أحمد نعواش الرسام المختلف في فلسطينيته

الأحد 2015/11/01
أحمد نعواش مترفا بطفولة لم يعشها سواه

ستوكهولم - لكي يكون رساما كان عليه أن يبقى طفلا في السابعة إلى الأبد، في قرية عين كارم التي تقع غربي القدس رسم أولى لوحاته فكانت الطبيعة مصدر إلهامه البصري. يومها رسم صلاح الدين الأيوبي كما تخيله واقفا وسط حقول قريته الخضراء. سيكون عليه دائما أن يعود إلى ذلك الطفل لكي يكون مرشده في الرسم كما لو أنه يضع كل ما تعلمه في حياته الأكاديمية بين يديه.

في السابعة من عمره ولن يكبر

“لقد تعلمت الرسم من أجلك” هذا ما يمكن أن يقوله أحمد نعواش لقرينه الطفل الذي يرسم بيديه. لا يتعلق الأمر بالذاكرة وحدها، بل وأيضا بما يفسر خلوّ تلك الذاكرة من كل ما يذكر به الواقع من شقاء تاريخي. لا تزال رسوم نعواش تعيش طفولة ممكنة. شيء منها يصلح مادة لشريط سينمائي طويل يروي حكاية طفل لم يكبر.

بصراحة أكبر فإن ذلك الطفل هو الذي قرر ألا يكبر. لديه سبب آخر غير الرسم. ينتظر ذلك الطفل العودة إلى قريته بالعمر نفسه الذي بدأ الرسم فيه بين حقولها.

بالنسبة إلى نعواش فإن عين كارم ليست بعيدة. إنها تقع في رسومه في كل لحظة إلهام وهي التي رافقته إلى المدن الغريبة التي أقام فيها. لذلك يحضر الرسم بعفوية وتلقائية كما لو أنه تنويع على إجابة لم تكتمل بعد وقد لا تكتمل أبدا، ما دامت عينا ذلك الطفل مفتوحتين على الأفق البعيد.

انفصال الأشكال، بعضها عن البعض الآخر يظهر كصفة أولى لعالم نعواش. ذلك العالم الطفولي الذي تنبعث منه دهشة أولية هي أشبه بصرخة ناعمة تمتلك القدرة على أن تعدي المتلقي ببراءة أسبابها ودوافعها، لينضم مدفوعا بقوة تأثره إلى لعبة

مروض الذكريات الذي صنع عالما خطيا

ولد أحمد نعواش عام 1934. درس الفن في روما وتخرج من أكاديميتها عام 1964. انتقل بعدها إلى بوردو الفرنسية ليدرس هناك فنّ الحفر على الحجر (ليثوغراف). انضم عام 1975 إلى مشغل الفنان الفرنسي جورج راييز ليزيد من معارفه التقنية في مجال الحفر الطباعي، وقد كان للمواد المستعملة في الحفر والطباعة بما تنطوي عليه تفاعلاتها الكيمائية من مفاجآت أثر كبير في صياغة التقنيات التي كان نعواش ينفّذ من خلالها رسومه. وهي تقنيات ترتكز بشكل أساس على المعالجة الخطية، حيث تظل الأشكال محتفظة بخطوطها الخارجية التي تشكل حيزا يفصل بينها وبين سطح اللوحة، كما لو أنها الصقت هناك لتعلن عن رغبتها في أن تغادر إلى مكان آخر.

انفصال الأشكال، بعضها عن البعض الآخر هو الصفة الأولى لعالم نعواش. ذلك العالم الطفولي الذي تنبعث منه دهشة أولية هي أشبه بصرخة ناعمة تمتلك القدرة على أن تعدي المتلقي ببراءة أسبابها ودوافعها، لينضم مدفوعا بقوة تأثره إلى لعبة، يدرك جيدا أنه لن يكون سيدها. لقد تعلم نعواش من الحفر الطباعي الشيء الكثير من أسرار المفاجأة. ما يصمت منها وما يسقط على حافات اللغة مثل كلام فائض. مكنه صده للأساليب المدرسية من أن يخلص للعب، باعتباره مهارة خيال لا يقبل الخطأ. يرسم نعواش ما كان قد تخيله في أزمنة سحيقة. يخيل إليّ أحيانا أنه يرسم مغمض العينين. فما يرسمه ليس ما يراه تماما. تعصف الذكريات به، غير أنه اكتسب مع الزمن القدرة على ترويضها.

في الإخلاص إلى الرسم ممر إلى الوطن

ينتمي أحمد نعواش إلى جيل الآباء المؤسسين للفن التشكيلي الفلسطيني. يقف إسماعيل شموط في المقدمة دائما. معه يمكن تذكّر تمام الأكحل وعبدالحي مسلم وكمال بلاطة وآخرين استطاعوا بكدح وشظف عميقين أن يساهموا في الحفاظ على الذاكرة الفلسطينية التي هي عنوان الهوية الوطنية في مواجهة عالم، سعى ولا يزال يسعى إلى تزييف التاريخ.

رسوم نعواش تعيش طفولة ممكنة

الأساس في العمل الفني الفلسطيني كان يقوم على مواجهة العالم بحقائق العيش التي كان الفلسطينيون قد رسّخوها عبر القرون على أرض، قرر الآخرون في لحظة غباء عنصري أنها لن تكون لهم. لذلك اتجه الفن الفلسطيني إلى أن يكون فنا مباشرا، يغلب عليه طابع الشعارات النضالية. كانت إشكالية القضية تلقي بظلال كئيبة على الفن.

في هذا المجال وجد نعواش ما ينقذه من أن يكون جزءا من ذلك النشيد الجماعي. لقد قرر أن يقيم في ذاته الفلسطينية التي لا تشبه أيّ ذات فلسطينية أخرى.

هرب إلى الرسم ليصنع منه معادلا للواقع. فالرسم من وجهة نظره إن أخلص لعالمه لا يمكنه أن يخون قضية عادلة. وهو ما جعله يرسم بجرأة مَن يكتب يومياته.
كل ما تركه نعواش على سطح اللوحة لا ينفصل عن حياته، فلسطينيا يعيش كل لحظة حلم العودة. في لوحات نعواش يمكننا أن نرى سيرة للحلم الفلسطيني الذي لم يقع على الأرض بعد، فقرر أن يبقى محلقا.

فن نعواش هو الدرس الصادم الأول الذي تلقته الثقافة الفلسطينية لكي ينتبه صنّاعها إلى أن الفن يقع في مكان آخر غير ذلك المكان الذي كتب فيه محمود درويش قصيدته البريئة (سجل أنا عربي). لقد تبدّل الزمن وتغير العالم ولم يعد الهتاف مجديا.

يرسم بيدي الطفل

تعلم أحمد نعواش من الآخرين ما يجعله صنيع ذاته. في أسلوبه الفني تصادم، تذهب الأساليب وتتفاعل المؤثرات، غير أن نعومة رسومه تعينه على التسلل بخفة من ذلك الصراع المحتدم. هل هو فنان فطري؟ ولكنّ أثرا من الأسبانيين جوان ميرو وبابلو بيكاسو لا يتعب نفسه في إخفائه.

قد يمتعه أن يكون قريبا من السويسري بول كليه، غير أنه يظل مختلفا عنه في مفهوم الحكاية التي تصنع الرسم.
استفاد نعواش كثيرا من السرياليين وبالأخص في مجال الدعابة السوداء، غير أنه ظل محتفظا بتفاؤله. ذلك التفاؤل الذي ورثه من ذلك الطفل الذي كانه وهو في السابعة من عمره.
نعواش يرسم بيدي الطفل الذي لا يزال مقيما في خياله

ربما تذهب عبارة (الرسم كالأطفال) إلى الفرنسي جان دو بوفيه. الرسام الذي استلهم رسوم الأطفال في فنه وكان له أثر لافت على الكثير من الرسامين في العالم. كان هناك رسامون عرب قد تأثروا به. نحن محقون في ذلك. غير أن أحمد نعواش كان أكثر صفاء في رسومه من دو بوفيه.

طفولة نعواش في التعبير عنها رسما لم تكن مجرد شخبطة. العالم الهذياني الذي سُحر به دو بوفيه وسَحر الآخرين به لم يكن هو العالم الذي كان نعواش يود إقامته.

كان عالم نعواش أقل تكلفة، غير أنه كان أكثر عاطفة. لا يفكر نعواش في الطفولة مطلقة، بل في طفولته هو، الرجل الذي تمر به السنوات ويأبى أن يغادر سن السابعة من عمره. أعتقد أنها تجربة خاصة في العيش يمكنها أن تنتج تجربة خاصة في الفن. نعواش لم يقلد طفلا مجهولا في رسومه بل كان يرسم بيدي الطفل الذي لا يزال مقيما في خياله.

أترف فلسطينه بالرسم

يلذّ لأحمد نعواش وهو ابن الثمانين أن يوصف فنه بالنعواشي. وهو أسلوب فني اقترحه الرجل ليكون رساما وفلسطينيا في الوقت نفسه. لقد قُدر له أن يرى ما لم يره الآخرون.

فإن لم يفعل الفن شيئا في مواجهة العالم فإن عليه أن يغيّرنا على الأقل. وهذا بالضبط ما فعلته رسومه. لقد غيرت طريقتنا في النظر إلى الفلسطيني التائه. هناك في رسوم نعواش حياة كاملة لا يمكن أن تقوم إلا في فلسطين. لقد أترف نعواش فلسطينيته بالكثير من جمال الرسم.
10