أحمد نجيب الشابي سياسي تونسي بدد نضاله بالخسارات

السبت 2014/10/18
الشابي بندول السياسة في تونس

معارض تونسي يختزن مسارا قلّ نظيره عند غيره، أو لنقل قلّ غيره من اختط لنفسه مسارا مماثلا. انتقل بخفة بين الأفكار والأيديولوجيات. يمكن توصيفه بعثيا وقوميا وماركسيا لكنه قرر في نهاية المطاف أن يكون سياسيا بسيرة ذاتية مكتظة بالتعرجات. لكن موقعه الحالي في الساحة السياسية التونسية، لا يتناسب وماضيه الحافل بالتجارب، علل البعض ذلك بـ”ترحاله السياسي”، وفسر بعض آخر تقهقره بحسابات خاطئة كان يتقن إنجازها كما كان يتقن صنع المبادرات والتيارات والأحزاب.


مدرسة اليسار


أحمد نجيب الشابي، سياسي تونسي قادم من مدرسة كبرى هي اليسار التونسي في معناه العام الكبير، تتلمذ في حركة آفاق وسليلتها منظمة “العامل التونسي”، التي تعد النواة الصلبة للجيل الثاني للحركات اليسارية بعد حركة آفاق، والتي سميت كذلك لأن مجموعتها المؤسسة التقت حول مجلة العامل التونسي (نشرية بدأت في الصدور عام 1969 وكانت تستعمل اللهجة العامية في كتاباتها قطعا مع جيل آفاق الذي كان يستنكف عن اللغة العربية ويحبّر كتاباته باللغة الفرنسية).

ولد أحمد نجيب الشابي عام 1944 في تونس العاصمة، رغم أن لقبه يحيل إلى انتمائه الجريدي، (منطقة الجريد جنوب غرب البلاد) وإلى عائلة الشابي المعروفة في الحقل السياسي (قدمت عائلة الشابي الموسعة عشرات المناضلين فضلا عن شاعر تونس الأول أبي القاسم الشابي). زاول تعليمه الابتدائي والثانوي في المدرسة الفرانكو الآراب بضاحية أريانة ثم بمعهد كارنو حيث تحصل على شهادة الباكالوريا عام 1964، انتقل بعدها إلى باريس. انخرط في العمل السياسي منذ شبابه صلب التيار البعثي وتعرض جراء نشاطه السياسي إلى محاكمات ثلاث من قبل محكمة أمن الدولة ونال أحكاما قاسية (11 سنة حضوريا عام 1968 قضى منها سنتين، و12 سنة غيابيا عام 1974، وتسع سنوات أخرى غيابيا في محاكمة عام 1975).


الجزائر وباريس


تسلل إلى الجزائر عام 1971 ومنها إلى فرنسا حيث أقام حوالي 7 سنوات ثم عاد إلى تونس سرا عام 1977 قبيل اندلاع أزمة يناير 1978 (معركة كسر العظام بين الحزب الاشتراكي الدستوري والاتحاد العام التونسي للشغل) وفي تلك الفترة واصل الشابي العمل السياسي السري إلى حدود عام 1981 حيث استفاد من الانفتاح السياسي الذي أجبر بورقيبة على انتهاجه تخفيفا للاحتقان، وهو ما أتاح له بعد سنتين، أي عام 1983، المشاركة بفعالية في تأسيس “التجمع الاشتراكي التقدمي” صحبة لفيف من الشخصيات التقدمية واليسارية، وبعدها بعام واحد أصدر صحيفة الموقف الأسبوعية لسان حال الحزب.

من هنا بدأ مسار أحمد نجيب الشابي يتخذُ وجهة أخرى، حيث خرج من العمل السري بكل ما ينتجه من خصوصيات وبعض تسامح وتعاطف من قبل الحلفاء والخصوم، إلى ضوابط العمل السياسي العلني وما يجره من مقتضيات في التعامل مع النظام والحلفاء. هنا، تماما، أصبح كل فعل سياسي يقدم عليه الشابي يقع في دائرة الخلاف وفي منطقته، ويفرز، بنفس القدر، مساندة ومعارضة.


مع ميثاق بن علي


إثر انقلاب 7 نوفمبر 1987، كان أحمد نجيب الشابي، من بين الممضين على الميثاق الوطني عام 1988، الذي أراد من خلاله زين العابدين بن علي ولوج الساحة السياسية التونسية بأكثر ضمانات تتيح له، لاحقا، تدجين أكثر ما يمكن من الأطراف السياسية. واحتاج الشابي وحزبه إلى سنتين كاملتين ليعلن القطيعة مع نظام بن علي، بسبب معارضته للنهج الأمني الذي انتهجه نظام “العهد الجديد” (كما كان يسمى آنذاك)، وكانت أولى المآخذ على الشابي وحزبه، وجدير بالذكر هنا أن أغلب الأحزاب والأطياف السياسية التونسية أمضت على الميثاق الوطني، عدا قلة من التيارات التي رفضت الميثاق وصاحب الميثاق باعتبار أنه قادم من نفس البيئة السياسية البورقيبية، وكان حمة الهمامي زعيم حزب العمال الشيوعي الصوت الوحيد الرافض مبدئيا للميثاق الوطني، ويلاحظ أن الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة حاليا) أمضى على الميثاق الوطني كقاعدة للعمل السياسي في البلاد، ويقال إن راشد الغنوشي أطلق يومئذ قولته الشهيرة “”ثقتي في الله أولا وثقتي في بن علي ثانيا".

بعد فرار بن علي كان الشابي يحمل كل مؤهلات قيادة المرحلة؛ تبعا لإرثه النضالي، ولمعارضته للنظام السابق، لكنه سارع إلى الانضمام إلى حكومة محمد الغنوشي التي لاقت معارضة واسعة

الديمقراطي التقدمي

واصل الشابي نشاطه صلب التجمع الاشتراكي التقدمي الذي حصل على التأشيرة القانونية عام 1988، وتغير اسمه في المؤتمر الثالث للحزب في جوان2001، ليصبح “الحزب الديمقراطي التقدمي”، وكان ذلك نتاجا لمراجعات وتقييمات معمقة قام بها الحزب (حسب مناضليه وقياداته) أدت إلى تغيير في أسلوبه النضالي، وإقرار تقديم “العمل السياسي على الأيديولوجي” وهو ما يعني انفتاح الحزب على ناشطين من مشارب فكرية مختلفة كالمستقلين واليساريين والإسلاميين وغيرهم، وكان هذا المأخذ الثاني أو الأكبر على الحزب وعلى زعيمه.

بين 2004 و2009 ترشح الشابي إلى الانتخابات الرئاسية، لكن ترشحه كان يواجه في كل مرة بتعديلات دستورية تقصيه من خوض غمار المنافسة، واعتبرت بعض القوى أن ترشح الشابي أضفى على نظام بن علي بعض المشروعية السياسية، في حين كان الشابي يصر على أن إصراره على الترشح كان يهدف، من جملة ما يهدف إليه، إلى فضح النظام وجبروته، ويعتبر أن التعديلات التي تجرى على الدستور كان المقصود بها إقصاؤه أكثر من أي شيء آخر.


نقطة التحول


النقطة الأبرز في مسيرة الشابي السياسية، هي لحظة 18 أكتوبر 2005. الأبرز لأنها كانت حدثا ترك أخاديد غائرة في الطيف السياسي التونسي المعارض برمته، لا تزال آثارها ماثلة إلى اليوم. ففي 18 أكتوبر 2005 وتزامنا مع انعقاد القمة العالمية لمجتمع المعلومات في تونس، أعلنت مجموعة من الشخصيات السياسية التونسية دخولها في إضراب جوع احتجاجا على التضييق على الحريات السياسية ومطالبة بحرية التعبير وحق التنظّم، وتكونت المجموعة المضربة من؛ أحمد نجيب الشابي (أمين عام الحزب الديمقراطي التقدمي)، حمة الهمامي (الناطق الرسمي لحزب العمال الشيوعي التونسي)، عبدالرؤوف العيادي، سمير ديلو (حركة النهضة الإسلامية)، المختار اليحياوي (قاض معارض)، العياشي الهمامي (محام يساري)، لطفي حجي (صحفي)، محمد النوري (ناشط سياسي بتوجه إسلامي). وتحول الإضراب والحدث إلى إطار عمل سياسي مشترك تشكل يوم 24 ديسمبر 2005، وأصبح يضمّ أحزابا وشخصيات تونسية تجمعها معارضة بن علي، وتفرقها الانتماءات الأيديولوجية، لكنها اتفقت على أرضية عمل موحدة أمضت عليها أحزاب عديدة (قانونية وغير قانونية آنذاك) أبرزها؛ الحزب الديمقراطي التقدمي،والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، وحركة النهضة الإسلامية، والمؤتمر من أجل الجمهورية، وحزب العمال الشيوعي التونسي، والوحدويون الناصريون، إضافة إلى عدة مستقلين.

تحول إضراب 18 أكتوبر إلى “هيئة” دعت في بيانها التأسيسي إلى “بلورة عهد ديمقراطي يكفل لكل المواطنين والمواطنات المساواة والحريات والحقوق الأساسية غير القابلة للتصرف أو الاستنقاص ويشكل قاعدة للمشاركة السياسية والتداول على الحكم على أساس تناظر وتنافس البرامج والرؤى وهو عهد من شأنه أن يرتقي بمستوى وحدة العمل إلى إرساء أسس التغيير الديمقراطي”. وأفرزت النقاشات داخل الهيئة إصدار وثائق حول “العلاقة بين الدين والدولة”، وحول “حرية الضمير والمعتقد” و”حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين".

انتقل بخفة بين الأفكار والأيديولوجيات، ويمكن توصيفه بعثيا وقوميا وماركسيا لكنه قرر في نهاية المطاف أن يكون سياسيا بسيرة ذاتية مكتظة بالتعرجات

التجربة برمتها، وما أفرزته من وثائق مهمة، ظلت مثار نقاش محتدم لم يخفت إلى اليوم، بل إن لحظة 18 أكتوبر أدت في أقصى تعبيراتها، إلى انقسام حاد شق صفوف المعارضة التونسية، لا سيما اليسارية منها. حيث اعتبر الشق المعارض لها أنها قدمت طوق نجاة للإسلاميين، وأن هؤلاء لا يمكن الالتقاء معهم على أيّ أرضية عمل سياسي ورأت المجموعة المعارضة للحظة 18 أكتوبر أن الإقرار لحق الإسلاميين في الوجود السياسي لا يترتبُ عنه، ضرورة، إقامة تحالف معهم يقدمون دلائل استبداد أشد بأسا وأكثر شمولية من الاستبداد القائم، فضلا عن أن الاختلاف مع الإسلاميين ليس مجرد اختلاف سياسي يمكن تجاوزه بإمضاء اتفاق أو وثائق بل هو تعبير عن مشاريع مجتمعية متناقضة.

أدى الخلاف إلى تصدع كبير ضرب كل التيارات الديمقراطية التونسية، التي انقسمت إلى مناصر لـ18 أكتوبر ومناهض لها، وبما أن الجميع كان يعرفُ أن أحمد نجيب الشابي هو مهندس التجربة برمتها وحامل لوائها، فقد انصبت عليه جل سهام النقد، وتحوّل عند البعض إلى “نجيب الله” إشارة إلى دفاعه المستميت (آنذاك) عن الإسلاميين.

أثناء الثورة التونسية لعب الحزب الديمقراطي التقدمي وزعيمه الشابي دورا بارزا في تأجيجها وتوسعها إلى كل جهات البلاد، وكانت الإطارات الوسطى للحزب تتصدر المظاهرات في البلاد، بل إن “عطية العثموني” ممثل الحزب في جهة سيدي بوزيد (منطلق الثورة وموطن البوعزيزي) توصل إلى أن يصبح المتحدث باسم الحراك الشعبي في وسائل الإعلام العربية والدولية.

بعد فرار بن علي، يوم 14 يناير 2011 كان أحمد نجيب الشابي يحمل كل “المؤهلات” اللازمة لقيادة المرحلة؛ تبعا لإرثه النضالي الطويل، ولمعارضته الطويلة لبن علي، فضلا عن امتلاكه حزبا استطاع أن يضم ويجمع حوله عديد الشخصيات الوطنية من مختلف المشارب والحساسيات الفكرية، وأن يتمايز بشكل واضح عن معارضة الموالاة، لكن كل ما توفر له من مؤهلات بدأ في التبدد صبيحة 15 يناير، إذ سارع الشابي إلى الانضمام إلى حكومة محمد الغنوشي الأولى ثم الثانية (وزير للتنمية الجهوية والمحلية) وهي حكومة لاقت معارضة واسعة من أغلب فئات المجتمع التونسي الذي رأى فيها امتدادا لنظام بن علي (محمد الغنوشي آخر وزير أول في عهد بن علي)، وهو ما أدى إلى سقوط الحكومة يوم 27 فبراير 2011 وخلفه الباجي قايد السبسي رئيسا للحكومة المؤقتة الثانية. بدد الشابي ألقه النضالي أيضا من خلال رفضه المستميت لحل “التجمع الدستوري الديمقراطي” (حزب بن علي) وحتى إن حاول تقديم مبررات وجيهة لرفضه، إلا أن عدم مسايرته للمزاج الشعبي أدى إلى مزيد انفضاض الناس من حوله. الزلّة الأخرى التي ارتكبها الشابي تمثلت في رفضه مطلب إنشاء مجلس تأسيسي جديد، وخالف مجددا المزاج الشعبي العارم الذي كان سائدا مذاك في القصبة1 والقصبة2 (اعتصامات شعبية في القصبة حيث مقر الحكومة انتظمت للتنديد بتواصل النظام وللمناداة باستكمال الثورة).

الواضح أن نجيب الشابي، يجرّ وراءه تاريخا مكتظا بالمحطات النضالية العديدة، كان خلالها فاعلا باقتدار؛ مؤسسا وصانع مبادرات ومغردا خارج السرب أحيانا، لكن ما يميز الشابي أن وضعه السياسي الحالي لا يتناسب مع هذا الرصيد (استعرضنا نزرا يسيرا منه) لكن موقعه الراهن يعود، في جزء كبير منه إلى ممارسات الشابي نفسه، فمثلما أسلفنا الذكر أن الرجل بوصفه زعيما سياسيا فاعلا، فإن أغلب ما كان يدعو إليه أو يصرح به أو يعلنه كان مثار اختلافات. لم يسكن الرجل في منطقة الإجماع إطلاقا.

من بدايته البعثية إلى تحوله المباغت إلى اليسار الماركسي في السجن أو في رحلته إلى فرنسا (حسب بعض الروايات)، إلى تأسيسه التجمع الاشتراكي التقدمي (الذي أصبح الحزب الديمقراطي التقدمي ثم الحزب الجمهوري بعد الثورة)، مرورا بتجربة 18 أكتوبر، وصولا إلى نسخة الشابي ما بعد الثورة، كان الشابي يتقنُ “تبديد” مسيرته” وتبذيرها، وكأن “وليد جنبلاط تونس” (كما أسماه البعض) لم يجد بعدُ مستقره السياسي النهائي، أو مازال في طور التجريب. على أن كل ذلك، لا يقلل من قيمة الرجل السياسية، وقدرته على الخطابة وهدوئه وتحليله المعمق للأوضاع، يتكلم بنفس “أرستقراطي” هادئ قد يثير الإعجاب، لكن “حصاد بيدره” يختلف كثيرا عن “حسابات حقله”.. ذلك هو أحمد نجيب الشابي، أحد أكبر الفاعلين السياسيين في تونس، وأكثرهم إتقانا للخسارات.

12