؤه إلى مصر أكثر من بعض أبنائها.

يُدرك المتشددون أن مجرد ظهور مكي في عمل فني يتناول قضايا الإرهاب وجرائم الإخوان يعني أن نسبة المشاهدة ستكون عالية، لأنه يحاول استثمار المسلسل في إعادة تقديم نفسه للجمهور بطريقة مختلفة عن تلك التي ظهر بها خلال السنوات الماضية، وحصر نفسه في الأدوار الكوميدية.

وأوضحت بعض المقاطع التي أفرجت عنها الشركة المنتجة للمسلسل أن مكي يقدم دورا جديدا، وهو ما جعل الجمهور شغوفا بمتابعة العمل، خاصة بعدما ظهر الفنان مرتديا بزة ضابط بالقوات الخاصة وبهيئة تشبه الممثل العالمي فان دايز، من حيث ملامح الوجه والقوام الجسدي وصلابة العضلات.

لدى مكي شعبية واسعة داخل مصر وخارجها، حيث يتمتع بكاريزما تميزه عن الكثير من أبناء جيله، فهو أكبر من مجرد فنان كوميدي، بل مجموعة مركبة من ممثلين كوميديين لا يمل منهم الجمهور مهما قدموا نفس القوالب الفنية باستمرار. الأهم أن شخصيته مقبولة لدى شرائح عديدة، وهو من الممثلين الذين يمتلكون قدرات عالية وخبرات عميقة في التمثيل والإخراج والتأليف والسيناريو والغناء أيضا.

بناء على هذه السمات يمكن القول إن مكي فنان متكامل، يفهم في كل شيء تقريبا، ومن الممثلين المثقفين، وعلى دراية بالتطورات الفنية العالمية، واعتاد على ذلك منذ بداياته الفنية ليتعرف على كل جديد، بغرض صقل إمكانياته وتحقيق حلمه في النجومية والمنافسة على القمة.

روّج البعض عن مكي أنه سيفشل في المسلسل لأنه لم يشارك من قبل بأي عمل بعيد عن الكوميديا الساخرة، وهو يدرك جيدا حجم هذا التحدي، ويعلم أنه سيصبح تحت المجهر طوال الوقت، ليثبت لكل من انتقده ونال منه أنه قادر على التلون الفني بمرونة، ولديه ما يؤهله ليستحق البطولة في عمل تراقبه دوائر متعددة، ويتابعه شخصيا الرئيس المصري الذي طالب بضرورة إنتاج أعمال فنية تتناول قضايا التطرف والإرهاب.

بغض النظر عن المؤيدين والرافضين لمكي، فتجاربه كفيلة بالوقوف على طبيعة شخصيته كفنان عاش ظروفا بالغة الصعوبة ربما لم يمر بها أغلب أبناء جيله، واستطاع أن يخرج منها قويا صلبا ولديه من العزيمة والإصرار ما يكفي ليتجاوز كل المحن والاختبارات التي عجز كثيرون عن الوقوف في وجهها.

تعرض مكي لمحن مرضية كثيرة، وأبلغه الأطباء بأن حياته قاربت على الانتهاء عندما أصيب بفايروسات في الكبد والطحال أفقدته الحركة وجعلته عاجزا عن القيام بالحد الأدنى من مهامه الحياتية، وفي بعض الأحيان ظل جليس الفراش لشهور طويلة، لا يستطيع شرب الماء ولا تناول الأطعمة، وصار نحيفا وظهرت عليه ملامح الهزال.

المتشددون يدركون أن مجرد ظهور مكي في عمل فني يتناول قضايا الإرهاب وجرائم الإخوان يعني أن نسبة المشاهدة ستكون عالية

ابتعد عنه المعارف والأصدقاء ووجد نفسه وحيدا يواجه ظروفا صعبة. رغم المرض والابتعاد عن التمثيل، وانفصاله عن زوجته والإقامة وحيدا أغلب الأوقات، لم يستسلم وتمسك بالأمل حتى اللحظة الأخيرة، وبدأ يعيد بناء نفسه دون مساعدة من أحد، وقرر أن يغير من جلده بشكل جذري.

أعاد ترتيب حساباته بشأن الفن الذي اعتاد تقديمه، حيث كان يحصر نفسه في الكوميديا، وبدأ التفكير في الأعمال الجادة وأدوار الأكشن، ولأن جسده كان نحيفا قرر الإقلاع عن التدخين وممارسة رياضة رفع الأثقال والقسوة على نفسه، ليعود طبيعيا أكثر من أيّ وقت مضى وفاجأ جمهوره بالهيئة التي صار عليها بعد العودة.

يترقبه الجمهور المصري بشغف في زي الضابط الذي يحارب الإرهاب، متجاهلا قوالبه الفنية الكوميدية التي هو نفسه لم يعد يتقبل تكرارها، وصار شغوفا بتغيير الصورة التي عرفت عنه، والبحث عن كتابة تاريخ جديد من خلال عمل بطولي يخلد مرحلة سياسية استثنائية.

ميزة مكي أنه استطاع أن يصنع لنفسه رصيدا عند فئات متباينة، أطفالا وشبابا وأرباب أسر، بسطاء وأغنياء، بعدما قدم كوميديا ذات طبيعة خاصة، لا هي ساذجة ولا ثقيلة الظل، بل بطريقة سلسة، فهو يبهج المشاهد بحركات الوجه.

تقمص أكثر من شخصية في مسلسل “الكبير أوي” على مدار خمسة أجزاء دون أن يمل منه الجمهور. وبالرغم من أن العمل كان قائما عليه بشكل أكبر، لكنه اخترع لنفسه جملة من الشخصيات داخل العمل عكست حجم نضجه وخبراته وملكاته الفنية، ومنها “جوني” و”حزلقوم” و”بهيج” و”الكبير”.

كان المسلسل نقطة انطلاقة مكي نحو النجومية بعد سنوات طويلة من القيام بأدوار سينمائية ودرامية مختلفة، حيث بدأ حياته الفنية بعد التخرج مباشرة في معهد التمثيل بالقاهرة بظهور ضعيف في فيلم “ابن عز”، بعدها خاض تجربة الإخراج بالفيلم القصير “الحاسة السابعة”، وأدى فيه بعض الأدوار الهامشية كضيف شرف.

الخروج من النمطية

مكي يؤدي دور ضابط شرطة في مسلسل "الاختيار 2" الذي يسلط الضوء على جرائم الإخوان وأنصارهم ضد قوات الجيش والشرطة ورجال القضاء

رغم أن العروض التي كان يتلقاها ضعيفة فإنه آثر القبول بأي شيء ليضع نفسه على الطريق ويقدم نفسه للجمهور، ولم يمانع الظهور في بعض الأعمال ولو لمشاهد محدودة، حتى بدأ يظهر كنجم صف ثانٍ بعد شخصية هيثم دبور في سيت كوم حمل اسم “تامر وشوقية”، ليختاره الزعيم عادل إمام ضمن فريق عمل فيلم “مرجان أحمد مرجان”، وكان هذا العمل علامة فارقة في مشواره السينمائي.

اشترك بعدها في أعمال شبيهة بنفس الشخصية التي عرفها الجمهور عنه، شاب ساخر حياته فوضوية ويحاول تقليد الشباب في قصة الشعر والملابس والحركات البهلوانية واللغة العربية الممزوجة بالإنجليزية، حتى صار الكثير منهم يقلدونه، ووصفه بعض النقاد بأنه فنان يعكس التحول الجذري في أفكار المراهقين.

إذا كانت لمكي مكانة كبيرة عند المراهقين والشباب فإنها لم تولد بالصدفة أو بمجموعة أدوار تمثيلية يمكن وصفها بالمجنونة، بل نتجت عن مهاراته الفائقة في تقديم فن “الراب” بطريقة غربية جعلت أغلب هؤلاء يتفاعلون مع إيقاعه السريع وكلماته التي تنقل رسائلهم وأفكارهم الاجتماعية والسياسية.

درس مكي العديد من أنواع الموسيقى قبل بدايته الفنية، وظل حلمه الأول أن يكون مخضرما في فن “الراب”، لدرجة أنه يكتب كلمات أغانيه بنفسه، والكثير منها تتناول رسائل إيجابية، مثل محاربة المخدرات وتوجيه النصح للشباب وحث الصغار على أن تكون لديهم الأحلام ولا يعيشوا الحياة بلا هدف يقاتلون من أجله.

بلغت درجة مهارته في فن “الراب” أنه قدّم بعض الأغاني بلهجة صعيدية، وهو أمر بالغ الصعوبة عندما تكون طريقة الأغنية وكلماتها ذات الإيقاع السريع مستندة إلى فكر مجتمع يقدس العادات، ولدى أغلب سكانه حساسية مفرطة تجاه التقاليد، لكنه خاض التجربة ونجح فيها.

وهكذا ارتبط شغفه بـ”الراب” بطبيعة شخصيته التي يستهويها التمرد على الحياة بكل ظروفها، وكانت قناعاته مبنية على أن هذا النوع من الموسيقى معروف بنجاحاته القياسية داخل أي مجتمع يعاني من قمع الحريات وقلة منابر التعبير عن الرأي، فتعلم أصول هذا الفن وقواعده واستهداف الشريحة الناقمة على كل الأوضاع. ففن الموسيقى السريعة بكلماتها الخيالية والغريبة، من وجهة نظر مكي، أفضل القوالب الفنية التي تعبر عن الذات، وتنقل نبض الشارع وطموحات الناس، والراب فن الاحتجاج السلمي ضد أوضاع مطلوب تغييرها، سياسية أو اجتماعية، ولأجل هذه القناعات اكتسب مكي شعبية واسعة بين فئات كثيرة لديها نزعة التمرد.

مزاج خاص

شغف مكي بـ”الراب” يعود إلى شخصيته التي يستهويها التمرد، بناء على قناعته بأن هذا النمط معروف بنجاحه داخل أي مجتمع يعاني من قمع الحريات وقلة منابر التعبير عن الرأي. (الصور من صفحة أحمد مكي الرسمية على فيسبوك)
شغف مكي بـ”الراب” يعود إلى شخصيته التي يستهويها التمرد، بناء على قناعته بأن هذا النمط معروف بنجاحه داخل أي مجتمع يعاني من قمع الحريات وقلة منابر التعبير عن الرأي. (الصور من صفحة أحمد مكي الرسمية على فيسبوك)

بطبْعِه، شخصية محبة للحياة، لا يستهويه الدخول في معارك أو افتعال أزمات، وكل أمله أن يعيش الناس سعداء، حتى من ينافسونه في المهنة. وأكثر ما يبغضه أن يرى فئات تتناحر على قضايا اجتماعية وسياسية للحصول على مكتسبات ذاتية، مع أن الحياة أبسط من أن يعادي فيها الإنسان غيره مهما بلغت المصلحة.

يصعب أن تكتشف في سجلاته الفنية خلافا مع زميل بالمهنة، أو تجد موقفا معيبا أو سقطة كلامية، لدرجة أنه فنان بلا أصدقاء داخل الوسط بعدما كشفت له تجاربه المرضية أنه صديق نفسه، وهو الوحيد القادر على مداواة جراحه ومساعدة ذاته على عبور أزماته، لكن مواقفه الإنسانية تعكس صفاء شخصيته ونبل مشاعره.

يذهب كل يوم جمعة إلى سوق الحيوانات الأليفة بالقاهرة لشراء الطيور المريضة وعلاجها من ماله الخاص، بدعوى أنها بلا عائل ثم يستعين بها في أفلامه ومسلسلاته وأغانيه كنوع من مساعدتها على إظهار جمالها للناس، ويدعم جمعيات أهلية غير ربحية لمساعدة الشباب على تخطي الإدمان على المخدرات ودمجهم

في المجتمع، وهي مواقف تعكس ما بداخل هذا الفنان من جمال شخصية ونقاء روح يجعلانه بديعا في صفاته الإنسانية قبل أن يكون فريدا في قدراته التمثيلية التي يحاول البعض تشويهها.

13